يتلمس المغرب منذ سنوات ديمقراطيته المحلية، من خلال مجالس البلديات التي بدأت انتخاباتها في مفتتح ستينيات القرن الماضي، ومن خلال اتخاذ قرار بالذهاب نحو الجهوية، كتقسيم إداري للمملكة، وإن كان يتماشى أحيانا مع بُعد سياسي يتعلّق بالنزاع على الصحراء الغربية، التي اقترح لها حُكما ذاتيا، تتمتع سلطاته المُنتخبة بصلاحيات واسعة تحت السيادة المغربية.

في منتصف الثمانينات، أعرب العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني عن طموحه بأن يقترب نظام التقسيم الإداري لبلاده مع نظام المقاطعات المعمول به في ألمانيا الإتحادية. ومنذ ذلك التاريخ ظل الإهتمام بالجهوية كشكل من أشكال الديمقراطية المحلية، يخبو ويتأجّج، رغم أن الدستور الذي أقر في ربيع 2011 أكدها مجددا بوضوح.

اليوم، تبقى أسئلة كثيرة معلّقة في كيفية تنزيل الدستور في هذا الباب، على ضوء تجربة الجماعات المحلية، التي خاضها المغرب منذ سنوات والتي قد تُعتبر من التجارب الرائدة على مستوى المنطقة العربية رغم ما يعتريها من خلل أو نقائص هنا أو هناك.

وفي أحدث التطورات، ناقش مجلس الوزراء المغربي يوم 22 يناير 2015 مشروع القانون المُنظم للجهوية وأقرّ بعضا من فصوله، لكنه أجّل فصولا أخرى تتعلق بالتقسيم الجهوي.

لمزيد تسليط الضوء على التجربة وآفاق تطورها، التقت swissinfo.ch في الرباط بالدكتور إدريس لكريني، أستاذ القانون العام في كلية الحقوق بجامعة القاضي عياض في مراكش والخبير في شؤون الديمقراطية المحلية، وسألته عن هذا المشروع وعن تجربة الديمقراطية المحلية بالمغرب.

swissinfo.ch: كيف تقيمون مشروع الحكومة بشأن الجهوية وما سيَؤول إليه من تطوير للديمقراطية المحلية؟

د. إدريس لكريني: منذ عام 2010، فتحت نقاشات سياسية وأكاديمية واسعة، شارك فيها مختلف الفاعلين والمهتمّين؛ تم الوقوف خلالها على مختلف المشاكل التي تُحيط بالتجربة المغربية في هذا الصدد؛ من حيث التقطيع والصلاحيات والتمويل وتدخّلات الفاعلين.. كما تمّ استحضار مختلف التجارب الدولية الرائدة في هذا الشأن؛ وتمّ طرح مجموعة من الخُلاصات والتوصِيات الداعمة لهذا المسار.

وجاء دستور 2011، الذي أكّد على الخيار الجهوي ووضع مجموعة من الأسُس والمُرتكزات، التي تروم تجاوز الإشكالات التي رافقت التجربة. فقد جاء في الفقرة الثانية منه على أنه “تتبوّأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية، لإعداد التراب في نطاق احترام الإختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية”.

وهذه المصادقة تأتي في أعقاب النقاشات الواسعة التي بادرت إليها مختلف الفعاليات السياسية والأكاديمية والحزبية؛ حيث وقفت في مُجملها على مختلف الإختلالات التي واكبت مسار الجهوية في المغرب وأثّرت سلباً على تعزيز مسار التنمية وترسيخ الديمقراطية المحليتين.

تطوير الديمقراطية المحلية من خلال المشروع يطرح ملاحظتين: الأولى، تصبّ في أن المدخل القانوني، وإن كان ضروريا، فهو ليس كافيا في تحقيق الأهداف والرِّهانات المُتوخّاة من الجهوية؛ الأمر الذي يسائل الفاعلين أيضا ويفرِض انخراطهم بجدِّية في هذا السياق.

