كرّس الفوارق الطبقية وخلق التمييز بين المواطنين

 إنجاز: وحيد مبارك

تم ، قبل أيام ، تخليد السنة الثالثة على دخول نظام المساعدة الطبية إلى حيز التطبيق وسط أجواء احتفالية من طرف حكومة بن كيران التي رأت بأن توفر المعوزين المستهدفين من هذا النظام على بطاقة “الراميد” ،هو مكسب، حتى وإن كانت غير ذات فاعلية وجدوى على أرض الواقع خلافا للتصريحات الرسمية، وذلك بفعل استنزاف المستشفى العمومي الذي يقدم خدمات مجانية دون الحصول على مقابل لها من قبل الأطراف التي تعهدت بتوفير السيولة المالية لضمان استمرارية هذا المرفق الصحي، والحال أنه أصبح يعيش حالة من الشلل التي ترفع من درجات الاحتقان بفعل الضغط المتزايد من طرف فئة من المواطنين تم تصنيفها ووصمها بالعوز مع ما يعنيه ذلك من إحساس بالدونية، وتوجيهها قسرا للمستشفى العمومي سعيا وراء خدمات صحية، يتم التصريح بأنها متوفرة خلافا للواقع، وهو ما يجعل فضاءات هذه المستشفيات شاهدة على مشاهد عنف مادي ومعنوي في كل وقت وحين؟
نظام جاء مستهدفا لثمانية ملايين ونصف مليون مغربي من ذوي الدخل المحدود ومن لادخل لهم ممن هم في وضعية هشاشة، في الوقت الذي لاتشكل نسبة المستفيدين من التغطية الصحية من الموظفين والمستخدمين إلا 30 في المئة من تركيبة المجتمع المغربي، وقد بلغ عدد المؤهلين للاستفادة من “الراميد” لحدّ الساعة 8 ملايين و 152 ألفا و 168 مواطنا، هذا في الوقت الذي بلغ عدد الطلبات التي تم إيداعها لدى السلطات المحلية 3 ملايين و 283 ألفا و 313 طلبا، تمت المعالجة المعلوماتية لـ 3 ملايين و 220 ألفا و 444 طلبا، وتم قبول 3 ملايين و 4622 طلبا، وتشكل الفئة المصنفة من المستفيدين ضمن خانة فئة الفقر 84 في المئة، بينما 16 في المئة هم مصنفون في خانة الهشاشة، 53 في المئة منهم في الوسط الحضري و 47 في المئة في الوسط القروي.
أعداد المواطنين الذين استفادوا من البطاقة لم تمكنهم جميعا من الحصول على الخدمات الصحية المبتغاة بما أن النص القانوني الأصلي تم تحويره والالتفاف عليه من خلال مراسيم تطبيقية حصرت المساعدة في حدود الممكن والمتوفر داخل مستشفيات تئن تحت وطأة العوز المادي، مادامت الحكومة لم تسلم ما بذمتها لها، مما يتعذر معه توفير المعدات الطبية والتقنية للاستفادة من الفحوصات والتحاليل وغيرها من الخدمات الصحية، أخذا بعين الاعتبار أن الميزانية التي خصصتها الدولة للمستفيدين من هذا النظام هي لاتتجاوز مبلغ 350 درهما للمواطن الواحد سنويا، هذا في الوقت الذي كان الفاعلون والمهتمون ينتظرون العمل على بلورة نظام للتغطية الشاملة لكافة المواطنين على قدم المساواة، قائم على التضامن بين كل مكونات المجتمع.

د. مولاي أحمد العراقي
  ما هي القراءة التي يمكنكم تقديمها لمنظومة التغطية الصحية بالمغرب؟

