استفحل خطر الفكر الظلامي، وتعاظم حجمه لما وصل إلى المنبر الدراويش، والطرقيون، والمتحزبون المتشبعون بالفكر الظلامي العنصري فأفسدوا الجو الإسلامي، النقي والطاهر، الصافي والمقدس، الذي ينبغي أن يهيمن على المسجد. أئمة، البعض وليس الكل، دعاة الحقد والكراهية وزارعي العنف والإرهاب، أئمة تسلطوا وسلطوا على منابر الجمعة بغرض قلب الحق باطلا والباطل حقا، بغرض مهاجمة اليسار والديمقراطية، مهاجمة الحداثة والتنوير والثقافة الحقوقية، متأولين نصوص الدين تأويلا سيئا وتوظيفها توظيفا مشبوها، متحذلقين في العبارات بغرض إثارة النقمة والكراهية في صفوف المصلين، ليس فقط ضد الحضارة الإنسانية وضد الثقافات الأخرى، بل ضد إخوانهم من المغاربة الذين يخالفونهم في الرأي والموقف، وهم في كل ذلك لا يصدرون إلا عن نزواتهم السياسية الضيقة… وكانوا يحضرون لقدوم حزب العدالة والتنمية ذي “المرجعية الإسلامية” يحضرون لزحفه، وهم من أجل ذلك سوغوا ويسوغون لأنفسهم كل السبل والوسائل، بما في ذلك أكثرها انحطاطا وهي الكذب، بل أن بعضهم بلغ به الغلو والانحراف عن تعاليم الإسلام ووأد حرمة المسجد أن قام ويقوم بالدعاية الانتخابية داخل المسجد لصالح البيجيدي بدعوى أنه حزب «إسلامي»!

الإرهاب المزدوج

لمدة تفوق ثلاثة عقود، استهدف اليسار في المغرب، الذين آمنوا بمغرب حداثي متقدم، آمنوا وناضلوا، فتعرضوا لإرهاب مزدوج، جسدي وفكري… نعم تعرض مناضلو اليسار، تعرض الاتحاديون بالدرجة الأولى، تعرض كل الديمقراطيين لأبشع ألوان الإرهاب الجسدي (اعتقال، تعذيب، اختطاف، نفي، اغتيال، دفن جماعي…) جربت فيهم مختلف أشكال الإهانة والإبادة…
نسجل هذا وأكثر من هذا… نسجل القليل مما نعرفه والكثير الذي لا نعرفه… ما لا نعرفه نحن ويعرفه الجلادون والضحايا… نسجل ونسجل، ومع ذلك نقر أن الإرهاب الجسدي دمر أولئك الذين كانوا موضوعا له، والذين عاشوا معهم معاناة هذا التدمير، الأهل والأحباب الأصدقاء والرفاق…
وإذا كانت هذه المأساة، هي مأساة الذين عذبوا وقتلوا… فالمأساة الثانية/الإرهاب الفكري كانت أبشع وأخطر، لأنها مست الشعب المغربي كله، بل الإنسانية جمعاء، لأنها لم تستهدف الأشخاص المناضلين بل استهدفت الفكر الذي هو أبقى… لقد منعت وصودرت كل الصحف والمجلات والأقلام ذات التوجه العقلاني العلمي، التنويري الحداثي، التوعوي التحريري، الاشتراكي الديمقراطي (التحرير، المحرر، أفلام، الثقافة الجديدة، الزمن المغربي، البديل، المقدمة، أنفاس، المشروع..)

