تتحدد العلاقة بين الدين والدولة، في المرجعية الإسلامية، داخل إطار الحقيقة التاريخية التالية، وهي أن الإسلام ظهر في مجتمع لم تكن فيه دولة، وأن الدولة العربية الإسلامية نشأت بصورة تدريجية، من خلال انتشار الدعوة، وبكيفية خاصة بعد فتح مكة أولا، ثم ثانيا من خلاله انتشار الفتوحات ونجاح العرب في الظهور كقوة عالمية، والدخول بالتالي في علاقات دولية واسعة.

هذه حقيقة تاريخية لا تحتمل الجدال ولا النقاش، غير أن تفسير هذه الحقيقة التاريخية تفسيرا يسمح باستخلاص نتائج تشريعية واحدة ليس بالأمر الهيّن، لأن الأدلة التي يمكن بها إثبات وجهة نظر معينة متكافئة مع الأدلة التي يمكن بها إثبات وجهة نظر أخرى مضادة.

وهكذا فمن جهة:

– ليس من الممكن إطلاقا الجزم بشيء حول ما إذا كان النبي محمد (ص) قد وضع من جملة أهدافه، في بداية دعوته، إنشاء دولة. إنه ليس هناك، لا في الحديث ولا في المرويات عن الصحابة ما يمكن الاستشهاد به لإثبات هذه المسألة، بل بالعكس هناك خبر متواتر يؤكد أن النبي رفض رفضا مطلقا العرض الذي قدمه له أهل مكة عند ابتداء دعوته، والذي اقترحوا عليه فيه أن ينصبوه رئيسا عليهم مقابل تخليه عن الدعوة إلى الدين الجديد، مما يدل دلالة قاطعة على أن هدف النبي كان نشر الدين الجديد، وليس تكوين دولة ولا الحصول على زعامة.

– كما أنه ليس في القرآن ما يفيد بصورة واضحة أن الدعوة الإسلامية دعوة إلى إنشاء دولة أو ملك أو إمبراطورية الخ. نعم هناك آيات تعد المؤمنين بأن الله سيستخلفهم في الأرض ويمكن لهم دينهم، كما استخلف الذين من قبلهم. ولكن ليس من شرط ذلك أن يقوموا بإنشاء دولة! فهذا وعد إلهي غير مشروط.

ومن جهة أخرى، هناك بالمقابل حقيقتان لا يمكن الجدال فيهما: – الأولى هي أن القرآن يتضمن أحكاما يأمر المسلمين بالعمل بها، وأن من بين هذه الأحكام ما يتطلب وجود سلطة تنوب عن الجماعة في تنفيذها. أما الثانية فهي أن “تنفيذ هذه الأحكام” كانت، مبدئيا على الأقل، من جملة المهام التي أدت إلى تطور الدعوة الإسلامية إلى دولة منظمة ذات مؤسسات…

وإلى جانب هذه الحقائق الأربع المتكافئة مثنى مثنى، والتي لا تسمح بالخروج بنتيجة حاسمة في الموضوع، هناك التجربة التاريخية الإسلامية والفكر الفقهي المنظر لها.

معروف تاريخيا أن أول خلاف جدي وخطير قام بين المسلمين هو اختلافهم، مباشرة بعد وفاة النبي (ص)، في تعيين من سيخلفه. وكان الخلاف بين المهاجرين والأنصار: كل طرف يرى أنه أحق بأن يكون خليفة الرسول منه. واستنادا إلى ما تذكره كتب التاريخ، يبدو أن الحجج الدينية لم تكن حاضرة، فلم يستشهد أي من الطرفين لا بالقرآن ولا بالحديث مع أنهم كانوا أقرب الناس إلى رسول الله. أما الحجج الأخرى مثل كون المهاجرين قد هاجروا بلدهم وتركوا أموالهم في سبيل نصرة الدعوة، فقد كان الرد عليها من جانب الأنصار ردا مكافئا: هم الذين نصروا النبي وآووا المهاجرين وقاتلوا معهم. وتجمع الروايات أو تكاد على أن الذي حسم الخلاف هو تدخل أبي بكر بالقول: “إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش”، بمعنى أن القوة القبلية الوحيدة المؤهلة للزعامة هي قبيلة قريش. كان ميزان القوى القبلي العشائري هو الذي حسم الأمر، وكانت النتيجة أن استبعدت فكرة “منا أمير ومنكم أمير” وصار الأمر كله للمهاجرين بمبايعة أبي بكر.

هل يعني هذا أن الدين كان غائبا تماما عن هذه المشكلة الأولى التي واجهتها الجماعة الإسلامية؟ كلا. كان الدين حاضرا على مستويين:

*مستوى شعور الجميع بضرورة الحفاظ على كيان الجماعة الإسلامية بمواصلة بناء الدولة، من جهة،

*ومستوى اعتبار هذه المسألة تندرج فيما عبر عنه النبي (ص) بالقول : “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”. وباستثناء فرقة الشيعة التي جعلت –فيما بعد- من الإمامة (أي الخلافة) ركنا من أركان الإسلام على أساس أن النبي “أوصى” لعلي بالخلافة وأنها بالتالي يجب أن تكون منحصرة في ذريته -الشيء الذي نازعتهم فيه مختلف الفرق- فإن فقهاء السنة قد استخلصوا من تجربة تولية أبي بكر أن الصحابة أجمعوا على إقامة الدولة مراعاة للمصلحة، وأنهم تصرفوا في إقامتها على أساس “وأمرهم شورى بينهم”.

كان هذان الاعتباران هما “الأصل” المرجعي الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، الذي استند إليه فقهاء أهل السنة في تشييد نظريتهم في الخلافة. وإذا نحن قمنا بتحليل هذا “الأصل” كما جرى تطبيقه، وبالتالي كما نظر له الفقهاء، فإننا سنجد أنه يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية:

العنصر الأول يتمثل في حصر المشكلة كلها في “من سيخلف النبي؟”، أي في اختيار الشخص الذي يكون ولي أمر المسلمين؛ وبالتالي فنظرية الخلافة لا تطرح الدولة كمؤسسة، بل تهتم فقط بالشخص الذي سيبايع على أن “يلتزم” بأن يحكم في الناس “بكتاب الله وسنة نبيه” من غير تفصيل، ولأمد غير محدود، ومن دون أية شروط تخص المؤسسات والقنوات والأجهزة التي سيمارس بها السلطة المطلقة التي فوضت له. ذلك أن الجماعة الإسلامية تفوض الأمر تفويضا كاملا تاما للخليفة فيما يخص أدوات التنفيذ وبناء أجهزة الدولة واختيار الوزراء والأعوان والولاة الخ، كما أنها لا تحتفظ لنفسها بحق الرقابة على الحاكم، لأنه بمجرد ما تتم له البيعة يصبح مسؤولا، ليس أمام من بايعوه، بل أمام الله وهذا يعني أن الحساب والعقاب سيكون في الآخرة. وبالتالي فليس على من نصبوه حاكما عليهم إلا الطاعة! والحالة الوحيدة التي توجب عليهم عصيانه هي عندما يأمرهم بعصيان أمر من أوامر الله، أو يلزمهم بإتيان ما نهى عنه. وذلك بناء على مبدأ: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، وليس هناك مبدأ آخر غيره في هذا المقام، إلا ما يدخل في باب “النصيحة”، والنصيحة غير ملزمة، كما هو معروف.

– أما العنصر الثاني الذي تقوم عليه نظرية الخلافة السنية فهو وحدانية الخليفة، بمعنى أن الخليفة لا يكون إلا واحدا في جميع بلاد الإسلام. وليس هناك من مرجع شرعي في هذه المسألة سوى كون الصحابة قد صرفوا النظر عن اقتراح “منا أمير ومنكم أمير” الذي طرح في الجدال الذي جرى في سقيفة بني ساعدة. نعم للخليفة أن ينيب عنه من يحكم باسمه من الوزراء والولاة، وله أن يفوض لهم جزءا من سلطته بحسب الظروف والأحوال. ولكن مع ذلك يبقى خليفة المسلمين من الناحية النظرية الفقهية شخصا واحدا، ولا يجوز الاعتراف بشرعية أكثر من خليفة واحد. وعندما قامت الخلافة الأموية في الأندلس، والخلافة الفاطمية في القاهرة، إلى جانب الخلافة العباسية في بغداد، كانت كل واحدة منها تعتبر نفسها، ويعتبرها أتباعها، هي الخلافة الشرعية الحق. هذا طبعا من الناحية النظرية الفقهية. أما في الواقع، فلقد شهدت بلاد الإسلام دولا متعددة متزامنة متنافسة، وأحيانا متحاربة. وكانت كلها، وما زالت، دولا إسلامية.

– وأما العنصر الثالث فهو أن الخلافة، بحسب رأي أهل السنة، إنما تكون بـ “الاختيار” وليس بـ “النص” (وهذا المبدأ موجه ضد الشيعة). حجتهم في ذلك أنه ما دام الصحابة قد تداولوا بعد وفاة النبي واختلفوا ثم اتفقوا وبايعوا أبا بكر فإن ذلك يعني أن الرسول لم يعهد إلى أحد بالخلافة من بعده. غير أن “الاختيار” في نظرية الخلافة عند أهل السنة لا يتجاوز تقرير: أن النبي لم ينص لأي أحد من بعده. أما كيفية “اختيار الخليفة”، فهذا موضوع تقرر فيه موازين القوى. وقد انتهت نظرية الخلافة عند أهل السنة إلى القول: فمن قام يطلب الخلافة لنفسه وغلب بشوكته واستطاع أن يجمع الناس حوله راضين أو مكرهين فهو الخليفة. نعم لقد اشترطت الأغلبية في العصور الإسلامية الأولى أن يكون الخليفة من قريش، ولكن هذا الشرط قد نوزع فيه من طرف فرق أخرى لأنه لا يستند إلى أساس شرعي واضح. كما اشترطوا، في بداية الأمر، العلم بالشرع وبلوغ درجة الاجتهاد فيه، ولكنهم أسقطوا هذا الشرط عندما غلب على الأمر رجال لا يفقهون في العلم شيئا، كما أنهم كانوا قد اشترطوا العدل، ولكنهم أسقطوه لنفس السبب الخ. وكيفما كان الأمر، فقد كان الحسم للقوة، وليس للنسب ولا للعلم ولا للعدل الخ؛ وأكثر من ذلك كانت البيعة تأتي بعد انتصار المطالب بالخلافة. فالبيعة كانت من الناحية العملية نوعا من التسليم بالأمر الواقع. وبعبارة قصيرة كانت نظرية الخلافة عند أهل السنة، في جملتها، محاولات مستمرة لتقنين الأمر الواقع. أما فالإمامة عندهم تكون بالوصاية وتحفها الولاية والعصمة الخ.

والخلاصة أنه لما كان النبي قد ترك الأمر لصحابته ليفصلوا فيه من بعده، فإن ما أقره الصحابة وما صنعه الخلفاء من بعدهم وما قاله الفقهاء في الخلافة، كل ذلك يؤول أمره إلى الاجتهاد. والاجتهاد في مسألة تُرك أمرُها للمسلمين سيختلف حتما باختلاف العصور وتغير الظروف. هذا شيء طبيعي. وبما أنهم كانوا جميعا مسلمين، أو على الأقل يتصرفون بوصفهم كذلك، فإن مسألة علاقة الدولة بالدين لم تكن مطروحة ولا كان يمكن أن تطرح. إنها من المسائل التي لم يكن من الممكن التفكير فيها لأن كل شيء في المجتمع الإسلامي هو “الإسلام”، ما عدا ما حرمه الله بنص من القرآن أو على لسان الرسول عليه السلام. أما وضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية فيقع تحت نفس الأحكام التي قلنا إنها تتطلب سلطة لتنفيذها. وما نريد التأكيد عليه هنا هو أنه ليس هناك نص من القرآن أو السنة يلزم المسلمين بشكل من الحكم معين، ولا وجود لنص ينهاهم عن شكل من الحكم معين! المطلوب الوحيد هو الحكم بالعدل وبما أمر الله، ولكن دون أن يقتضي ذلك قيام نوع معين من الدولة. وهذا ما جعل بعض رجالات الفرق الإسلامية يقولون بإمكانية الاستغناء عن الخليفة مطلقا، وبالتالي عن الدولة، إذا قام كل واحد بما له وما عليه من الناحية الدينية، الشيء الذي تسقط معه الحاجة إلى حاكم.

لكن هل هذا ممكن، خارج “المدينة الفاضلة”!