    انطلاقا من المؤشرات الواردة في الدفاتر الوطنية للصحة لسنة 2010 التي أطرت فيما بعد للإستراتيجية القطاعية للصحة خلال الفترة ما بين 2012 – 2016 التي بدأت بأجرأة ما سُمي في أوائل القرن 21 من خلال مدونة التغطية الصحية الأساسية / القانون 65.00، لنظام المساعدة الطبية للمعوزين “راميد”، يتضح أن التأمين الإجباري على المرض الذي دخل حيز التنفيذ ابتداء من سنة 2005، قد اتسم على صعيد المنخرطين بانتقال النسبة المئوية لهاته الفئة من 25 في المئة في سنة 2005 إلى 33 في المئة في 2010، مقابل ارتفاع ضعيف في النسبة المئوية التي ساهم بها كل من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إذ في 2005 كانت نسبتهما المئوية تناهز 17 في المئة، وانتقل الأمر إلى 18.3 فقط في المئة خلال سنة 2010.
معطى يحيل على 3 ملاحظات يمكن الخروج بها تتمثل في الوضعية القانونية للمغاربة بعد أجرأة نظام التأمين الإجباري عن المرض ، التي بينت على أن ثلث المواطنين فقط هم الذين لديهم وضعية ملائمة للانخراط في هذه الصناديق، ويتعلق الأمر بالموظفين بالقطاع الخاص أو العام، في حين أن الثلثين المتبقيين ليست لهما هذه الوضعية.
في حين تتمثل الملاحظة الثانية في استرجاع المصاريف الذي تراجع على حساب المنخرط، فإذا ما اعتبرنا أن نسبة 8 في المئة من المواطنين قد ارتفعت، في حين لم ترتفع نسبة النفقات الإجمالية للصحة من خلال مساهمة الصناديق إلا بنسبة 1.3 في المئة، فهذا يعني بأن استرجاع المصاريف قد تراجع على حساب المواطن/المنخرط بطبيعة الحال.
وهنا تجب الإشارة إلى إشكالية كبيرة بالعودة إلى القوانين التطبيقية للتأمين الإجباري عن المرض، إذ يتضح أن هناك سلة للعلاجات محصورة في 42 وباء، وهي أوبئة خطيرة، مزمنة، بل ومميتة في آخر المطاف، في حين أن الأوبئة المنتشرة التي تهمّ الأطفال وغيرهم هي غير مستحضرة.
وبخصوص الأوبئة الخطيرة المكلّفة المدرجة ضمن خانة الأمراض التي تحظى بالتغطية نجد ما يسمى بالتعريفة المرجعية، وفي الوقت الذي تحضر بعض الأدوية والخدمات ضمن هذه الخانة تغيب بالمقابل أخرى، أخذا بعين الاعتبار كذلك مساهمة المريض/المنخرط، علما بأننا نكون أمام حالات عدة لمنخرطين هم مطالبون بتأدية ما يفوق 50 في المئة من الفاتورة بالنسبة للأمراض المكلّفة من أجل استرجاع المصاريف الطبية، ويتضح أمام هذا الوضع على أن المنخرط الضعيف على المستوى المادي الذي يؤدي اشتراكه ولم يسترجع تعويضات في الأوبئة المنتشرة، حين يصاب بمرض مكلّف بعد تقاعده براتب هزيل ، لايسترجع شيئا للكلفة الباهظة لعلاج المرض، عكس المنخرط الذي له إمكانيات، فيصبح بهذا الفقير متضامنا مع الغني؟ دون إغفال أننا نتحدث عن ثلث المواطنين المغاربة فحسب بعيدا عن الثلثين المتبقيين!
ثم الملاحظة الثالثة والأخيرة وهي التي تتعلق بإشكالية التطبيب المطروحة بالنسبة لثلثي المغاربة.

هل تم اعتماد حلّ لهاته الإشكالية الأخيرة؟

  بالنسبة لثلثي المغاربة المتبقيين طُرح موضوع مجانية العلاج وأن تتحمل الدولة تكاليف هذا الأمر، لكن عندما جاءت الحكومة الحالية قالت بأنها ستعوض هذا الأمر بنظام المساعدة الطبية “راميد” الذي تم الاشتغال عليه والتحضير له وجاء كمجهود لحكومة التناوب التي كان يرأسها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وصرّحت بأنها خصصت له ميزانية تتمثل في 300 مليار لفائدة 8.5 مليون مغربي معوز، أي أن نصيب كل مواطن من هذه الفئة هو محدد في مبلغ 350 درهما سنويا للعلاج، والحال أن النفقات الإجمالية للفرد في مجال الصحة في المغرب، وفقا لأرقام سنة 2010 دائما، هي 1450 درهما، وفي أوروبا تتراوح ما بين 3 و4 آلاف أورو، وفي الولايات المتحدة الأمريكية هي محددة في 8534 دولارا سنويا.
أمام هذه المقارنة نجد بأن الغلاف المالي المخصص للراميد هو ربع الغلاف المتوسطي لنفقات الصحة في المغرب، أي 350 درهما من أصل 1450 درهما، وبهذا الغلاف تم سحب مجانية العلاج التي لم تعد متداولة، وتم تعويضها بنظام المساعدة الطبية “راميد”، أو ضرورة التوفر على تغطية صحية سواء تعلق الأمر بالتأمين الإجباري عن المرض، أو انطلاقا من الصناديق الاجتماعية والمؤسسات التأمينية من أجل التطبيب، أو تسديد مصاريف العلاج من جيوب المواطنين بشكل من الأشكال!

