يعيش العالم العربي منذ العام 2011 على تواتر الأزمات، بعضها صامت والبعض الآخر هائج، تترنح بين التفاوض بالكلام والشتم أو الحوار بالرصاص والسلاح الثقيل.
إشكال العالم العربي أن ربيعه أفضى إلى كشف المستور، وطفت التناقضات على السطح، وفي غياب ثقافة الحوار والقبول بالآخر وتدبير الاختلاف في إطار دولة المؤسسات الدستورية، سلكت مكونات عدة أسلوب العنف والتدمير ، وهذا ما يفسر لماذا العالم العربي يشتعل هنا وهناك. هذه التحولات المفصلية مهدت لاستقرار قوى من خارج المنطقة في قلب المجتمعات المنهارة، وتشظى المجتمع إلى ثكنات ترفع علم هذه القوة أو تلك.
السؤال المطروح هل عجزت النخب السياسية والمدنية في هذه الدول المنهارة عن إنتاج مرحلة جديدة عنوانها التوافق في انتظار تشييد مؤسسات دائمة، تتيح للمواطن في العالم العربي أيا كانت إثنيته أو دينه أو مذهبه أو توجهه السياسي، أن يعبر عن الاختلاف في إطار الوحدة ، إنه الخيار الديمقراطي ذو الأصول الإنسانية والحضارية الكفيل بإخراج المجتمعات في العالم العربي إلى دائرة الضوء، ورسم خريطة جديدة يكون المواطن ، أيا كانت مرجعيته، مصدر السلطة والقرار ، إنها عملية استرجاع الكرامة والمواطنة في نفس الوقت.
في انتظار ذلك، تحز في النفس مشاهد الدمار هنا وهناك، وبناء « ديمقراطية» الطوائف، ومسح آثار شاهدة على الانتاجات الحضارية للمجتمعات في العالم العربي منذ القدم إلى العصور الحديثة، وضياع أجيال برمتها بين الجوع والفقر والجهل، وبيع النساء والأطفال في أسواق نخاسة القرن الواحد والعشرين. وحدها بعض الدول التي تعرف تماسكا اجتماعيا أو قوة مالية أو مجتمعات صغيرة من حيث عدد السكان، نجت من أعاصير الربيع العربي.
غياب وظائف الدولة، أيا كان لونها ورائحتها، يتحول إلى إكسير للحركات « الجهادية « جماعات الجريمة العابرة للحدود، وتنمو قيم جديدة لا مرجعية لها سوى المزاج والقتل والإقصاء على الهوية والعنف الذي لا قعر له. في السنوات الأخيرة أصبح العالم العربي مرجعا للحركات الانفصالية و موطنا للقاعدة بكافة تلاوينها وأطيافها، والتحقت « الفيلة بالفيل»، عندما تحولت «القاعدة في بلاد النهرين» إلى «الدولة الإسلامية في العراق» لتتطور إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ثم إلى «الخلافة الإسلامية»، وفي غرب العالم العربي ولدت القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الجزائر نتيجة الحرب الأهلية في التسعينات، لتجد حاضنة في منطقة الساحل والصحراء ولتلد بدورها حركات أخرى. هكذا أصبح العالم العربي منتجا لأكثر وأقصى « الحركات المتطرفة» التي تقطع الرؤوس أمام أعين العالم.
عندما يتصفح المرء تاريخ الإنسانية والمجتمعات، يلاحظ أن «العالم الهادئ» عرف حروبا دموية دينية أو عرقية أو سياسية، بيد أن قدرة التجاوز وتحويل الماضي الأليم إلى مصدر بناء هو الذي نقل هذه المجتمعات إلى مرحلة الإنتاج الحضاري العالمي، نعني بهذا الخصوص أوربا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وغيرها من الأمثلة كثير. فهل يخرج العالم العربي من مرحلة التطاحن والتجزيء، والولاء إلى مرجعيات خارجية، وضياع أجيال بكاملها، وتدمير البنى التحتية في رمش عين، والتي ستتطلب إعادة بنائها سنوات أو عقود؟
خياران لا ثالث لهما أمام المجتمعات المنهارة في العالم العربي: الاستمرار في التفكك والسير بسرعة متناهية نحو الفناء، أو سلوك التوافق في مرحلة أولى، ثم بناء مؤسسات دستورية دمقراطية دائمة قادرة على استيعاب كل أبناء الوطن والقبول بالآخر دون تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي.

*السبت 18 ابريل 2015