والملاحظة الثانية؛ تحيل إلى أن النقاشات الواسعة التي تناولت تعزيز الخيار الجهوي، بالإضافة إلى المستجدّات الدستورية، تدفع إلى القول بأن تفعيل مضامِين المشروع ستسمح بتجاوُز الكثير من المشكلات السابقة في علاقتها بسلطة الوصاية وعدم الجمْع بين رئاسة الجماعات ومهام سياسية أخرى؛ ومشاكل التقطيع الذي ظلّ في عُمق هذه النقاشات؛ مما سيعطي قدرا من الدينامية للتدبير المحلي.

swissinfo.ch: عرف مسار الديمقراطية المحلية بالمغرب منذ أول انتخابات للجماعات المحلية منعرجات عديدة. هل ظهرت ملامح هذه التجربة بالمشروع؟

د. إدريس لكريني: منذ استقلاله؛ اختار المغرب اعتماد اللامركزية في تدبير شؤونه الإدارية؛ وقد طرح موضوع الجهوية بالمغرب في سياقات تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة.

ففي بداية السبعينيات من القرن الماضي؛ تم إحداث سبْع جهات اقتصادية لخلْق توازُن تنمَوي بين مختلف المناطق. ومع بروز اختلالات في هذا الصدد؛ تمّ الإرتقاء بالجهة إلى مستوى الجماعة المحلية بمُوجب دستور مراجع لسنة 1992. ومع دستور 1996، أصبح عدد الجهات (16 جهة) مؤطّرا بقانون تنظيم الجهات رقم 96.47 لعام 1997

وأمام تفاقُم التناقُضات في النظام الجهوي القائم؛ بفِعل الإختلالات القائمة على مستوى الصلاحيات والموارد والمتدخلين، بما أثَّـر سلبا على مسارات التنمية والديمقراطية المحليتيْن؛ فتح النقاش من جديد بصدد إصلاح الجهوية بالمغرب؛ حيث عيّن العاهل المغربي لجنة موسّعة؛ كُـلِّـفت بوضع تقرير عام يحدِّد هذه الإختلالات ويحدِّد المداخل اللازمة لتجاوُز هذه الإشكالات في علاقتها بتعزيز صلاحيات مجلس الجهة وتعزيز التضامن والتعاون بين مختلف الوحدات الترابية؛ والحد من هيمنة سلطة الوصاية ودعم مداخيل الجهات..

وباستقراء تاريخ الجهوية في المغرب؛ يُمكن القول أن التجربة الميدانية، وإلى حدود الساعة، لا زالت في تطوّر وتكتنِفها الكثير من المشاكل والنواقِص؛ وهو ما يعكس الفوارق التنموية بين الجهات وكذلك حجم قضايا الفساد في عدد من الجماعات الترابية والمثارة ضِمن تقارير المجلس الأعلى؛ إضافة إلى العزوف الإنتخابي الذي يطبع الإنتخابات المحلية والخروقات التي يعرفها انتخاب أعضاء المجالس الجهوية. وهذه كلها عوامِل أسهمت في كبْح مسار الديمقراطية المحلية. 

swissinfo.ch: يبدو أن ما كان يجري في العمليات الإنتخابية من خروقات وتزوير قد انعكس سلبا على ثقة المواطن بالجماعات ودورها…

د. إدريس لكريني: أضحى العزوف من ضمن أبرز الإختلالات العميقة في المشهد الإنتخابي المغربي، محليا ووطنيا في السنوات الأخيرة، بحسب إحصائيات رسمية. والتحفيز على المشاركة في الإنتخابات المحلية بصورة بعيدة عن المناسباتية؛ هو أمر يُسائِـل الدولة والأحزاب. ومعلوم أن المشاركة الفاعلة ومتى توفرت شروطها، فهي ترسّخ نوعا من التواصل البنّاء بين المواطن وصانع القرار؛ وتعطي معنى للمؤسسات وتسمح بنوْع من الإستقرار داخل المجتمع.

وجدير بالذكر أيضا أن الفساد المالي والإداري المتفشِّييْن في عدد من الجماعات الترابية، يُعدّ أحد العوامل المُغذّية للعزوف الإنتخابي والسياسي بشكل عام. إضافة إلى الإختلالات التي تُرافق عمليات الإقتراع غير المباشر عند تشكيل مجالس الجهة؛ فكلّما قلّ عدد الناخبين، كلما كان هامش استعمال وسائل التأثير غيْر المشروعة أكبر. وهو ما يدفع للقول أن تخليق الحياة السياسية بشكل عام والإنتخابية على وجه الخصوص؛ بما يجعل من الإقتراع آلية فعّالة للتأثير في القرارات وتجدّد النخب؛ يمكن أن يُسهم في تعزيز المشاركة في الإنتخابات القادمة.

