لم يجانب أبو حفص، رفيقي باسمه ما قبل الجهادية السلفية، الصواب، عندما طالب الذين تتلمذ على أيديهم وأقنعوه طوال مساره الجهادي السلفي بأن مذهب الأشعرية «صرح للكفر»، وتساءل بكل جرأة إذا كان هؤلاء قد تراجعوا عن موقفهم العدائي في حق ركن من أركان التدين المغربي.
في صفحته على االفايسبوك أعلن الناشط السلفي، الذي قضى سنوات في أفغانستان، وفي أجواء الجهاد، أنه تفاجأ بوجود بعض الأسماء من المتدخلين أو الحاضرين في اللقاء الذي نظمه المجلس العلمي الأعلى حول السلفية، وهم ممن سماهم «المشايخ والدكاترة والدعاة الذين كانوا من أعمدة نشر المذهب السلفي المعاصر! الذي كان يربينا على تضليل الأشاعرة والذين طالما انتقدوا الدولة على اختيارها للمذهب المالكي، ومنهم من طالما رموا مخالفيهم بالانحراف والضلال في الدين».
الأهم من ذلك ما أضافه في نفس الصفحة، هو عندما تساءل «إذا كان موقفهم قد تغير فليعلمونا به وليجهروا بذلك علنا وليدرسوا لطلابهم الجوهرة والعقائد النسفية بدل الواسطية والصواعق..» وكان تقديره النهائي لا يخلو من «تقطار الشمع المغربي» بقوله« أم أنهم سلفيون في حضرة طلابهم أشاعرة في حضرة المجلس الأعلى».؟
يصعب أن يكون ما كتبه أبو حفص سقف المرجع في هذا الموضوع، إذ أن موقفه، هو الذي ظل طالبا في حضرة المشايخ أنفسهم، لا بد من أنه محكوم بكل مجريات ما بعد الضربات الإرهابية منذ 2003، وحياة ما بعد السجن وتراجعات التدين الحركي، وتوزع المكونات التي سهرت على مغربيته بين مقاربات ومقاربات مضادة تحمل الكثير من «شتى ».. في نفسها.
لكن لا يمكن أن نغفل الموضوع كما طرحه، ولا سيما وأن التأطير كان من طرف الهيئة الشرعية الوطنية المكلفة بالحرص على ثوابت الأمة المغربية..
الموضوع له قوته الإجرائية: ما هي العبرة من وراء فتح نقاش، يبدو علميا وعقائديا لم تسبقه مراجعات علنية عن ثوابت التفكير، الذي كان يكفر الأمة ومؤسساتها؟ (بشهادة واحد من أتباع هذا التكفير)؟
وكيف يمكن أن نقرأ النقاش بمشاركة السلفية الجهادية والتكفيريين؟
إذا كان من المجدي، تاريخيا وفكريا وحضاريا، أن تتقارع الأفكار والقراءات، ويكون الحوار ساحة هذه المقارعة لا الكهوف والفضاءات المغلقة للشحن الايديولوجي، فإن ما يثيره الموضوع، بدون مقدمات: هو العودة، في ظروف ملتبسة للغاية إلى تأطير النقاش في أوساط الشباب المغربي، من الزاوية ذاتها و إن كان تحت قبعة مغايرة.
فقد لاحظنا أن السلفيين، بالأساس يدور حولهم نقاش في الموقف من الحرب في اليمن. ولاحظنا، أيضا أن المقولات التي تؤطر النقاش المعني هي مقولات التكفير والتنابز العقدي والعودة إلى أصل الحروب المذهبية.واعتبار الشيعة، كجزء من معادلة سياسية صعبة واستراتيجية، بل هم بقايا الكفر الفارسي، والرافضة ..الخ، أي كل ما يجعل من الحرب الحالية نسخة عصرية لموقعة الجمل!
هل ستكون القضية الشيعية البوابة التي سيعود منها النقاش بالمصطلح السلفي التكفيري، لا المصطلح . السياسي والاستراتيجي؟
وهل يمكن أن نسقط، في المحصلة تاريخا طويلا من التقلبات السياسية لكي نقيم في الصيغة الأولى لحروب المذاهب؟
وما يهمنا: كيف يمكن أن نقرأ عودة التفكير السلفي (الجهادي أو المعاصر كما يسمى) في شبكة القراءة المغربية، بدون أن ننزلق إلى القاموس والبنيات الذهنية التي تنتج خطاب هذا التيار؟ صحيح، أن الدولة المغربية تتلقى كثيرا من «الدروس» من أصحاب الأقلام والأفكار والملخصات السريعة في الديبلوماسية، لن يضرها أن تستمع إلى مزيد من تلك «الدروس» على يد السلفيين، لكن العمق، هو إلى أي حد لا يمكن أن تكون السلفية الجهادية قادرة على «العبور حتى لا نقول الاختراق» من خلال مؤسسة وطنية سامية، لكي تطبع التأطير داخل المجتمع من هذه الزاوية، بدون أن تكون قد قامت بالمراجعة العلنية والصادقة (لا نزكي على الله أحدا) التي تجعل الاطمئنان واردا ومستساغا.
هناك خطاب لا تخفي لبوساته، يدعو إلى التواجد في صلب الدولة، ومن خلال المربع القريب من المؤسسة الشرعية وداخل الدائرة الأولى للإمارة، يسعى، علنيا عند مكونات الاسلام الحزبي وبطريقة ملتوية عن دعاة آخرين إلى ملء هذا الفضاء وتوجيه الدولة ضد المدافعين عن مشروعها العقلاني والواقعي والمعتدل حقا، في بناء الفضاء الديني المغربي.
ليس الدفاع عن صواب الحرب، معناه أن السلم مناسبة حقيقية للعقل والتساهل والتدين المغربي الحقيقي.
كما أن الخطأ في السلم، ليس مقدمة ضرورية لتصحيح التكفير في زمن الحرب.
نحن أمام معضلة ومعادلة: المعضلة هي أننا لم نغادر بعد الزمن التكفيري، والمعادلة هي أننا نحتاج إلى مسلك حضاري في زمن تتراجع فيه القيم الحضارية، باسم التكفير نفسه!

الثلاثاء 7 ابريل 2015