كل من عاود التمعن في مضامين الخطب أو النقاشات أو غيرها مما يكتب أو ينشر منذ تولي الحكومة الحالية تدبير الشأن العام، لابد أن يبرز للقراء وللمتتبعين مصطلح الاستقرار ضمن ما يخاطب به أو ضمن سطور ما يكتب. إلا أن الإطار الذي أدرج فيه مصطلح الاستقرار هو إطار سياسي ضيق محض وفي نفس الوقت ينطوي على التهويل والفزع ولا يكشف إلا عن هشاشة الأرضية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ترسو عليها الحكومة الحالية. هشاشة وتشرذم ميزاها منذ تركيبتها مرورا عبر الإجراءات التي أقرتها والتي كانت متنافية مع ما أوهمت به المواطن المغربي قبيل الاستحقاقات السالفة ومرورا كذلك عبر التركيز على تبخيس العمل التشريعي للمعارضة وباقي الفعاليات الجمعوية والنقابية مع الاستمرارية في المجازفة برهن مستقبل اقتصاد البلاد واستقلاليته الاقتصادية المستقبلية بالمديونية وإنهاك القدرة الشرائية لشريحة عريضة من المواطنين بالزيادة في الضرائب والأسعار.
ولم يكن هذا بغريب، ذلك أن الأمر بات مألوفا، أن يتم موسميا الإنعاش الصوري للحوار الاقتصادي الاجتماعي مع ثلة من الفعاليات النقابية في مثل هذه المرحلة التي على غرار المراحل السابقة، أي مرحلة التمهيد للانتخابات الجماعية وما سيتلوها من استحقاقات. فالحوار إذا هو سياسي محض ولا يعد أن يكون سوى محاولة لإخراج الحكومة ومن يشاركها في الحوار بحلة تحفظ لكلا الطرفين، لا أقول مصداقية خطابهما وممارستهما تجاه المواطن لكون هذا الموضوع فيه نقاش جوهري، ولكن مكانتهما ضمن الفعاليات المدبرة للشأن العام. لا مجال لإلقاء اللوم على طرف دون الآخر لكون مسؤولية الحلة التي ألفها الحوار الحكومي – النقابي هي من حياكة الطرفين إذ لا يتقبل سياسيا أن يفتح أو أن يصد الحوار وفق مزاجية الحكومة كما لا يمكن أن يتقبل أن يكون الفاعل النقابي منساقا وراء مزاجيتها. فبعد ما يقرب عن أربع سنوات على تحمل المواطن المغربي وزر سيل من الإجراءات التي هوت بمستوى ظروف ومستلزمات عيشه إلى مستوى القهر والحرمان وفقدان الكرامة بسبب التفاوت الطبقي الذي تعمق بين مكونات المجتمع المغربي في ظل حكومة العجز عن التنزيل الفعلي لمقتضيات دستور 2011، وفي زمن تقاعس خلاله دور المعارضة وخصوصا الفاعل النقابي الذي كان يعتبره البعض سندا للمواطن وأثبت الواقع أنه لم يكن كذلك، تطل علينا الحكومة بخطاب التهويل والتنديد بالمساس بما تسميه الاستقرار بالموازاة مع استدعائها لبعض الفعاليات النقابية التي تزعم أنها الأكثر تمثيلية قصد تمويه المواطن المغربي بأنه ثمة حوار وتنسيق بين من يدبر الشأن العام من جهة ومن يزعم أنه يتخذ من هموم المواطن وخصوص الطبقة العاملة والموظفين موضوع انشغاله.
كيف يهلل البعض للشروع في فتح الحوار الحكومي ? النقابي بعد «أن قضي الأمر الذي كان فيه المواطن المغربي يستفسر « ؟ كيف يهلل البعض لمجرد فتح الحوار؟ هل الحوار بات هدفا ونتيجة في حد ذاته ؟ وكيف يقزم البعض الأرضية التوافقية لمباشرة الحوار في زيادة أجور الموظفين من خلال التخفيف من الضريبة على الدخل ؟ مما لا شك فيه أن الفاعل الحكومي والفاعل النقابي في المغرب فاقدون لإبداع اقتصادي واجتماعي ومستقرون في إجراءاتهم الترقيعية على الزيادة (بالتقسيط) في أجور الموظفين كسبيل وحيد وأوحد عند اقتراب مدة انتداب أية حكومة. ليس الموظف وحده من استوعب هذه المداعبة، بل حتى ذاك المواطن البسيط الجالس يتغزل بكوب قهوة سوداء مرة قد استوعب هذا المنحى وهو ينظر مستغربا للشروع في إصلاح بعض الطرقات والأزقة والإنارة العمومية وجنبات الرصيف وغيرها مدرك في نفس الوقت أن إتمامها لن يكون إلا بعد الانتخابات هذا إذا ما كان ذلك. واقع يشهد على نفسه بنفسه، مشاريع باتت أطلالا وأخرى اندثرت وأموال بعثرت وحكومات ومجالس تعاقبت وواقع الحال يبق هو الحكم فوق كل خطاب.
ويتساءل المرء عما المقصود بشيوع مصطلح الاستقرار في ظل واقع الحال؟ ومن الفاعل المقصود بتثبيته ؟ ومن المشبوه فيه بزعزعته ؟

ربما قد يتخيل للبعض بكون عناصر الإجابة على هذه الأسئلة صعبة ومحرجة بالرغم من كونها جد بينة لمعايشتها ذلك أنه إذا كان استقرار المغرب تشهد به العديد من الدول الأجنبية والمؤسسات الدولية بفضل حنكة وتبصر ملك البلاد في تدبيره وإرسائه وما نجم عن هذا النهج من استقطاب لاستثمارات عدة وإشعاع سياسي واقتصادي واجتماعي إقليميا وإفريقيا، يمكننا أن نستوعب أن الاستقرار الذي تعنيه حكومة بنكيران بنبرة التهديد وفي ظرفية قبيل الانتخابات ، بكونه شبيه بعبارة «عفا الله عما سلف» بمعنى أن المواطن مدعو، مكره في أمره على ذلك، بتجاهل أسوء تدبير حكومي عايشه وبالتغاضي عن عدم تحقيق ولو بند واحد من البنود والشعارات التي كان يغري بها حزب الأغلبية المواطن المغربي وبالتالي الدعوة لعدم الاحتجاج و»الإزعاج» ليكون المعنى الحقيقي والمقصود من الاستقرار هو استقرار داخلي حفاظا على المواقع الحزبية والنقابية المنفعية وحفاظا كذلك على مكانة المواطن المغربي في قاعة الانتظار حكومة بعد حكومة.
تم التهليل بإصلاح التعليم فاتهم المعلم؛ وبإصلاح العدالة فاتهم القضاة والمحامون؛ وبإصلاح قطاع الصحة فاتهم الأطباء والصيادلة؛ وبإنعاش التشغيل والحد من البطالة فاتهمت الجامعة والطالب وعدم أهلية شهادته؛ وبإنعاش السكن فاتهم المنعشون العقاريون؛ وبتعميم الماء والكهرباء فاتهم المواطن بالتبذير وسوء الاستعمال؛ وبتنمية البادية فاتهمت تضاريسها الوعرة؛ وبإصلاح الاقتصاد فاتهمت تراكمات الحكومات السابقة؛ وبتدبير المجال الجمعوي فاتهمت الجمعيات؛ وبإصلاح نظام منح المأذونيات فاتهم أصحابها؛ وبإصلاح الوظيفة العمومية فاتهم حجم الموظفين وعدم مردوديتهم؛ وبإصلاح صندوق المقاصة فاتهمت الطبقات المستضعفة؛ وبضبط الأسعار فاتهم التاجر والبقال؛ وبإصلاح النظام المصرفي فاتهمت الأبناك؛ وبإصلاح صندوق التقاعد فاتهم كذلك حجم الموظفين؛ وبإصلاح المجال الديني فاتهم أئمة المساجد؛ وبتخليق الشارع فاتهم من يصفونهم بالمشرملين والمتحرشين والفتيات اللواتي اضطررن لبيع أجسادهن؛ وبإصلاح مجال الصحافة فاتهم الصحافي؛ وبإصلاح مدونة السير فاتهم سائقي الطاكسي والشاحنات (…) . وماذا بعد، إنه تجسيد للغياب التام لقدرة الحكومة الحالية منذ تنصيبها على ابتكار سياسة اقتصادية واجتماعية وسياسية تعيد للمواطن المغربي ثقته في الفاعلين السياسيين والنقابيين مكتفية بتعليل عجزها لإصلاح أي ورش بوجود مخلوقات ميتفيزيقية لا وجود لها إلا في مخيلتهم الشبيهة بعش العنكبوت أو تقديم أحد الفاعلين (ككبش فداء) لتعليل عرقلة وغياب الإصلاح.
فقبل الحديث عن الاستقرار وجبت مساءلة الحكومة عما قدمته للمواطن بمختلف فعالياته فهي لم تقدم أي شيء ولم تف بأي وعد مكتفية بإلقاء اللوم على أصغر حلقة في الإصلاح ومكتفية بالتمويه من خلال الازدواجية بين الخطاب والإجراءات المتخذة. فإذا كان الطالب والمحامي والقاضي والتاجر والفلاح والمعلم والموظف وسائق الشاحنة والخادمات في البيوت وحراس الإقامات السكنية والمرائب و»الفراشة» والسائقون وغيرهم من مختلف شرائح المجتمع المغربي لم يلمسوا أي تحسن في مستوى وظروف معيشتهم بل ازدادت سوءا، فبأية صيغة تحتهم على الالتزام بالاستقرار. ألا تعلم يا سيد بنكبران أن تحصين البلاد يبدأ بضمان الاستقرار الداخلي عبر تحسيس المواطن المغربي بكونه ليس ب» خشة « على الهامش يسهل دسها ولكن متطلباته تشكل فعلا الشغل الشاغل لاهتمام وعمل الحكومة أي أولئك الذين انتخبهم لتدبير وتحسين ظروف عيشه. فالإجراءات التي اتخذتها حكومتكم لم ينجم عنها إلا تعميق الهوة بين الميسورين وذوي الدخل المحدود والفقراء فقد استهدفتم هاتين الطبقتين بالزيادة في الضرائب والأسعار بينما لم تقربوا الميسورين بأي إجراء وهذا على عكس النموذج الاسباني الذي تجاوز أزمته دون المساس بالطبقات الدنيا والمتوسطة.