محاصرة الفكر النقدي

صودرت المجلات والكتب التي تنمي العقل وتعلم التفكير، التي تزرع الوعي وتهزم الجهل، التي تحطم المألوف وتكسر المعتاد، التي تحرر الأحكام المغلوطة والمعتقدات الفاسدة، التي تدمر المسميات وتحطم المطلقات… تم توقيف العقل عن التفكير ومنعت/أحرقت الأوراق النقدية والمستقبلية، الأوراق التي تتغنى بالإنسان وتحلم بالخبز والورد… وكان “البديل” الذي بذلت جهود كبيرة وصرفت أموال طائلة وجندت أجهزة متعددة لإنجاحه… “البديل” الذي سيربح من تعب السؤال… فتدفقت من هنا ومن هناك أشباه الكتب والشرائط والبخور… “كتيبات” رخيصة  وعديمة القيمة… وجهت ضربة قاضية للفكر والتفكير… تتحدث عن عذاب القبور وأهوال جهنم… عند المرأة والشيطان… ” كتيبات” أعدمت الإنسان عندما دجنته بوصفات غريبة عن هويتنا وثقافتنا، أعدمته عندما جردته من كل أبعاده العقلية والوجدانية والحركية وجهزته لابتلاع فتاوى الجهل والظلام… وبقدر ما دمرت الإنسان فكريا دمرته جماليا لما فرضت عليه وجها وزيا غريبين بدعوى أنه زي “إسلامي”… وكانت النتيجة هي الفراغ العاطفي والخواء الفكري… وكانت النتيجة موت الإنسان وميلاد الإرهاب.

اغتيال العقل

كما حوصر العقل والتفكير عندما حوصرت الفلسفة في المؤسسة التعليمية (الثانويات والجامعات) بدعوى أنها تدعو إلى الكفر والإلحاد… وهي تهمة قديمة قدم الأنظمة الاستبدادية التي تمقت النقد والرفض، الفكر والعلم، الاختيار والحرية، الوجود والإنسان… حورب العقل، حوربت الحرية، حورب الإنسان، حورب السؤال وأعدمت كلية “لا”…
إذن قرر إلغاء الإنسان فألغيت الفلسفة في الثمانينيات وألغي العقل… تم تحريم السؤال ومنع التفكير… فكان إحداث شعبة “بديلة” لشعبة الشغب والرفض…شعبة “جديدة” محدثة، والهدف هو إفراغ العقول والقلوب، إحلال ثقافة الطاعة والسكون محل ثقافة المعارضة والتغيير… إغراق الطالب في الماضي عوض الانفتاح على الحاضر والارتماء في المستقبل… ترسيخ “النعم” والقطع مع “اللا” وكانت النتيجة أن تاهت الجامعة لما تاه طلبتها في متاهات الظلام.

انسحاب المثقفين وهيمنة الدعاة

في السبعينات والثمانينات مورست مختلف أشغال الإبادة على الأساتذة، المتنورين الديمقراطيين… قطعت أرزاقهم … مورس عليهم العنف المادي والرمزي… جربت فيهم مختلف ألوان العقاب والإرهاب… أبشع أساليب التهديد والتخويف… فكانت النتيجة أن انسحب المثقفون/المدرسون/المربون واستقالوا من مهامهم بحثا عن «راحة البال»… ونتيجة للخوف الذي وشم المرحلة وللقلق الذي سكن الجميع، استبطن المدرسون الرعب والإرهاب فتخلوا عن المثل والأحلام، عن المبادئ والقيم، عن الواقع والآفاق… فتحولوا من مناضلين فاعلين إلى كائنات خبزية همها الوحيد الترقية والترقي، الإضافة والزيادة، الانسحاب والمغادرة القسرية والطوعية… فكان “البديل” ظهور مدرسين “جدد” دعاة ووعاظ، يضربون المقرر عرض الحائط ويبتعدون عن الدرس، بل ويقبرون المادة، مادة التخصص فيحدثون التلاميذ بأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، يخربون عقول التلاميذ ويدمرون حياتهم، يحولون حصص مواد علمية إلى وعظ وإرشاد أو حديث عن السياسة والسياسيين. وهذه خيانة في حق التلاميذ. فهناك من “يغتصب” التلميذ/التلاميذ بإبعاده عن جوهر الإسلام، إسلام السماحة والانفتاح، إسلام الحب والسلام فيكبله بأغاليل الجهل وقيود الظلام، ويشحنه بوصفات مصدرها “الكتب” الرخيصة التي تباع في الرصيف عند صاحب العطور والبخور، حرام هذا، ممنوع ذاك… عذاب هنا، جهنم هناك… حساب وعقاب، ويل وسعير، نار ولهيب.
وبسبب هؤلاء المدرسين والدعاة اقتحمت الأفكار الظلامية التي لا سند لها في القرآن والسنة، اقتحمت المؤسسات التعليمية.. ومن هذه الأفكار التي يزرعها هؤلاء في عقل ووجدان أطفالنا وشبابنا: “اليهود أبناء القردة والخنازير، وأن كراهيتهم واجب شرعي”، “الاشتراكية كفر والديمقراطية زندقة”، “المعارضة عصيان” و”الاستبداد قضاء وقدر”… علما بأن هذه الأفكار لا صلة لها بالمقرر الدراسي ولا بالدين الإسلامي.

الجهلوات في المنابر

واستفحل خطر الفكر الظلامي، وتعاظم حجمه لما وصل إلى المنبر الدراويش، والطرقيون، والمتحزبون المتشبعون بالفكر الظلامي العنصري فأفسدوا الجو الإسلامي، النقي والطاهر، الصافي والمقدس، الذي ينبغي أن يهيمن على المسجد. أئمة، البعض وليس الكل، دعاة الحقد والكراهية وزارعي العنف والإرهاب، أئمة تسلطوا وسلطوا على منابر الجمعة بغرض قلب الحق باطلا والباطل حقا، بغرض مهاجمة اليسار والديمقراطية، مهاجمة الحداثة والتنوير والثقافة الحقوقية، متأولين نصوص الدين تأويلا سيئا وتوظيفها توظيفا مشبوها، متحذلقين في العبارات بغرض إثارة النقمة والكراهية في صفوف المصلين، ليس فقط ضد الحضارة الإنسانية وضد الثقافات الأخرى، بل ضد إخوانهم من المغاربة الذين يخالفونهم في الرأي والموقف، وهم في كل ذلك لا يصدرون إلا عن نزواتهم السياسية الضيقة… وكانوا يحضرون لقدوم حزب العدالة والتنمية ذي “المرجعية الإسلامية” يحضرون لزحفه، وهم من أجل ذلك سوغوا ويسوغون لأنفسهم كل السبل والوسائل، بما في ذلك أكثرها انحطاطا وهي الكذب، بل أن بعضهم بلغ به الغلو والانحراف عن تعاليم الإسلام ووأد حرمة المسجد أن قام ويقوم بالدعاية الانتخابية داخل المسجد لصالح البيجيدي بدعوى أنه حزب “إسلامي»!

تفريخ الأحزاب وتمييع السياسة

في فترات عسيرة من تاريخ بلادنا، تم تفريخ الأحزاب بأمر من السلطة فتم تمييع الحياة السياسية، ولعبت الأجهزة الأمنية أدوارا متعددة في الحد من دور الأحزاب الوطنية والديمقراطية بالاعتقالات والاختطافات والتهديدات والترهيب وبث العملاء وتطويق المقرات وتتبع المناضلين وإحصاء أنفاسهم وخطواتهم وشراء الذمم… وتمييع الحياة السياسية وإضعاف قوة الأحزاب وتقزيم تمثيليتها بالإضافة إلى عمليات التزوير المختلفة التي طالت كل الانتخابات التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال.
ولقد كان الاتحاد الاشتراكي، المستهدف الرئيسي والأساسي في هذا المسلسل… ولتدمير حزب القوات الشعبية تم توظيف وتجنيد الإسلامويين واستخدامهم كآلات لتنفيذ مخططات التصفية والتقتيل… وكان الشهيد عمر بن جلون الضحية الرمز للعنف الإرهابي… وباقي المسلسل نعرفه، صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة.
القمع المجتمعي

لقد وجدت الأحزاب الديمقراطية المغربية نفسها بعد الاستقلال ضحية قمع سلطوي من طرف الدولة، وخلال أربعين سنة عملت الحكومات المتعاقبة على إفقار المجتمع فسلبت الإنسان المغربي كرامته ونزعت منه أي تطلع للمستقبل وجعلته رهينا للحياة البئيسة، مما جعل هذه الأحزاب تواجه نوعا من القمع هو القمع المجتمعي، إذ أصبح من الصعب أن نقنع قوى المجتمع بخطاب عقلاني ديمقراطي حداثي، في الوقت الذي نجد فيه من السهل على تيار يدعو إلى نوع من الفكر الديني أو الأصولي استقطاب أكبر عدد بسهولة جدا.

معالم الإخوانية

هذه هي، أو بعضها، الظروف التاريخية، السياسية والاجتماعية والفكرية التي تم فيها التحضير لخلق حزب سياسي إسلاموي “حزب العدالة والتنمية” حزب صنع في دهاليز الإدارة، خصوصا إدارة الداخلية في عهد ادريس البصري. صنع لمحاصرة الأحزاب الديمقراطية الحداثية من خلال التشكيك في مشاريعها وأطرها وإلصاق تهم الزندقة والكفر والإلحاد بكل مناضل يساري، حقوقي، حداثي، اتحادي… في ظروف تاريخية عسيرة شجعت الدولة “الإسلام السياسي” في لبوسه الدعوي والحزبي، ووفرت له شروط الاشتغال والانتشار بهدف مواجهة اليسار الديمقراطي… واستغل الإسلاميون هذا التشجيع “للتسرطن” في المجتمع… وستتنبه الدولة إلى خطر هؤلاء مع أحداث الدار البيضاء المؤلمة في 16 ماي 2002، فتبين لها أنها تزرع ما حصدت… أن اليسار كان يؤطر الجماهير لتفجر حناجرها في التظاهرات الاحتجاجية، أما الإسلاميون فيدجنون هذه الجماهير لتفجر أجسادها… وتبين أن الإسلاميين تيار يسكن ماديا في المغرب لكنه يقيم روحيا في جغرافيا مفترضة هي إقامة الدولة الدينية في المغرب، أي الطريق إلى أخونة العالم.
وإذا كانت حركة التوحيد والإصلاح تقدم نفسها باعتبارها ثمرة اجتهادات الحركة الإسلامية المغربية، ونتيجة التجاوب بين اجتهادات الإسلاميين المغاربة وإخوانهم في الشرق، وبرغم ذلك فإنها تؤكد على “مسافة تنظيمية من حركة الإخوان المسلمين”، وكذلك على مسافة من بعض اجتهادات هذه الحركة.
إذا ما دققنا النظر في هذا القول على ضوء تاريخ الكيانين وهيكلتهما التنظيمية، وكذلك على ضوء تقييم فترة ممارستها للحكم من خلال حزب العدالة والتنمية في المغرب (نونبر 2012 إلى الآن) وحزب الحرية والعدالة في مصر (يونيو 2012، يوليوز 2013)، فسنجد أن هناك تماثلا بين الكيانين لا يخرج عن الإطار العام الذي رسمه حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في الثلث الأول من القرن العشرين.

فشل “المشروع” الإسلامي

كان من النتائج المباشرة للانتفاضات التي عرفها العالم العربي منذ حادثة محمد البوعزيزي في يناير 2011، تسلم الإسلاميين دفة الحكم ليجدوا أنفسهم، لأول مرة، في مواجهة مباشرة مع مسؤوليات التدبير الحكومي. حدث هذا في تونس مع تشريعيات أكتوبر 2011 التي أفرزت تحالفا ثلاثيا بقيادة حركة النهضة، وفي المغرب عقب تشريعيات نونبر 2011 التي فاز بأغلبيتها حزب العدالة والتنمية. وهو نفس السيناريو الذي حصل بعد رئاسيات 2012 التي قادت الإخوان المسلمين إلى تسلم الرئاسة بمصر.
لقد تمكنت حركة الإسلام السياسي بفضل رياح “الربيع العربي” من الوصول إلى صدارة المشهد السياسي. قد نختلف أو نأتلف في تقييم هذا التاريخ المفارق للحركات الإسلامية، لكن المؤكد أن حكم الإسلاميين من خلال التجارب الثلاثة قد فشل في تحقيق “النهضة” الموعودة وفي توحيد المجتمع وفي تنزيل الوعود الانتخابية إلى أرض الواقع، سنة من الحكم انتهت بخروج الشارع المصري وعزل الرئيس، وفي تونس استمرت ظاهرة الاغتيال السياسي فسقوط حزب “النهضة”، وفي المغرب تصدع التحالف الحكومي وتبخرت الوعود الانتخابية مقابل سخط الشارع ودخول المغاربة قاعة انتظار باردة.

