مصطفى المتوكل

تارودانت 31 مارس 2015

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا- النساء 135)

 

يقول الله تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58]

يفترض في كل حاكم في اي موقع كان وخاصة ان كان رئيسا لحكومة  ما ان يكون مستقلا ومحايدا ولايخلط بين ما يميل اليه هواه او هوى طائفته وبين تدبير الشؤون العامة للناس كافة ..وعندما يتحدث وهو في موقع الحكم فيجب عليه ان لايكلم المواطنين بطريقة تجعلهم في حالة التباس تام هل يتكلم كحاكم او كحزب او مذهب …

….ان الكثير من الساسة يسهبون في الحديث  عن الحكم الرشيد.. كما يتحدثون  عن الحكم الديموقراطي …الا ان كلامهم لايستقيم منطقه ولا تتجلى اهدافه الفعلية ماداموا يسعون لاقصاء  المجتمع المدني والقوى الحية الحقة وابدالهم  بالتي صنعت ويراد تصنيعها لترى بمنظار البعض ولتنطق بلسانهم  وتجاري خطاهم ليدخلوا مع الحكام في كل المتاهات حتى ولو سلكوا  جحر ضب …ان سياساتهم التي لاتنبني ولاتتشبع بروح القانون وعدالة العمل  في كل قطاعات الدولة والمجتمع افقيا وعموديا سرا وعلنا بما يحقق المساواة التي يشعر الناس  معها  بانهم احرار في وطن حر  .. ان السياسات التي لاتقدر ثقل المسؤولية وتبعاتها واثارها  باعتبارها امانة مما يصبح معه من الوجوب والالزام على من بيده الحل والعقد في امور الحكومات ان يعتمد الصدق والجدية والكفاءة والانفتاح  الرصين  وتصريف الامور كلها والناس حكام ومحكومين سواسية كاسنان المشط  في علاقة بالحقوق والواجبات والاستفادة من خيرات الوطن ومقدراته …

…..فالحكم الرشيد عند العادلين والراشدين الذين هم قلة في تاريخنا …كما الحكم الديموقراطي عند  الديموقراطيين الصادقين  -والذين  يمكن التعرف عليهم بسهولة في تاريخ البشرية والذين كانوا منارات في النضال والثورية والتغيير -..لايمكن الحكم عليه والتعامل معه في الواقع المعيش عند الشعوب ايا كانت عقيدتهم الا بسياساته ونتائجه الملموسة  وخاصة ان ارتكزت  على الصدق والعدل في كل شيئ …لهذا فعندما امر الرسول الكريم (ص) مجموعة من الصحابة بالهجرة واللجوء الى الحبشة لان فيها ملك عادل لايظلم عنده احد وهو زعيم مسيحي في منطقته فهو يعلم المسلمين بان الصفات المحمودة والطيبة توجد حتى بالديانات الاخرى …وعندما   التجا وهاجر الالاف من السياسيين والادباء والعلماء و..في العصر الحديث  فرارا من بطش الحكومات العربية والاسلامية وظلمهم وتسلطهم …-قلت التجاوا – الى دول مسيحية او علمانية على امتداد اوروبا الغربية فوجدوا انفسهم احرارا  خارج بلدانهم وتمتعوا في غالب الاحوال بنفس الحقوق التي عند شعوب البلدان التي استقبلتهم …فمعناه ايضا ان الغرب غير الاسلامي يوجد به هامش افضل واكبر للحريات والاحترام للاخر وحماية للمعتقدات …

….ان العدالة التي اوصى بها الانبياء   اتباعهم من المؤمنين  بان تنشر في الارض وتعتمد كعمل اخلاقي وتعبدي يقرب الى الله ولنشر  المحبة والاخاء بين الناس …لاتعطي النتائج المتوخاة  … رغم الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و… –  ان شاب سلوك  صاحبها الحيف والظلم بمختلف تجلياته…في تجاوز لكل الحدود المقبولة وبالاقدام على  افعال منكرة لايرضى المحبون للعدالة والديموقراطية بحدوثها ..فالتسلط  والقهر والاستهزاء والاستخفاف بكرامة الناس ذكورا واناثا من ابشع انواع الفحشاء والمنكر …

يقول تعالى  : ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت

…وتحدث  ابن عاشور رحمه الله شارحا :
” الفحشاء : اسم للفاحشة ، والفحش : تجاوز الحد المقبول . فالمراد من الفاحشة : الفعلة المتجاوزة ما يقبل بين الناس . والمقصود هنا من الفاحشة : تجاوز الحد المأذون فيه شرعا من القول والفعل ، وبالمنكر : ما ينكره ولا يرضى بوقوعه .
وكأن الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه “

...فصفة العدل محبوبة عند الله … لهذا يعتبر  العدل من الاسباب والمرتكزات الاساسية لارسال الرسل   ليقوم  الناس بالقسط   على كل حال ووضع ….