أما الحوار الحكومي ? النقابي فلا معنى ولا جدية تكتسيه وهو يذكر المواطن المغربي بآخر أيام ولاية الحكومة السابقة حينما اختزلت التهدئة والاستقرار في زيادة تهكمية في أجور الموظفين بقيمة 600 درهم. بالنظر لمجريات الحوار الذي ما زال متعثرا ، فمن المنتظر أن تسلك هذه الحكومة نفس مثيلتها السابقة واللوم كل اللوم يبقى قائما ومشتركا بين الفاعل النقابي والفاعل الحكومي الذين يختزلون متطلبات المواطن في متطلبات الموظف، في حين أن تركيبة المجتمع المغربي لا تضم سوى الموظفين. لقد فات الأوان على الحوار ولا رجاء منه كل ما يبحث عنه الطرفان هو وصفة «سحرية» يتم تقديمها للمواطن المغربي قصد الحفاظ على مكانة الطرفين وبالتالي ضمان الاستقرار المنشود بصيغة الإبقاء على كل في مكانته والمواطن في عزلته حيث أنه من المرتقب أن يتم في آخر اللحظات تمويهه ببيان مشترك حكومي- نقابي فجائي. فالحكومة والنقابات على علم ويقين بكون الضامن لاستقرار المغرب داخليا هي تلك العلاقة الوطيدة بين الملك والشعب أما الفعاليات الحكومية الحالية والفعاليات النقابية فلا وزن لها، لذا المواطن المغربي ولا نرغب أن تكون لسلوكيات هذه الفعاليات انعكاسات سلبية على أطوار الانتخابات المقبلة.
فمنذ الخطاب السامي لملك البلاد في 9 مارس والذي حث فيه جلالته كل الفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية على ضرورة فتح المجال أمام مبادرات الشباب وإدماجهم في الممارسة السياسية والاقتصادية والعمل على تأطيرهم، لم يلمس المواطن المغربي أي تغيير في القيادات ولا في المكاتب التنفيذية ولا الإدارية للأحزاب ولا النقابات. نفس الوجوه والأسماء لا تزال في محلها جاثمة على كراسيها منتظرة من الشباب الإقبال عليهم للتصفيق فقط. بل أغرب من ذلك وهذه سابقة إذ قامت مؤخرا بعض الأحزاب ب»تجنيد» بعض الشباب لنصب خيام في الشارع العام قصد استقطاب الشباب وحثهم على التسجيل والتوجه نحو صناديق الاقتراع. ولكن الأمر لم يتجاوز أسبوعا أو أسبوعين لعدم تفاعل المواطن المغربي مع هذه الخرجة غير المتزنة لبعض الأحزاب.

هل على هذا النحو ستتمكن الأحزاب من استقطاب المواطن المغربي وتأطيره ؟

ولماذا لم تقم بهذه المبادرات غداة الخطاب الملكي ل 9 مارس ومضت على سبيلها إلى حين اقتراب الانتخابات المقبلة ؟

على أية حال، وحدها نسبة المشاركة في الانتخابات هي من ستعكس مدى المصداقية التي تحظى بها الأحزاب السياسية القائمة لذا المواطن المغربي كما أنه لم يعد من الموضوعي ولا الديمقراطي أن تتكفل أحزاب نجحت بنسبة مشاركة ضعيفة تدبير الشأن العام لأغلبية عزفت عن المشاركة أو شاركت بأظرفة فارغة، وفي كلتا الحالتين يبقى السؤال مطروحا حول مدى متانة الاستقرار داخليا في المستقبل القريب. فالاستقرار يبنى ويؤطر ويعزز بتفعيل إجراءات ملموسة وبإنجاز ما تم الوعد به وليس بالحوار الموسمي ولا بالخطاب ذي النبرة التهديدية.

* د.حبيب عنون
باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية