المسيرة التي عرفتها تونس أول أمس ضد الارهاب تحمل أكثر من دلالة . إنها وإن نظمت للتنديد بالعملية الارهابية التي استهدفت بلد قاسم الشابي وفرحات حشاد، وأودت بحياة أرواح بريئة من عدة جنسيات ، فإن توقيتها وسياقها والمشاركين فيها يبعث رسائل عدة نذكر من بينها :
إن مسيرة تونس تؤكد أن هناك تضامنا عالميا ضد الإرهاب والتنديد به وملاحقة مخططيه ومنفذيه ؛ تنظيمات وأفرادا ، وضرب أوكاره ، واعتباره فكرا يتستر وراء الدين ويسعى إلى تقويض المجتمعات وإشاعة الفوضى واللااستقرار … لقد شارك في المسيرة التي اتخذت شعارا لها « بوحدتنا ننتصر على الارهاب»، قادة دول وأحزاب ونقابات وفعاليات المجتمع المدني .
إنها جاءت كذلك لحماية مسار ديمقراطي ببلد انطلق منه الربيع العربي قبل أربع سنوات، وتشبثت القوى الديمقراطية به بفسحة الأمل التي انبثقت بعد الإطاحة بنظام الرئيس الهارب بنعلي . وإن اتسعت هذه الفسحة عقب استحقاقين انتخابيين فإنها مازالت محفوفة بالمخاطر ليس فقط من التنظيمات الإرهابية المسلحة، بل وحتى من بعض الأطراف «الشريكة» في المسار الديمقراطي.
ثالثا ؛ إن هذه المسيرة جرت على مرمى حجر من بؤر توقد نارها جماعات إرهابية ترتبط بما يسمى ب» داعش»، وتحتل مناطق واسعة من ليبيا . بل إن منفذي عملية باردو تدربا بأحد معاقل هذه الجماعات . واليوم فإن مسيرة تونس تعد رسالة قوية بأن هناك تحالفا دوليا وتعبئة شعبية لدعم تونس من جهة، ومن جهة ثانية أن من بين أهدافه استعادة ليبيا لاستقرارها ولوحدتها .
رابعا ؛ هذه المسيرة جرت في بلد عضو باتحاد المغرب العربي الذي وقعت دوله الخمس قبل ربع قرن على اتفاقية مراكش لإنشاء تكتل إقليمي . لكن لأسباب يعرفها الجميع توقف قطار هذا الاتحاد سنة 1994 وتعطلت مؤسساته…
اليوم لابد أن نقرأ في مشاركة المغرب وبقية دول الاتحاد، وضمنها المغرب بوفود رسمية وحزبية(ضمنها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) ومنظمات المجتمع المدني في مسيرة تونس ، بأنها إشارة دالة وعميقة بأن مواجهة خطر الإرهاب الذي تعرفه الدول المغاربية الخمس يقتضي عودة الروح لاتحاد المغرب العربي من خلال صياغة جديدة لبنياته ومؤسساته تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط روح مراكش ، بل روح طنجة التي احتضنت مؤتمر أحزاب الحركات الوطنية المغاربية في أبريل 1958 ونحن على بعد أسابيع من هذه الذكرى التاريخية.
إن أبرز الأسلحة لمواجهة مخاطر الارهاب هو الديمقراطية لإفساح المجال للمشاركة السياسية في تدبير الشأن العام، والاندماج الاقتصادي بهذا الفضاء الذي له من الإمكانيات البشرية والطبيعية ما يحقق التنمية والقضاء على مظاهر الفقر والهشاشة والإقصاء. ومن الأسلحة كذلك لمواجهة التحديات هو تعزيز العلاقات بين الأحزاب الديمقراطية والمجتمع المدني المغاربي وبينها وهياكل الاتحاد . لقد أخلفت الدول المغاربية أكثر من موعد مع التاريخ . وهاهي اليوم أمام فرصة جديدة تحصن هذه الدول من مخاطر الانفصال التي تهدد وحدتها وتضعف استقرارها وتعيق تنميتها .
اليوم روح طنجة ومراكش وزيرالدا وتونس …. شاركت في المسيرة مسيرة أول أمس الأحد. فلننظر إلى المستقبل الذي لن يكون في مستوى طموح شعوب المنطقة إلا بالوحدة ونبذ الخلافات المصطنعة ونوايا الهيمنة .

* الثلاثاء 31 مارس 2015