المغرب أصبح القاعدة القارة للأمم المتحدة والدول الغربية والعربية لحل العديد من القضايا

قال المساوي العجلاوي المحلل السياسي والخبير في الشؤون العربية والإفريقية، إن السعودية تحاول خلق دينامية قوة إقليمية عربية جديدة قاعدتها الصلبة السعودية والإمارات والبحرين مع امتداد نحو الأردن ومصر والمغرب، وذلك في سياق نهاية العالم العربي في صيغته لما قبل 2011 وبداية تشكيل خريطة جديدة.
وأوضح العجلاوي في حوار له مع «جريدة الاتحاد الاشتراكي»، أن السعودية تسعى إلى خلق قوة تخترق العالم العربي من الشرق إلى الغرب، مع إمكانية دعم من دولتين سنيتين تركيا وباكستان، وفي هذا السياق يصعب على المغرب أن يختار الحياد، علما أيضا أن انخراطه في هذه المواجهات قد تكون لها انعكاسات على تدبير الأمن داخل المغرب.
واعتبر الخبير في الشؤون العربية والإفريقية، أن التهديد الاستراتيجي الأمني للمغرب، يكمن في خطرين، الأول الخطر الإسرائيلي حيث محاولات اختراق النسيج المجتمعي المغربي من خلال التدبير على المدى البعيد لورقة « الإثنية» وإذكاء الصراع بين مكونات المجتمع المغربي لكسب مواقع، وهي سياسة أظهرت مفعولها في شرق العالم العربي، والتي تتيح لإسرائيل الاستقرار على المدى البعيد، والخطر الثاني التشيع، الذي يتجاوز حد حرية اختيار التمذهب إلى توظيف ذلك للانتصار للتوجه السياسي الإيراني.
وتطرق العجلاوي للحركة الدبلوماسية والعسكرية على الصعيد الدولي للمغرب سواء في عهد المغفور له محمد الخامس، والراحل الحسن الثاني، ثم خلال العهد الجديد واختلاف المراحل السياسية والتحولات والتطورات المسارعة سواء في المحيط الجهوي والدولي.
كما قام العجلاوي بتحليل للملف اليمنى، حيث اعتبر أن الموقف في اليمن معقد جدا، فهو صراع طائفي يمني يمني قبلي مذهبي ( السنة ضد الشيعة) إقليمي ( السعودية/إيران)، والمغرب مرتبط بدول مجلس التعاون الخليجي من خلال اتفاقات إستراتيجية، ودول الخليج خاصة السعودية والإمارات وقفت موقفا نبيلا مع المغرب وفي العديد من المحطات، وذلك منذ عهد الحسن الثاني، مبرزا في ذاته، أن هذه الدول اليوم في منعطف جيوسياسي خطير تتغير فيه موازين القوى، حيث أصبحت الجمهورية الإيرانية الإسلامية رقما أساسيا في المعادلة العربية.
وسجل المحلل السياسي العجلاوي بهذا الخصوص، أن الأمم المتحدة ارتكبت خطأ استراتيجيا كبيرا بإخراج الملف اليمني من المبادرة الخليجية إلى مبادرة أممية صرفة، تقاطع ذلك مع تحولات إقليمية، فأحس علي عبد الله صالح ، الرئيس اليمني السابق، بالحرية في تركيب تحالف مع الحوثيين، والرجل يمسك في نفس الوقت بكتلة قبلية هامة وبالجيش الذي بناه لمدة تزيد عن ثلاث عقود، وكان يعرف أنه الورقة الوحيدة التي تلعب بها دول الخليج، إذ أن حزب الإصلاح ( خيمة كبيرة تضم حركة الإخوان المسلمين وسلفيين و قبائل من مأرب وحاشد….).
وأبرز العجلاوي الأدوار التي يضطلع بها المغرب عربيا وإفريقيا ، والتي جعلت منه القاعدة القارة التي تلجأ إليها الأمم المتحدة ودول الغرب والدول العربية لحل العديد من القضايا، بيد أن تغير المعطيات وتنافس استراتجيات إقليمية على الريادة في المنطقة يتطلب من المغرب المزيد من الابتكارات في المبادرات وأداء كل الفاعلين المغاربة للحفاظ على تقدمه خاصة في القارة الإفريقية.

ما الفرق بين المشاركة المغربية في إطار الديبلوماسية العسكرية في عهد الراحل الملك الحسن الثاني واليوم في عهد الملك محمد السادس؟

انخراط المغرب في الحركة الدبلوماسية والعسكرية على الصعيد الدولي بدأ في عهد محمد الخامس، الذي برز كمحرر لبلاده من الاستعمار ومقاوما ضد الاستعمار الجديد، وهذا ما أدركه جمال عبد الناصر في 1959، وغير موقف مصر العدائي ضد الملكية في المغرب، واستقبل محمد الخامس في مصر، ثم استطاع الملك حينها جمع التقدميين في القارة الإفريقية، من نكروما وسيكوتوري ومهدي بوكيتا وجمال عبد الناصر والحكومة الجزائرية المؤقتة، في مؤتمر الدار البيضاء في يناير 1961، والذي كان اللبنة الأولى لمنظمة الوحدة الإفريقية والتي سترى النور في ماي 1963. قاد محمد الخامس هذه المجموعة ضد التوسع الاستعماري في إفريقيا، وهذا ما يفسر حضور عدد من القيادات من المؤتمر الوطني الحاكم الآن في دولة جنوب إفريقيا ، وله موقف عدائي تجاه الوحدة الترابية والوطنية للمغرب، إضافة إلى حركات التحرير في المستعمرات البرتغالية، وكانت هذه الدول تساند الوحدة الترابية للمغربـ، إذ أن مصطلح ” وحدة التراب” كان الثابت في خطب محمد الخامس.
في عهد الحسن الثاني كانت المشاركة المغربية الدبلوماسية والعسكرية مقرونة بالاختيار الذي سلكه الملك الراحل من الانتماء إلى المعسكر الغربي، وكان الصراع على أشده بين المعسكرين الشرقي والغربي، و شكلت القارة الإفريقية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية أرض صراع بين المعسكرين، في هذا السياق جاءت المشاركة المغربية لدعم حكم موبوتو في الزايير ( الكونغو الديمقراطية) إضافة إلى الدعم الإنساني الذي قدمه المغرب إلى عدد من أصدقائه في القارة، يجب الإشارة أيضا إلى المشاركة المغربية في حرب أكتوبر 1973، في الجولان السوري خاصة، وفي إطار التضامن العربي.

وفي العهد الحالي كيف ترى الأمر كخبير و محلل سياسي وأكاديمي؟

لا نعرف إعلاميا حجم المشاركة المغربية في عاصفة الحزم، سوى ما تم تداوله حول ست طائرات، فالقوات المسلحة الملكية لا تكشف عن تسلحها و مساهماتها ، وكل ما يصل من معلومات تبقى المؤسسات الدولية المصدر الوحيد للمعلومات عن المؤسسة العسكرية المغربية، الجديد في هذه المساهمات هو أن المغرب أصبح يملك قوة جوية ضاربة، موازاة مع ذلك تتميز القوات المسلحة في القارة الإفريقية بالخصوص بنشر مستشفيات ميدانية بجميع التخصصات، وتكرر هذا الأمر في الصومال وفي الكونغو ومالي وغينيا كوناكري، وقد زرت المستشفى الميداني بباماكو في دجنبر 2013 ، ولمست عن قرب انتظارات الماليين وتقديرهم للمغرب ، وعدد العمليات التي أنجزت، وكفاءة العاملين بالمستشفى من أطباء وممرضين ومسؤولين، ويتذكر الماليون العمل الإنساني الكبير الذي قدمه المستشفى العسكري المغربي ، فإذن التدخلات العسكرية المغربية لا تشمل فقط ما هو عسكري أمني بل يتجاوز ذلك إلى البعد الإنساني الصرف، والمغرب البلد الإفريقي الوحيد القادر على بناء مستشفيات متنقلة . أضف إلى كل هذا مشاركة وحدات عسكرية مغربية في بعثات الأمم المتحدة في عدد من الدول في الكوت ديفوار والكونغو و جمهورية وسط إفريقيا.

كيف تقيم إقدام المغرب قبول المشاركة في مثل هذه العمليات انطلاقا من المشاركة في حرب الخليج بالعراق؟ وبعد ذلك ضد داعش و في اليمن؟

المغرب لم يشارك في حرب الخليج مباشرة، بل استقرت فرقه العسكرية في شمال المملكة السعودية، في سياق التأهب للدفاع عن الأراضي السعودية، بالنسبة للتحالف الدولي الجوي ضد داعش جرت الأمور في إطار الاتفاقات العسكرية التي تربطه بالإمارات.
الموقف في اليمن معقد جدا، فهو صراع طائفي يمني يمني قبلي مذهبي ( السنة ضد الشيعة) إقليمي ( السعودية/إيران)، المغرب مرتبط بدول مجلس التعاون الخليجي من خلال اتفاقات إستراتيجية، ودول الخليج خاصة السعودية والإمارات وقفت موقفا نبيلا مع المغرب وفي العديد من المحطات، وذلك منذ عهد الحسن الثاني. هذه الدول اليوم في منعطف جيوسياسي خطير تتغير فيه موازين القوى، حيث أصبحت الجمهورية الإيرانية الإسلامية رقما أساسيا في المعادلة العربية، من خلال أربع دول وهي العراق واليمن وسوريا ولبنان، وتنامى دور الحوثيين الشيعة الزيدية المرتبطين بإيران الشيعة الإثناعشرية، في خلخلة الموازين داخل اليمن، وهذا أثار حفيظة دول الخليج وفي مقدمتهم السعودية، لأن الحوثيين ، استغلهم علي عبد الله صالح، أو استغلوه، لتنفيذ أجندات لكل طرف، الحوثيون يريدون تحويل اليمن إلى شوكة في خاصرة السعودية ، والاستيلاء على باب المندب الذي يراقب التجارة مع العالم الغربي من المحيط الهادي نحو المتوسط عبر البحر الأحمر، وإيران تراقب باب هرمز، والاستيلاء على باب المندب معناه خنق دول الخليج، وهذا ما ترفضه الدول الغربية، الشيء الذي يفسر الانتصار لعدد من دول الغرب ل”عاصفة الحزم”، وفي سياق أن هناك إرادة استراتيجية للولايات المتحدة في توريط الدول العربية في حرب برية سواء ضد الحركات الجهادية أو في اليمن. الأمم المتحدة ارتكبت خطأ استراتيجيا كبيرا بإخراج الملف اليمني من المبادرة الخليجية إلى مبادرة أممية صرفة، تقاطع ذلك مع تحولات إقليمية، فأحس علي عبد الله صالح ، الرئيس اليمني السابق، بالحرية في تركيب تحالف مع الحوثيين، والرجل يمسك في نفس الوقت بكتلة قبلية هامة وبالجيش الذي بناه لمدة تزيد عن ثلاث عقود، وكان يعرف أنه الورقة الوحيدة التي تلعب بها دول الخليج، إذ أن حزب الإصلاح ( خيمة كبيرة تضم حركة الإخوان المسلمين وسلفيين و قبائل من مأرب وحاشد….) في سياق التناقض الذي حصل داخل العالم العربي وأحزاب الإخوان المسلمين خاصة في مصر لم يسمح بتغيير ورقة علي عبد الله صالح بورقة الإصلاح. صالح وظف الحوثيين، وهم أيضا استفادوا منه من خلال اللعب بالورقة الإيرانية. هذا ما يفسر موقف السعودية من صالح رغم الخطوات التي باشرها ابنه أحمد من خلال البوابة الإماراتية. الملف اليمني لا يمكن إخراجه من تقاطعات المصالح السياسية والعسكرية و الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، قد توظف إيران ما يجري في اليمن للتفاوض مع السعودية بشأن سوريا، هذا ممكن، ولكن ليس في الأمد القريب.

وكيف يمكن أن تؤثر هذه التحولات الدولية والجيو سياسية التي تعرفها المنطقة العربية على المغرب ومستقبله؟

في سياق نهاية العالم العربي في صيغته لما قبل 2011، وبداية تشكيل خريطة جديدة تحاول السعودية خلق دينامية قوة إقليمية عربية جديدة قاعدتها الصلبة السعودية والإمارات والبحرين مع امتداد نحو الأردن ومصر والمغرب، أي خلق قوة تخترق العالم العربي من الشرق إلى الغرب، مع إمكانية دعم من دولتين سنيتين تركيا وباكستان. في هذا السياق يصعب على المغرب أن يختار الحياد، علما أيضا أن انخراطه في هذه المواجهات قد تكون لها انعكاسات على تدبير الأمن داخل المغرب، وهذا ربما ما يفسر ” حذر” و” المكتب المركزي” والحملة الإعلامية الكثيفة حول القضايا الأمنية بالمغرب، علما أن التهديد الاستراتيجي الأمني للمغرب يكمن في خطرين، الإسرائيلي حيث محاولات اختراق النسيج المجتمعي المغربي من خلال التدبير على المدى البعيد لورقة ” الإثنية” وإذكاء الصراع بين مكونات المجتمع المغربي لكسب مواقع، وهي سياسة أظهرت مفعولها في شرق العالم العربي، والتي تتيح لإسرائيل الاستقرارعلى المدى البعيد، والخطر الثاني التشيع، الذي يتجاوز حد حرية اختيار التمذهب إلى توظيف ذلك للانتصار للتوجه السياسي الإيراني، ولاحظنا مؤخرا كيف أن الواجهات الدعوية والإعلامية والمواقع انخرطت من الخليج إلى المحيط وبتناسق تام في إدانة ” عاصفة الحزم” تماهيا مع الموقف الإيراني

هل حجم الربح أكبر من الخسارة سياسيا وديبلوماسيا بالنسبة للمغرب من خلال هذه المشاركات في العمليات؟

على المدى البعيد وفي انتظار تحقيق مكاسب استراتيجية، يسجل المغرب الآن نقطا عديدة لحسابه، إذ أصبح فاعلا إقليميا وجهويا وقاريا، وهذا ما يجعله حاضرا في القرارات الدولية، إذ أن نجاح الحوار الليبي في الصخيرات والاختراقات المحققة في هذا الملف، ودور المغرب في تدبير الحقل الديني وأهمية هذه الورقة في مواجهة الحركات الجهادية، التي أصبحت هما عالميا للشرق والغرب معا، وتجربته في التعاون جنوب جنوب، ووقوفه ندا للند مع فرنسا، كل هذا جعل منه القاعدة القارة التي تلجأ إليها الأمم المتحدة ودول الغرب والدول العربية لحل العديد من القضايا. بيد أن تغير المعطيات وتنافس استراتجيات إقليمية على الريادة في المنطقة يتطلب من المغرب المزيد من الابتكارات في المبادرات وأداء كل الفاعلين المغاربة للحفاظ على تقدمه خاصة في القارة الإفريقية.

*الخبير والمحلل السياسي الموساوي العجلاوي

15 ابريل 2015