أصالة عن نفسي ونيابة عن أسرة الفقيد، و خاصة عن أمي التي رافقت الراحل الى أن رحل الى جوار ربه، أتقدم بالشكر لحزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، وعلى رأسه القائد التاريخي، أحد أبرز قادة الحركة الاتحادية، الاستاذ عبد الرحمان بن عمر، لدعوتنا لهذا التأبين لرفيق الدرب والنضال احمد بنجلون رحمه الله.
عندما اتصلت بي اللجنة التحضيرية من أجل إلقاء كلمة باسم العائلة، استفزتني كلمة -العائلة-… لأنني استحضرت ما كان يقوله الفقيد بشكل ستاليني – الحزب قبل العائلة-.
هاته الجملة معبرة فعلا عن حياة الفقيد، حياة وهبها للنضال على حساب نفسه وأسرته… جملة جعلتني منذ صغري أطلق عليه مذكرة بحث… في عوالم السياسة والدولة والاعلام والتاريخ والمحاماة.
فرغم العلاقة العائلية مع الراحل، أعتذر إن كانت كلمتي مطبوعة بالسياسة … لان العلاقة كانت شبه سياسية.
على سبيل المثال، حتى اسم الدلع كانت فيه السياسة، بحيث انه اسماني عمر على الشهيد عمر بنجلون، ومحمود على الشهيد محمود بنونة، لكنه كان يسميني «عميروش» تصغيرا لعمر، وكان اسما ظريفا في دهني. يوما ما سألته هل عميروش لها معنى سياسي مثل عمر و محمود ؟ أجابني ان عميروش هو بطل حرب التحرير الجزائرية… فاقتنعت نهائيا أن لا مفر لي من السياسة.
«الحزب قبل العائلة» … قيلت لي هذه المقولة في منزلنا بزنقة الحسيمة بحسان، بعد خروجه من سجن لعلو سنة 1984. كنا نلعب الشطرنج، وقلت له -هل هاته آخر مرة ستعتقل فيها … أم ما زلت ستغيب عنا ؟- أوقف تركيزه عن اللعب … وأشعل سيجارته من نوع الداخلة… وتمعن بنظرة حزينة الى الأرض … ليجيبني-Nous sommes une famille tragique-
كان سؤالي شرعيا للغاية…لأن ذاكرتي بدأت تصقل من سنة 1981 ، وأنا في سن الرابعة، في مناخ مليء بالمحاكمات والاعتقالات والزيارات الجماعية للسجن والزيارات البوليسية للمنزل.
بعد اعتقال الوالد لمدة اشهر في ظروف الاضراب العام لسنة 1981، تم الافراج عنه بأمر من قاضي التحقيق الاستاد حسن السيمو، الذي تميز بشجاعة نادرة في زمن الرصاص كما كان يقول الوالد رحمه الله,. فلم تمر سنتان عن خروج الفقيد من السجن, ليرجع اليه في ما يعرف بأحداث 08 مايو 1983 ليقضي سنة في سجن لعلو الشهير، أو فندق النخلة كما كان يسميه، الذي اصبح اليوم متحفا عسكريا.
عند خروجه في 1984 ، أتيحت لي أول فرص النقاش معه ، فبدأت الأسئلة لماذا عمر ؟ ولماذا محمود ؟ ومن نحن ؟ و لماذا السجن و من أدخلك السجن ؟ وكانت أجوبة أحيانا متعصبة او عاطفية ، واحيانا أجوبة بيداغوجية بوسائل سينمائية… على غرار فيلم روبين هود، ذلك الثوري الانجليزي الذي كان يحضر لعودة الملكRichard C?ur de Lion أو فيلم L?Attentat حول اغتيال الشهيد المهدي بن بركة.
وأحيانا أخرى كانت أجوبة ايديولوجية بحديثه عن الماركسية اللينينية… ولا أخفي عليكم أنني كنت أستوعب القليل، لكنني كنت معجبا بالمفاهيم المعقدة والخطابة.
كنت مضطرا لفهم معنى الاعتقال و المعارضة و النظام في سن مبكرة لمواجهة الاسئلة المحرجة في مدرسة Jeanne D?Arc ذات الروح البورجوازية المتناقضة مع المرجعية المهيمنة في المنزل والعائلة ، قبل أن اتخلص من هذا التناقض بالتحاقي بالمدرسة العمومية.
وبالمناسبة، كنت في الباكالوريا في ثانوية دار السلام في 1994. وقمت بأول عمل نضالي إذا صح القول ،ألا وهو تنظيم إضراب تلاميذي رفقة بعض الاصدقاء ، وكان إضرابا ناجحا، وأمر المدير بتوقيفنا بعد تفريق الاعتصام من طرف السلطات ، فأتى الوالد ليبلغه المدير بالشغب … وكان موقفه مفاجئا … حيث ساندني بقوله للمدير -انا فخور بابني لأنها ممارسة شرعية للتلاميذ… ويلا بغيتي تطردهم دير لي بغيتي-
ذكريات كانت لتعوض غياب الفقيد … المبرر ببناء التنظيمات الحزبية والنقابية ، وأتذكر كيف كنت طفلا أو مراهقا منصهرا مع الجماهير ، مصحوبا بوالدتي او عائلات المناضلين ، أستمع لخطاباته أو مداخلاته حول الطبقة العاملة او القضية الفلسطينية او حقوق الانسان… أو أستمع لحكاياته في فلسطين ومدريد وباريس و الجزائر العاصمة ودمشق، وعلاقاته مع اخيه عمر، وكيف التقى بالمهدي بن بركة وهو شابا مفتخرا بشهادة الشهيد المهدي الذي قال لعمر بنجلون عن أخيه احمد «هادو شكل آخر من المناضلين-».
….الغياب العائلي للفقيد كمثقف عضوي كان أيضا لبناء صحافة حزبية، محركة للفكر الاتحادي و الاشتراكي عبر جريدتي المسار والطريق، بعدما كان مسؤولا عن Lib?ration في أواخر السبعينات.
بدا اهتمامي بالإعلام بقراءة افتتاحيات الوالد ومجالسة أصدقائه الصحفيين ومنهم الأجانب، حيث كان دائما مدافعا عن القضية الوطنية وحقوق الانسان ومتشبثا بالشرعية النضالية.
في كأس العالم سنة 1986،أتذكر افتتاحية ناقشتها معه، تطرقت لعلاقة السياسة بالكرة ، مجدت اللاعب سقراطس ودور فريقه في إزالة الدكتاتورية في البرازيل على عكس كرة القدم التي كرست الدكتاتورية في الأرجنتين بعد فوزها بكاس العالم 78.
سألته: ماذا عن اهتمامه بنتائج المغرب في هذه الكأس ؟ فكان جوابه ميدانيا … بأخذي الى المظاهرات العارمة التي عرفها المغرب بعد تأهله للدور الثاني لكاس العالم ، و كانت تلك اللحظة من اللحظات الجميلة والقوية التي تقاسمتها مع الوالد، وسط فرح شعبي عارم بعيد عن الصراع الطبقي.
عرفت الفقيد محاميا، بداية عندما كنت طفلا أزوره في ديوان النقيب الاستاذ بنعمر … ثم في ديوانه زنقة الاسكندرية .
لأول مرة رافقت الفقيد كمحام وليس كمعتقل لمحاكمة ما . كان في اطار المحاكمات السياسية لسنة 1996 و 1997 ، بمناسبة مقاطعة حزب الطليعة للانتخابات و الاستفتاء.
أتذكر في أول محاكمة كيف كانت القاعة والمحكمة ممتلئتين، وكذلك الشارع العام، ورافع الوالد لمدة ساعتين يوضح فيها الاطار السياسي للمحاكمة ويعرض المفاهيم القانونية والاجتهادات القضائية والفقه المقارن. لما انتهى من مرافعته، شعرت بافتخار كبير … لما بحث عني في القاعة بنظرته ولما التقت نظراتنا … أحسست بأنه راض عن نفسه لأنه استوعب في نظرتي الاعجاب المطلق.
بعد هاته المرافعة، أيد الزملاء مرافعة الفقيد، كما يقتضي العرف المهني عندما نرافع مع أهرام المهنة… الا محاميا شابا أخذ الكلمة بعد الفقيد ليرافع بطريقة رائعة.