لكن مواجهة الفساد هي مهمة جماعية تسائل الدولة ومختلف الفاعلين؛ وتتطلّب تدابير أفُقية تدعم ترسيخ ثقافة المساءلة والتبليغ والمحاسبة والولوج إلى المعلومات وفضْح الإختلالات؛ واعتماد التشاركية في صُنع السياسات العمومية، محليا ووطنيا، وأخرى عمودية؛ في علاقتها بجرأة المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.. ودعم استقلالية القضاء ونزاهته واعتماد الصرامة والجدية في التعاطي مع ملفات الفساد المطروحة، دون تماطل كسبيل لتحقيق الرّدع؛ علاوة على استرداد الأموال المنهوبة.

swissinfo.ch: تقاسُم التدبير بين السلطات والجماعات المحلية وهيمنة السلطات أحيانا، هل عرقَـل تطوير الديمقراطية المحلية في المغرب؟

د. إدريس لكريني: إن الديمقراطية المحلية كإطار يعتمد على المقاربة التّشاركية وسياسة القرب؛ هي بوّابة لتفعيل الديمقراطية وطنيا؛ ومدخل كفيل باسترجاع ثقة المواطن في مختلف المؤسسات السياسية؛ بما يمكن أن يوفّر مناخا سياسيا يعزّز مسار التحوّل الديمقراطي. كما أنها تشكِّل أرضية ناجعة لتحقيق تنمية كفيلة بتحسين أوضاع المواطنين؛ وقد كان للديمقراطية المحلية أثر كبير في دعم وترسيخ الديمقراطية وطنيا في عدد من الأقطار التي راهنت على اللاّمركزية في مختلف أبعادها، كإسبانيا.

لا ننس أن المغرب يعتمد اللامركزية الإدارية؛ وتشكل سلطة الوصاية إحدى المُرتكزات التي تتأسس عليها اللاّمركزية في بُعدها الإداري. فمن خلالها يتم تحقيق قَـدر من التناغم والتكامل والإستمرارية في أداء الجماعات الترابية والمحافظة على وِحدة الدولة.

كما لا يخفى دورها أيضا في إرساء مبدإ المشروعية الذي يُحيل إلى سيادة واحترام القانون؛ وهي في جانبها المالي أو الإداري، تسعى إلى تحقيق قدر من الحكامة في التدبير. لكن سلطة الوصاية في النظام الجهوي الحالي، لقيت انتقادات عديدة من قِبل الفاعلين؛ بالنظر إلى ميْلها نحو التحكّم والتضييق أحيانا على الفاعل المحلّي؛ ويبدو أن المشروع الحالي اتّجه نحو التخفيف من حدّة هذه الوصاية.

إن إرساء قواعد جهوية ناجعة وفعّالة كفيلة بدعم وترسيخ الديمقراطية المحلية بالصورة التي قد تعطي مفهوما جديدا لتدبير الشؤون العامة؛ يتطلب وجود مجموعة من المرتكزات والأسُس الضرورية لذلك؛ من قبيل وجود تقسيم جهوي منسجِم وبنّاء؛ تحكمه متطلّبات التنمية والممارسة الديمقراطية القادرة على تدبير التنوّع المجتمعي بصورة بنّاءة؛ لا الهواجس الإنتخابية؛ وتخويل الجهات صلاحيات وازنة في إطار مؤسسات ديمقراطية ومُنتخَبة بصورة مباشرة؛ وتوفير الإمكانيات البشرية والتقنية والمالية اللاّزمة لبلْوَرة تدبير ميْداني فاعِل وقادِر على خلْق الثروة.

وعلاوة عن الأهداف التنموية التي يمكن أن تحقّقها الجهوية في شكلها السياسي أو الإداري، إذا ما بنيت على أسُس قومية؛ فإن إعمالها بصورة تتجاوز الإختلالات التي رافقت التجربة الجهوية السابقة، سيخلِّف آثارا سياسية هامة؛ يمكن إجمالها في تجديد النّخب المحلية وإثراء المشهد السياسي وتدبير التنوّع المجتمعي، بما ينعكِس بالإيجاب على الممارسة الديمقراطية في بعدها المحلي والوطني.

*عن swissinfo.ch

10ابريل 2015