الحكومة لم تلغ عقوبة الإعدام وهو ما يتعارض مع الفصل 20 للدستور الذي ينص على الحق في الحياة، هذه العقوبة التي نعتبرها انتقاما من طرف الدولة وتتناقض في نفس الوقت مع الموقف الرسمي في عدم تنفيذ عقوبة الإعدام منذ أزيد من 23 سنة

…لم نر أي متابعة للذين قاموا بارتكاب جرائم كبرى في حق الشعب المغربي على المستوى الأمني والاقتصادي

  *كيف تقيمون  حصيلة حقوق الإنسان بالمغرب في عهد هذه الحكومة؟

  بصفة عامة ،هذه أول حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع، وهذا شيء إيجابي بعد إقرار دستور 2011  الذي هو في حد ذاته النموذج الذي كنا نطالب به كحركة تقدمية بالبلاد، حيث كنا نسعى لمجلس تأسيسي لاقرار الدستور وكان كمطلب لأول مرة يوضع الدستور المغربي من طرف مغاربة لهم مقدرة وكفاءة من سياسيين جمعويين وحقوقيين وعلماء ومفكرين، فدستور 2011 يرضينا في هذه المرحلة ،لكن ما نلاحظ على هذه الحكومة التي جاءت بعد إقرار هذا الدستور لا تطبقه بروح منفتحة مما جعل القوانين التنظيمية في كثير من الأحيان تختلف عن الدستور سواء في ميدان المناصفة ، الأمازيغية أو المجالس الاستشارية المتعددة.
لكننا نرى بصفة عامة أن حقوق الإنسان تتقدم جيدا رغم بعض الاختلالات ، بحيث ان المغرب صادق على جل الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان ،بل الأكثر من هذا صادق على البروتوكول المتعلق باتفاقية التعذيب والذي تنبثق عنه آلية مستقلة لمناهضة التعذيب والحيلولة دون حدوثه في مراكز الاحتجاز وغيرها من المؤسسات، هذه الآلية التي نتطلع أن تخرج إلى الوجود حتى لا نستمر في الحديث عن حالات التعذيب وإن كانت غير ممنهجة، فإنها تستغل من طرف خصوم المغرب لاتهامه بخرق حقوق الإنسان .ومن جهة ثانية نلاحظ أن الحكومة لم تلغ عقوبة الإعدام وهو ما يتعارض مع الفصل 20 للدستور الذي ينص على الحق في الحياة، هذه العقوبة التي نعتبرها انتقاما من طرف الدولة وتتناقض في نفس الوقت مع الموقف الرسمي في عدم تنفيذ عقوبة الإعدام منذ أزيد من 23 سنة مما يعتبر تعذيبا إضافيا للمحكومين .فيما يتعلق بالحريات العامة هناك سلوكات غير مقبولة في قمع بعض التجمعات السلمية ومنع عدد من الجمعيات من التوصل بالاعتراف للقيام بنشاطها والتهجم على جمعيات حقوقية، والتشكيك في تمويلها، ثم العنف المتزايد في المجتمع المغربي وكذا العنف داخل المؤسسات التعليمية وكذلك العنف ضد المرأة، فضلا عن تزايد البطالة والفقر والهشاشة وعدم المساواة بين المواطنين في ولوج التعليم والسكن والصحة. فالحكومة تدبر الشأن العام دون أن تعطي للشباب آمالا في مستقبل المغرب.
والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان تعتبر أن التطور الديمقراطي للمغرب في جميع الميادين يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات لتثبيت الاستقرار والرفع من مستوى معيشة السكان والقضاء على البطالة وإيقاف الفساد وإقرار حكامة جيدة في جميع الميادين، فالمغرب في السنوات الأخيرة ينعم بالاستقرار والسلم رغم التهديدات الإرهابية والمؤامرات التي تحاك ضده.

  *وكيف ترون  علاقات التوتر ما بين جمعيات حقوقية والحكومة في الآونة  الأخيرة؟

  نحن كجمعيات المجتمع المدني في المجال الحقوقي نعتبر أن نصف الكأس المملوء يجب أن نكمله عوض أن ننظر إلى النصف الفارغ وتحت تأثير التوجهات السياسوية يتخذون مواقف تضر أحيانا بسمعة المغرب وتستفز الآخر لمعارضتها، لهذا ندعو منظمات المجتمع المدني أن تتشبث بدورها في توعية المواطنين و فضح الممارسات غير القانونية كيف ما كان نوعها وألا تتأثر بالضغوطات الخارجية ،كما ندعو السلطات لأن تأخذ بعين الاعتبار التقارير الأجنبية حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب والعمل على التقصي في كل الاتهامات وإقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
 
  *وهل يمكن القول إن المغرب قد تمكن من طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ؟

  المغرب كانت له الشجاعة لمواجهة ماضيه الأسود بإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن لم يقع  حل القضايا الكبرى مثل قضية الشهيد المهدي بن بركة  والمانوزي والرويسي ،من جهة ثانية لم نر أي متابعة للذين قاموا بارتكاب جرائم كبرى في حق الشعب المغربي على المستوى الأمني والاقتصادي، ولهذا لا يمكن القول إننا قد طوينا صفحة الماضي كاملة، فطيها رهين بالكشف عن الحقيقة كاملة والعمل على عدم تكرار ما جرى، نحن متفائلون على أن العهد الجديد  يسير في اتجاه  البحث عن حلول بشجاعة وجرأة ، كما حدث في مدونة  الأسرة وكما يجري الآن في قضية الإجهاض.

 * حين نتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان تتبادر للذهن الحقوق السياسية وغالبا ما يتم تناسي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؟

  حقوق الإنسان السياسية بالمغرب الآن نوعا ما مكفولة ولم تصبح موضوع نقاش كبير، ولو أن الاختلال الأكبر في هذا الموضوع هو الجهل والأمية والفشل الكبير في إقرار منظومة للتربية والتعليم منذ الاستقلال إلى اليوم، فكل البرامج التعليمية فشلت لدينا ،أكثر من 50 في المائة لا يعرفون القراءة والكتابة، فالأمية تحرم الإنسان من حقوقه السياسية، ولا نرى أي تفاؤل حين يقول وزير التعليم  إنه في 2050 سيتمكن المغرب من القضاء على الأمية، ففشل المدرسة المغربية بما فيها الجامعة التي تخرج العاطلين، فليس هناك مساواة، بل هناك من يتوجه إلى الخارج ويضمن له عملا واستقرارا والأغلبية تتوصل بضربات أمام البرلمان.
ومن الناحية الصحية، فحدث ولا كحرج ،فنحن نشاهد المأساة التي تقع للنساء الحوامل ووفيات الأطفال المرتفعة بالمقارنة مع دول في نفس المستوى للبلاد، أما الحق في السكن، فهناك الكثير ما يقال هنا ، لكن نذكر على سبيل المثال، أنه منذ سنين نسمع بالوعود بالقضاء على مدن الصفيح التي تتكاثر وازدياد السكن الاقتصادي الذي يمكن اعتباره سكنا عشوائيا بالحجر والاسمنت، فالمواطنون يعانون في الأحياء السكنية مشكل الأمن، بالاضافة إلى مشكل إقصاء لغة البلاد الرسمية الأمازيغية، فليس هناك نية حسنة للعمل بتطبيق ترسيم اللغة الأمازيغية وتعميمها في داخل البلاد، فيكفي مثلا أن نسمعها في الفضاءات العمومية كاللغة العربية ،فهذا لا يكلف أي شيء مادي، فالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان قد طالبت الجهات الرسمية بهذا الخصوص لترسيم اللغة الأمازيغية في القضاء والمؤسسات العمومية.    
 

  كيف تلقيتم مشروع القانون الجنائي كمنظمة حقوقية؟

  منذ أكثر من سنتين، ونحن نسمع أن هناك ندوات و ورشات حول إصلاح المنظومة الجنائية بالمغرب، واليوم وضع مشروع المسطرة الجنائية بالبرلمان،  يريد أن نؤكد أن المشروع فيه أولا  ايجابيات نذكر منها أنه أنتج عقوبات بديلة كخدمات اجتماعية أو غرامات لعدم تطبيق الاعتقال الاحتياطي الممنهج وهذا يخفف من الاكتظاظ في السجون المغربية، وكذلك يمكن أن نعتبر أن من الايجابيات نقص عدد الفصول التي تحكم بالإعدام حيث كانت تعد بأكثر من 60 فصلا وأصبحت 10 فصول، وإن كنا ندعو إلى إلغاء هذه العقوبة، ثم تجريم الاختفاء القسري والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الحث على الكراهية وازدراء الأديان، وفي هذا الإطار فالمغرب لم يصادق بعد على المحكمة الجنائية الدولية والتي لها نفس الاختصاص.
  لكن ما يهمنا أكثر هو السلبيات، حيث نجد المشروع الحالي يتضمن عددا من الفصول الفضفاضة، و غير الواضحة والتي تمس بالحريات الفردية والشخصية ، مثلا الإفطار في رمضان، فالكل يعلم أن هناك حالات مرضية كمرضى القلب والسكري والضغط الدموي الذين يتناولون أدوية معينة، سيصبح هؤلاء متابعين  حسب  مشروع القانون الجنائي الحالي، ثم باسم حماية الأشخاص يمنع على  الصحفي أخذ صورة بدون إذن تحت طائلة المتابعة ومنع ممارسة المهنة فكيف يمارس الصحفي مهنته؟ فهناك نوع من التضييق، ثم هناك ما يسمى بالرموز،   يجب أن لا تبقى الكلمات فضفاضة، ويجرم كذلك عدم الولاء للوطن ،فهذا غير محدود يترك الباب مفتوحا لكل التأويلات ،وهناك إعطاء الصلاحيات للسلطات العمومية في استعمال العنف لفك التظاهرات والتجمعات، فحسب مشروع القانون الجنائي أعطيت للزوج إذا اتهم الطرف الآخر بالخيانة الزوجية له الحق في القيام بالقتل دون متابعة وهذا يعود بنا إلى جرائم الشرف  التي كانت ومازالت سائدة في عدد من بلدان الشرق الأوسط والشرق العربي دون الرجوع إلى القضاء الذي له الحق في التقصي والحكم بالقانون.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

10 ابريل 2015