أياما بعدها قلت له -إنها ليست مرافعة … بل خطاب فيديل كاسترو- ضحك وأخرج لي اسمي الصغير «با عميروش» … لكنني أردت استفزازه و قلت له بسوء نية – لم تكن لوحدك متميزا … من هو ذاك المحامي الذي أخذ الكلمة بعدك ؟ – فأجابني وهو يضحك «الصبار ضروري خاصو يرافع فالمعاهدات الدولية-
بضع سنوات مضت على هاته اللحظة النادرة التي تقاسمتها مع الفقيد كفاعل حقوقي ، فجاء العهد الجديد ، ورحلت الى فرنسا سنة 2000 ، وكان غياب الوالد مرة أخرى يجعلني أبحث عنه في خرجاته الاعلامية وبين اصدقائه ، وفي عالم التنظيمات الحزبية و الجمعوية … وأتذكر بعض اللحظات في هاته المرحلة :

الأولى: مكالمته الملحة لاستشارتي حول شيء مهم : أجبت الوالد على الهاتف … فقال لي : -ان السيد فؤاد عالي الهمة كلمه من طرف ملك البلاد لاستشارته في العفو عن منفذي جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون لأسباب صحية … فبدوري أريد الاستشارة معك-
… انتابني شعور خطير بالمسؤولية ، و أحسست كأنني رجل دولة اشاور في شؤون كنت أعتقدها أكبر مني مثل ملف عمر بنجلون.
استحضرت صورة بابا الفاتيكان الذي زار ذلك الكردي الذي حاول اغتياله … فقلت له -انهم منفذون وأعرف انك متسامح رغم قساوتك، موقفي المتواضع مع العفو … خاصة إذا عرف المعنيون بالأمر بهذه المشاورة النبيلة…ويبقى لك واسع النظر-.
قال لي رحمه الله -انا من اعرف معنى الاعتقال … والنطق بالإعدام أو المؤبد، وأنه أعجب باستشارة الملك وأنه سيؤيد قراره-.
مرة ثانية، استشار معي الفقيد حول خطابه في المهرجان التأسيسي لتجمع اليسار الدمقراطي ، و مشاركة حزب الطليعة في الانتخابات بعد مقاطعة دامت 23 سنة ، و أحسست بمصالحة معه… بحيث كان دائما يبعدني عن الفضاء السياسي الموضوعي ليخصص لي علاقة عائلية ذات طابع سياسي.
بداية 2007، ناقشت اطروحتي في الحقوق بجامعة نيس. لم يغب عنها الفقيد لكنه أتى متأخرا بسبب الطائرة الآتية من باريس الى نيس . فعند دخوله لقاعة المناقشة ، أوقفت مداخلتي لكي أعتذر للأساتذة ، و قلت لهم -إنني أعتذر مكان هدا الرجل المتأخر، إنه والدي، تأخر بسبب طائرة لم تنتظره ، فلو كان ليختار طريقا آخر في حياته، لانتظرته الطائرة في المطار … ليلتحق بنا في الموعد-. في اخر المناقشة ، رأيت دموع الفقيد معبرة عن الفرح وفيها استحضار الغياب.
بعدها بـ5 أيام فقط، أصبحت محاميا متمرنا بهيئة مرسيليا بفرنسا… في ماولة أخرى مني لأقترب من الفقيد.
سنة بعد ذلك في 2008, كلمتني الوالدة … وأجبرتني على الدخول الى أرض الوطن. طلب مني الالتحاق بالمستشفى العسكري بالرباط …فوجدت الوالد مصابا بسكتة دماغية، وبإعاقة جسدية ونفسية، محاطا بأصدقائه وخصومه ورجال الدولة امثال مزيان بلفقيه رحمه الله ، فتساءلت… من أدخله الى المستشفى العسكري ؟
فعلمت أن جلالة الملك قد أحاط هذا المعارض برعاية خاصة ، وعندما جاء الفقيد الى فرنسا من اجل العلاج ، اطلعت على مضمون الرسالة الملكية التي تنوه بتضحيات الفقيد ونضالاته.