  هل هذا يعني بأن مدونة التغطية الصحية الأساسية جاءت محبطة للتوقعات؟

  مدونة التغطية الصحية الأساسية هي جميلة من حيث النص القانوني، لكن المراسيم التطبيقية التي جاءت ابتداء من سنة 2005 كلها تذهب إلى تعجيز المهنيين وتجعل من هذا المعطى أمرا واقعا محسوما، وتعمل على إيهام المرضى بأن هناك تقدما خلافا للواقع الفعلي، الذي يتم تحميل المسؤولية فيه للأطباء والادعاء بأنهم يهتمون بمصالحهم الشخصية، من خلال تصريحات الوزير وخطواته.
كل هذه الخطوات هي مساعدة للدولة على التراجع عن التزاماتها السابقة كما هو الشأن بالنسبة لمجالات أخرى كالتقاعد والخدمات العمومية وغيرها، مقابل الزيادة في الضرائب وارتفاع الأسعار، مما أصبح معه “الراميد” في آخر المطاف مجرد تجسيد لاختيار وتوجه رأسمالي متوحش حسب التوصيات الدولية، والمؤسف أنه تم التعامل مع الوضع وتفاعلاته في عدد من المحطات من لدن بعض الفاعلين، عن حسن نية، كما لو أنه مكتسب، والحال أننا أمام انتكاسة كبرى.

  لكن المستفيدين من هذا النظام يطالبون بخدمات أمام عدم توفرها تعيش المؤسسات الصحية احتقانا كبيرا؟

  المغاربة للأسف لحد الساعة هم غير واعين بما يقع، وباسم المبادئ والأخلاق يتم خداعهم، وينتظرون من المستشفيات تقديم خدمات لهم هي غير متوفرة لمجرد أنهم يتوفرون على بطاقة راميد، والحال أن الوعود والتصريحات التي تعطى لهم هي كاذبة مقارنة بالإمكانيات المتوفرة والاختصاصات الموزعة.

  إذا تم القفز على الروح التي أطّرت تنزيل هذا النظام في عهد حكومة التناوب؟

  لقد اشتغلنا على مدونة التغطية الصحية الأساسية كمناضلين منذ أواسط الثمانينات، وتحديدا منذ برنامج التقويم الهيكلي ، إذ اعتبرنا حينها أن هناك تنازلات تنطوي على مخاطر وتبعات وخيمة، وفي سنة 1998 ومن خلال مشاركتنا كحزب للقوات الشعبية في حكومة التناوب التي ترأسها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، تم فتح الورش الصحي الذي كان من الأوراش الكبرى التي فتحت مباشرة، فتم وضع مدونة التغطية الصحية الأساسية، التي لايمكن في الظرف الحالي التقدم بما هو أفضل منها، لأن روحها هي روح اجتماعية، بنفس تضامني، وواقعي كذلك لتفادي أية تجاوزات على مستوى استرجاع المصاريف بالنسبة للصناديق، لكن المراسيم التطبيقية التي جاءت ابتداء من 2005 لا علاقة لها تماما بمبادئ مدونة التغطية الصحية الأساسية.

  ماهو المطلوب إذن؟

 المطلوب أن يعي الجميع بأن الصحة ليست نشاطا تجاريا، وأن يتم تحمل مسؤولية الاختيارات والقيام بنقد ذاتي، مع العمل على المراجعة النقدية الشمولية المندمجة مقابل توفر الخبرة المناسبة، وذلك من أجل منح أمل حقيقي في إمكانية لما هو أفضل.

أستاذ في الطب، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية