من الأمراض المتفشية في العمل السياسي والحزبي، منذ أن بدأ هذا العمل يُفصح عن نفسه في شكل مؤسّسي قبل قرنين ونيف، مرض المركزية البيروقراطية. لم تكد مدرسة من مدارس السياسة والحزبية أن تكون خلواً منه،

بما فيها تلك التي نشأت في حضن الديمقراطيات الغربية وربيت فيها! وإن كان استفحال أمرها أعظم في حالة السياسة في البلدان “الاشتراكية” – سابقاً- وبلدان الجنوب، وفي جملتها البلاد العربية، فهذه لم تعرف مؤسساتها السياسية الحزبية من نموذج للتنظيم الداخلي سوى نموذج المركزية البيروقراطية: حيث تحايلت العبارة اللينينية الشهيرة “المركزية البيروقراطية” لتلميع الوجه الكريه لتلك المركزية وترميم سمعتها المشروخة!

والمفارقة الصارخة أن أحزاباً عدة، في بلادنا العربية وخارجها، تحمل أسماؤها عبارة المركزية الديمقراطية “حزب ديمقراطي، أو اشتراكي ديمقراطي، أو ديمقراطي اشتراكي، أو وطني ديمقراطي.. الخ” فيما ليس بينها وبين الديمقراطية أكثر مما بين القطط والفئران من “ود”.

تعني المركزية البيروقراطية، في الثقافة السياسية لدى من يحبذونها، الجمع بين السلطات الحزبية ومصادر القرار داخل الهيئات “القيادية” العليا، بحسبانها الهيئات المفوضة من القواعد بالانتخاب، بإدارة المؤسسة الحزبية، واتخاذ القرارات المناسبة في ضوء النمط الأيديولوجي – السياسي الرسمي، وبما يناسب مقتضيات التحديات الموضوعية التي تواجهها. إن مركزية القرار لا تعني، في هذه الثقافة، احتكاراً له، أو استبداداً به، أو وصاية على الجمهور “الحزبي” بقدر ما تعني الممارسة الطبيعية للسياسة داخل هيئة ينبغي أن يكون عقلها القائد هو مركز إدارة العمل السياسي فيها، لا نزيد شيئاً عن المعروف والمشهور حين نقول إن هذه الثقافة السياسية الكلفة بالمركزية ثقافة دوغمائية، لا تعترف

بحقائق الواقع “السوسيولوجي والسياسي” المتغير بمقدار إيمانها الأعلى بالسلامة الدائمة للنص الفكري الذي يشرع لهذه الرؤية إلى مركزية النصاب القائد، ويشرعنها بالتنظير. كما لا نضيف جديداً حين ننبه إلى أن هذه الثقافة تضمر قدراً غير معقول من التبجيل للقائد، ومن الإيمان بالكاريزما وآثارها السحرية في الواقع، ولم يكن مستغرباً أن تخرج من رحم هذه الثقافة منازع مرضية من قبيل منزع عبادة الشخصية.

في تعبيرها التنظيمي المؤسسي، تشكل المركزية البيروقراطية عقيدة تنظيمية متجمدة في بناء هرمي لا رابط بين نصاباته إلا الرابط “النظري” الايديولوجي، إذ هو – في واقعه ونظام اشتغاله- بناء فوقي متعالٍ ومغلق بحيث لا تخترقه حرارة الجسم التنظيمي السفلي، ولا تصله موجات تيارات ولا ما تمور به تلك التيارات من أفكار ومطالب مشروعة. ليس من وظيفة لقاعدة الهرم غير أن تحمل قمته التي، وحدها، تفكر وتقرر وتدير. قد تكون حاجة المركزية إلى تلك القاعدة موسمية: عند انتخاب الهيئات “القيادية” في المؤتمرات الحزبية، أو لحظة “الاستحقاقات” والمواعيد الانتخابية في المجتمع والدولة، أو عند الحاجة إلى الضغط الجماهيري “إضرابات، تظاهرات، اعتصامات”، أو حين الحاجة إلى إرسال رسائل سياسية من طريق التحشيد في المهرجانات.. الخ. أما ما دون ذلك فلا حاجة بالمركزية إلى القاعدة، فالسياسة تجري في العلن حيث يكب القادة – أو القائد محاطاً بصحابته- على بحث القضايا الكبرى التي لا تبلغُها مدارك مَن هم دون نصابهم مرتبة!

تنتج هذه المركزية ثقافتها السياسية البائسة في جمهورها المكلوم بها: الطاعة العمياء. النقد ممنوع في بيئات أحزاب المركزية البيروقراطية، لأنه انتهاك ﻠ”الإجماع” الحزبي، وتشكيك في خط المؤسسة الأيديولوجي، وفي برنامجها السياسي، الذي أقرته “أعلى” الهيئات (مؤتمر، أو مجلس وطني، أو لجنة مركزية..) ناهيك بأن فيه تطاولاً على مقام القيادة المؤتمنة على قرارات المؤسسة ومواقفها. النقد انحراف عن خط الحزب وتحريفية لا مكان لها في رحاب “الوضوح” الأيديولوجي، ولا حرية لذي رأي في ممارسة ذلك النقد! الحرية الوحيدة المتاحة- والمباحة هي التي تصرف للدفاع عن خط الحزب ومواقفه في مواجهة الخصوم والأعداء. هي الفيصل بين الملتزم و”الانتهازي”، بين الحريص على وحدة الحزب ومن يتوسل النقد سبيلاً لهدمه. الملتزم – في ثقافة أحزاب المركزية- هو من يترفع عن حقه في الرأي فيقبل بما أقرته الأغلبية، بل يقبل أن يدافع عن موقفها بما هو موقفه، لأن وحدة الموقف – عندها- هي الإجماع، والحزب – كالأمة- لا يجمع على ضلال! ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا من اختار أن يخرج من الجماعة.

في ثقافة المركزية بعض الأثر الفقهي حتى في الأحزاب التي لا تنتمي إلى المجتمعات العربية والإسلامية! الأظهر في ذلك الأثر مرجعية النص والإجماع، مع فارق أن الفقه أرحم بأهله حين يأخذ بقاعدة الاجتهاد، وهي تكاد أن تكون غائبة في ثقافة أحزاب المركزية ما خلا اجتهاد “المراجع”: وهم، هنا، القادة الحزبيون الملهمون! ليس في ثقافة الطاعة هذه مكان للفرد، مع أن السياسة اقترنت، منذ ميلادها الحديث، بالفردانية. الفرد معدوم ومدغوم في الجماعة “الحزبية” ولا يتحدد إلا في نطاقها بما هي بنية عليا تذوب فيها عناصرها وذراتها المفردة. ومن الطبيعي أن لا يكون نقدٌ، في بيئة أحزاب المركزية، مادام ليس هناك فردٌ حرٌ. وكم هي دالة – في هذا المعرض – عبارة لينين في وصفه الحزب بما هو “مثقف جماعي”، إذ ليس من مكان للمثقف الفرد في مثل هذه البيئة المختنقة.

لا حاجة، في هذه الثقافة السياسية المتشرنقة على يقينياتها، إلى الاجتهاد في فهم معطيات الاجتماع السياسي لبناء الموقف على نتائج ذلك الاجتهاد، فالعقل الحزبي – المركزي – الفقهي يشتغل في ضوء قاعدة مضمرة، غير موعى بها، هي عينها القاعدة الفقهية في بعض فقهنا “لا اجتهاد في موضع النص”! والنص الحزبي، أو النص المرجعي الذي يستند إلى الحزب، واضح وبين لا لبس فيه أو شوب، ولا يخطئ محجته البيضاء إلا هالك. إنه نص اليقين، بل هو اليقين والحقيقة، الاجتهاد الوحيد المقبول. أو المسموح به، هو في تفسير النص لجعله في مكن مفهوم الناس. إنه لا يعدو أن يكون نقلاً لذخائر النص/ الحقيقة إلى الجمهور، وهذه مهمة لا ينهض بها إلاّ من هو مأذون للقيام بها، والمأذونون أولاء هم قادة المؤسسة الحزبية وألسنتها التبريرية. لنقل، إذن، إنهم من أعضاء هيئة قديمة- جديدة هي “الإكليروس الحزبي”!

لا عجب في أن يكون لأحزاب المركزية البيروقراطية المغلقة حاخاماتها، وكرادلتها، وبطاركتها، وفقهاؤها، ونصوصها المقدسة ومحاكم تفتيشها المنصوبة لكل ذي رأي حر ينتهك رأيه سلطة التفسير الرسمية “الرهبانية” التي تعود إليها وحدها.

بئست الثقافة السياسية تلك التي تنتجها بيئة أحزاب المركزية البيروقراطية المغلقة!

* ابريل 2015