قضى الفقيد ست سنوات مصارعا الإعاقة ، استرجع بعضا من قدراته الجسدية و الفكرية ليكتب مذكراته أو يحضر بعض اللقاءات ، مثل تكريم المجاهد الحاج علي المانوزي … أو الندوة حول الاغتيال السياسي من عمر بنجلون الى شكري بلعيد.
في هذه الفترة افتقدت أبا -أسطورة الصمود والقوة- بالرغم من انني تقاسمت معه لحظات نادرة، دائما سياسية، منها اتصال المستشار الملكي به في اطار التحضير للدستور الجديد لسنة 2011 … و التي عبر فيها الفقيد عن تأييده لصياغة دستور جديد للبلاد.
في يوم وفاة الفقيد، قبل ساعات، استرجع شيئا من وعيه، وكنت لحسن الحظ حاضرا و أردت أن أبشره بخبر سار… لم أجد سوى خبر نجاح اليسار في اليونان… ابتسم… وأقفل عينيه مطمئنا على شيء لم أفهمه بعد… الى ان جاءني خبر الوفاة … من الوالدة دائما.
قبل انهياره بأيام، و هو يشاهد ويراكم أخبار الوفيات لأصدقائه و لرجالات السياسة، قال لي «?با عميروش … واقيلا غادي نتدفن بوحدي- أجبته واثقا … « لا تحزن … على الاقل … سأكون أنا والوالدة-…
فبهذه المناسبة أريد أن أطلب منه اليوم أن يستيقظ من قبره مثل طائر الفنيق كما كان يقول … ليرى نجاحه مجسدا في قدرته على تذويب التناقضات السياسية وراء جثمانه … وتوحيد الوطن حول الاحترام لمساره وتضحياته.
نعم … لقد صليت جوار مبعوثي جلالة الملك لجنازة أحد كبار معارضي مغرب سنوات الرصاص ، ورافقت موكبا جنائزيا فيه أعلام ثورية، وأهرامات المقاومة والنضال، ورجال الدولة، يساريين و اسلاميين وتقنوقراطيين ، في جو مطبوع بتعزية ملك البلاد لأسرة الفقيد و لحزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي المصنف في المعارضة الراديكالية.
نعم … الفشل ليس هو الفشل الانتخابي في بيئة انتخابية نعرفها جميعا… لكنه الفشل الاخلاقي… فالنجاح الحقيقي هو حسن الخاتمة … والقدرة على إبراز هاته الميزة لبلادنا … ألا و هي وحدتها أمام الخطر الذي قد يهدد الوطن ووحدتها أمام قيم التضحية و الايمان بازدهار البلاد التي يحملها رجالات اوفياء للوطن مثلما كان الفقيد رحمه الله.
فإذا كان آخر خبر اقتطفه الفقيد من ابنه هو فوز اليسار في اليونان، مهد الديمقراطية، لأنه كان مؤمنا بمغرب دمقراطي … رافضا للاختيار الاجباري بين الارهاب من جهة والفساد من جهة أخرى …
وكرس الفقيد حياته من أجل الطريق الثالث بينهما»الطريق الصحيح» طريق استمرار حركة التحرر الشعبية، ووحدة الصف الوطني و الاشتراكي، و كرس حياته من أجل اختيار فلسفي و فكري واضح … بعيدا عن التضليل و الخلط و استغلال العقيدة في السياسة.
.وإذا كانت موته همزة وصل بين مسار مناضل بلغه الاجل، و مستقبل مشروع تقدمي ينتصر اليوم في كل بقع البحر الابيض المتوسط و امريكا اللاتينية ، فذاكرة هذا الرجل تكون … ممثلة أحسن تمثيل … بإنجاح وحدة الصف اليساري الديمقراطي من أجل الملكية البرلمانية والمجتمع الاشتراكي المتحرر الذي ناضل وضحى ومات الفقيد احمد بنجلون من اجلهما.
و للختام، أستحضر آية كريمة من سورة الاحزاب تقول «باسم الله الرحمان الرحيم … من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه… فمنهم من قضى نحبه …و منهم من ينتظر …وما بدلوا تبديلا … صدق الله العظيم» …

3/31/2015