أسباب انهيار «البديل» الإسلامي

يرتبط فشل الإسلاميين بطبيعة تصورهم للديمقراطية التي اختزلوها خلال ممارستهم للحكم كمعادل وحيد لصناديق الاقتراع، حيث صارت الشرعية الانتخابية هي سندهم في الحكم كطريق للاستفراد، وإلغاء المعارضة في التفكير والتدبير. ولذلك أصبح المشترك في خطابات الإسلاميين بأنهم إفراز لصناديق الاقتراع، وبالتالي فأي طعن في الحاكمين وسياساتهم هو طعن في الديمقراطية… إن معظم تدخلات عبد الإله بنكيران لا تخلو من التشديد على أن الله اختار حزبه لقيادة البلاد واختاره لحل أزمات المغرب. ومعني ذلك أن من “اختاره الله” لا ينبغي أن يتم انتقاده أو معارضته. وهذا هو سر نرفزة بنكيران كلما تناهى إلى علمه خبر مظاهرة أمام البرلمان أو احتجاج في قرية أو اعتصام بمعمل… لأن هؤلاء في نظر بنكيران يعاكسون إرادة الله، ولا يعاكسون إرادة رجل حكومة منتخب على قاعدة المسؤولية والمحاسبة ولا يعاكسون إرادة رجل سياسي قد يصيب وقد يخطئ… توظيف الميتافيزيقا لإفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
في هذا الإطار لابد من استحضار مكون أساسي “في فكر الإخوان المسلمين” يتمثل في أن الإسلاميين بشكل عام لا يؤمنون بفكرة الوطن الذي تحده جغرافية محدودة وسيادة مضبوطة، بل هم مشدودون إلى فكرة يعتبرونها هي الأسمى والتي تفيد بأن الوطن هو الأمة الإسلامية. ولذلك اعتبروا ما جرى في مصر يجري في بيتهم الخاص.
والإصرار الشديد لحركة التوحيد والإصلاح على تعبئة أنصارها للتظاهر بالمغرب ضد ما تسميه “الانقلاب على الشرعية” في مصر لا يفسر إلا بشيء واحد ألا وهو اعتقادها بأن ذهاب مرسي هو إيذان بذهاب حركات الإسلام السياسي من المقاعد الحكومية، لدرجة أن شدة هلعهم وفزعهم من استحضار هذا المآل جعلهم يبرمجون وقفات احتجاجية يوم عيد العرش بعدة مدن مغربية -جريدة الوطن الآن، العدد 531-
أما ذريعة الشرعية التي يناضل الإسلاميون المغاربة من أجل استعادتها أسوة بإخوانهم في مصر، فتعتبر عن طبيعة فهم كل فروع الإخوان المسلمين للسياسة وللفكرة الديمقراطية ولنمط تدبير الحكم، ذلك أن اصطفافهم المتأخر وراء العمل الديمقراطي الذي كانوا يكفرون منظريه لم يكن في الواقع سوى الجسر الذي يركبونه للوصول إلى الحكم، ومن ثم الانقلاب عليه. حدث هذا في مصر حين استولى مرسي وجماعته في ظرف سنة على المناصب العليا وأقر الإعلان الدستوري القائم على الاستبداد وحاصر القضاء والإعلام والفن والثقافة، وهو نفسه ما يحدث في المغرب اليوم، حيث قامت الحكومة الحالية بإصدار قانون تنظيمي واحد ألا وهو قانون التعيين في المناصب السامية لتتمكن من زرع أوتادها في الإدارة وبالقطاعات الحساسة وأيضا بتكذيب كل وعودها الانتخابية، بدءا من التراجع عن رفع نسبة النمو، والعمل باتجاه تحسين شروط الحياة للمواطن المغربي، وتعطيل العمل التشريعي…
إن مرحلة الوصول إلى الأجهزة التنفيذية والتشريعية في سلوك الإسلاميين ما هي إلا مرحلة انتقالية يتم فيها الاستيلاء على الدولة وأجهزتها على طريق استنبات كل شروط قيام الخلافة، دون أن يشركوا المعارضة في القرار ودون الوفاء بمشاريعهم الانتخابية، وكذلك بدون استحضار أن الشرعية ليست فقط نتائج الانتخابات، بل هي الآلية التي تتضمن حماية التعدد السياسي والفكري المجتمعي، وهم ماضون في التجني على الديمقراطية فكرا وسلوكا فقط لأنهم مدججون بسلاح “الشرعية”.