يقول تعالى  : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ٌ- الحديد 25 )

فكيف يمكن للحكام الذين يعتبرون  كل الاحزاب وكل المذاهب   وكل قوى المجتمع المدني بانهم اما اعداء او مشاريع اعداء   ما داموا لايسايرون طروحاتهم ونظرتهم لامور الحياة وسياساتهم  التي تحتمل البطلان كما تحتمل الصحة .. لانهم بطبيعة الحال بشر عاديون وليسوا مختارين بصناديق اقتراع سماوية لاياتيهم الباطل مب بين يديهم ولا من خلفهم .. انهم ” جاؤوا ” بصناديق  اقتراع محلية الصنع شكلا وجوهرا وتوجها …؟؟

ان المصلحة الشرعية والعقلية توجب  ضرورة الفصل التام الذي لاغموض فيه بين امور امارة المومنين و المؤسسات العلمية الشرعية   الرصينة المتحضرة السمحة المستوعبة للضرورات الشرعية المحققة للمصلحة العامة و الراجحة في علاقة مع المحيط والتطور العلمي والمعرفي الذي تشهده الدول التي تمتلك ادوات وقدرات  التحكم  العالمية في السياسة والقوة العسكرية والطب والتكنولجيات الحديثة و..اضافة الى اعتمادهم ” الممنهج “على  منظومات قواعد البناء الديموقراطي و حقوق الانسان   …وبين ادارة امور الحكم في علاقتها بالشعب في مجالات الاجتهاد البشري على مستوى سياسة تدبير حقوق الانسان وسياسات ادارة الاقتصاد والاجتماع والتعليم والتصنيع والتكنولوجيا والتشغيل واقرار نهضة شاملة …حيث لايجب اسناد الفشل والتخلف والعجز  للسماء .. كما لايجب الاختفاء وراء سلطة اعلى في عملية ايحائية حماله اوجه تخالف لامقتضيات شرع الله ولا المقتضيات الدستورية في كل الدول التي تعتمد تعددا وتنوعا في السلطات والمؤسسات الدستورية  …

…كما ان المصلحة الشرعية والعقلية تقتضي الرفع  التام لحالة التنافي  – عند كل من يحكم شعبا   يتميز بالتنوع والتعددية السياسية والفكرية والمذهبية والثقافية و… – التي تتجسد في الجمع بين راسة السلطة التنفيذية وراسة حزب ما ..خاصة وان كل المنابر الرسمية وحتى الحزبية والعامة  ومن خلالها الناس   يجدون انفسهم احيانا بالمؤسسات العمومية من برلمان  او لقاءات رسمية وكانهم في  تجمع بمقر حزب راسة حكومة ما .. فيستمعون لراي لايمكن تصنيفه بانه راي الاغلبية الحاكمة  بقدر ماهو  قناعات  امين عام حزب يحكم  والذي يختلف معه فيها جزءا  اوكلا  حتى الاحزاب التي تشكلت بها الاغلبية الحكومية ناهيك عن احزاب المعارضة وغالبية قوى المجتمع المدني  …واحيانا اخرى  يجد المتتبعون للسياسات العمومية وشؤون الحكم ان  امينا عاما لحزب معين   يتحدث امام حزبه في انشطته الداخلية او العامة وهو يتقمص شخص الحاكم يوزع الاتهامات ويملي الاراء ويعلل الافعال وكانهم  يستمعون لخطاب حكومي في مجمل الكلام والتصريحات  …

…ان المصلحة العامة تقتضي وضع اليات  ملزمة تحترم القواعد الكلية المهيكلة  المشتركة والخاصة ذات صلة  بتدبير امور الدولة  بالحكم  و بالمعارضة وبكل  المؤسسات الدستورية والاعلام و… مع الالتزام التام بقواعد احترام الشعب ومكوناته  على مستوى الخطاب الرسمي -واحيانا المعارض- الذي يجب ان يكون متخلقا وخاليا من الايحاءات السلبية والاستفزازات المجانية وكل انواع الاستهزاء والتحقير ….ومن الاستهتار والتلاعب بالوعي العام …

…لهذا يمكن ان نعتبر في حالة المغرب اننا امام وضع تناف لم يفكر فيه  “الخبراء ” عند الاعداد للاصلاح السياسي والدستوري الاخير  عندما سمح بالجمع  في هذه الحكومة بين راسة حزب والحكومة لانه تجلى  للمتتبعين بالاغلبية والمعارضة والمجتمع المدني ان  بعض  المعنين  ببلدنا  لايستطيعون الفصل بين  الحالتين  والشخصيتين .. فحبس  نفسه وافعاله وكلامه  لحزبه وصحبه وليس للشعب …لهذا تكون العديد من المواقف منفلته وغير منضبطة تمس بالمتوافق عليه من طرف كل النخب مع الدولة  بطريقة تتسبب في اشكالات نحن جميعا في غنى عنها داخل الوطن واحيانا خارجه  …

ان هذا الخلط  يجعل المواطن العادي لايميز بين الحزب والحكومة والدولة وبهذا تتم بشكل او اخر  اعادة تكرار مظاهر سياسات السلطات الشمولية   …

لهذا وجب لفت نظر كل من يعنيهم الامر  بضرورة اعادة قراءة التاريخ وخاصة تاريخ  الامة الاسلامية.. لنجد ان الحاكم عندما يؤمن بتعصب اعمى بما يعتقده صدقا او نفاقا هو الحقيقة التي لايجب ان يكون هناك مخالف لها او غير مؤمن بها  تعلق الامر بالقضايا الفقهية الفرعية او المذهبية او في فهم وترتيب امور العقدية  المثارة في المذهب الاباضي او  الاشعري او  الحنفي او المالكي او الحنبلي وغيرهم عند هل السنة والجماعة …والجعفرية والزيدية والاثنى عشرية وغيرها عند  الشيعة  وفق تصنيفاتهم وفهمهم   … اقول ان الحاكم عندما يتحول الى خاذم واداة في يد  مذهب ما او انه هو نفسه يتزعم معتنقي مذهبه   الا وجرته سلطته وانانيته ليجعله ملزما للناس ولو باعمال القوة والقمع والترهيب ماديا ومعنويا بل قد يلجا الى التشكيك في ايمان المخالفين واتهامهم بالكفر والخروج على الامام …ولنا في مشكلة خلق القران المشهورة  اجمالا ومحنة الامام احمد بن حنبل افضل مثال بعد ان امن بافكار المعتزلة  الخليفة العباسي المامون وغيره …

 كما ان انقلاب الشيعة بايران على الثورة التي قادها التقدميون من طلاب وعمال وفلاحين ذكورا واناثا ضد شاه ايران  ..وسيطرتهم على السلطة واقصائهم و محاربتهم لكل من خالفهم  ليجعلوا الحكم وامره بيد  الفقهاء الزعماء من الشيعة الذين لايكون الا ما يريدون فدفنت الديموقراطية والحق في الاختلاف والحريات بما فيها حرية الايمان العلني بمذاهب اهل السنة والجماعة ..بل يعملون بكل قوة وحيلة لجعل مذهبهم هو المتحكم في كل مفاصل السياسات والشعوب الاسلامية ولو باثارة الفتن واذكاء النعرات …

لهذا فمصلحة الامة وقدرة الناس على معرفة  الافكار والمذاهب و تحديد الاختيارات التي بنيت ديموقراطيا بتاكيد الاسلام على عدم الاكراه في الدين ناهيك عن المذهب او الراي الفقهي بل وحرية الايمان ..  تفرض على اصحاب الراي الرصين من علماء الامة كما امثالهم من النخب الحاكمة المتنورة وكذا نظراؤهم من المجتمع المدني والقوى الحية ان يبسطوا المعرفة الرشيدة وان ينتهجوا السياسة البناءة وان يؤمنوا يقينا بان الظلم سواء كان من خلفه البعض من  اهل السنة والجماعة او من الشيعة او من الديكتاتويات المتجبرة نتائجه سيئة وكارثية على وحدة الامم وصفاء الايمان لسبب وحيد ان الله  بنى كل شيئ على العدل وبالعدل ولايمكن ان يقبل بان تنزل رسالاته في الواقع ويلزم بها الناس الزاما بالجبر والاكراه والتهديد والوعيد ..فما سمي الايمان ايمانا الا لانه ليتحقق لابد ان يكون منبعه الوعي والمعرفة والقلب …  يقول تعالى “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..”الكهف

ونختم بالقول اذا كان  الله سبحانه وتعالى قد قال “لا اكراه في الدين …”..فلا اكراه ولا اجبار في السياسة ..واذا استحضرنا احترام التناوب على السلطة  عبر الانتخاب الحر والديموقراطي فذلك لايعني اننا مجبرون لنطيع اولي الامر في كل شيئ  بما  في ذلك الضحك بضحكهم .. واتباع افكارهم والسير على خطاهم ؟؟

لهذا من ضوابط الايمان الفعلي ..العمل على القيام بالقسط بين الناس بغض النظر عن ميولاتهم السياسية  العقائدية أو السياسية المذهبية او …

فالدين كما هو معروف عند العلماء والعقلاء  مبنى ومعنى والسياسة كذلك …والعدل ايضا لايحصل بادعاء الاعتقاد به او  بتقمصه او المبالغة في التحدث به وعنه ..انه اساس كل شيئ ولايكون شيئ بدونه …

 يقول تعالى ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء].