* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الخميس  30  ابريل 2015

لم تقع الحرب، لكن عبد الإله بنكيران تصرف كما لو أن ظروفا لاأمنية تفرض عليه الانسحاب من مؤسسة هي عربون التعايش الديموقراطي.
فلم يترك رئيس الحكومة للرأي العام من مجال للحرية سوى ما بين التندر والسخرية أو الذهول وتوقع الأسوأ.
وتعبير ذلك المباشر هو أٌنه صار من المنطقي أن نتساءل :هل بقي للبرلمان، بعد انسحاب رئيس الحكومة معنى؟
عادة، يطرح المناضلون والمعنيون سؤالا من هذا القبيل، عندما يكون البقاء في البرلمان أو وجوده وجودا خارج الديموقراطية، وفي ظروف التأزيم الكبير أو عندما يكون التواجد فيه هو في حد ذاته إعلان إفلاس تدبير المسلسل السياسي.
فهل حصل كل هذا لكي يغادر رئيس الحكومة البرلمان، ويهرب، أولا إلى الكلام السجالي، ويهرب ثانيا من حلبة النقاش المسؤول؟
كانت الأوضاع عادية تماما، وكان عبد الإله بنكيران يتلو على الناس وعلى البرلمانيين تفاؤله ونجاحه غير المسبوق، وفجأة، بدون تبرير منطقي انزاح خطابه إلى حديث عن السفاهة وكلامها، في معرض الحديث «عنكم»، أي المعارضة.
تم تنبيهه أن الكلام تسفيه للمؤسسة، وأن عليه أن يعيد الحديث إلى جادة البرلمان، فكان أن أمعن في التحدي والاستكبار، معتبرا أنه «محمي بالدستور والقانون وما كايخافش».
وأعقتد أنها الجملة الأساسية – الجملة المفتاح كما يقول اللغويون- التي كان يريد أن يرسلها إلى من يهمه الأمر، بالرغم من أنها، في سياق الدستور، بدهية قائمة الذات ولا تحتاج إلى زوبعة تسفيه من قبيل ما فعله الرئيس، بل تحتاج فقط أن يمارس هذه الحصانة (كاد خطأ في الطبع أن يحولها إلى حصالة !!) الدستورية والقانونية بلغة راقية وسلوك فوق الشبهة.
لم يكن هناك وجود للنزول إلى الأسفل (أو الأسفه بالتحديد) ومع ذلك فإنه نزول إلى جحيم الذهول الذي لا يمكن أن يمر بدون ملاحظات أساسية:

1 – لقد اختار بنكيران، الموعد الذي كان الرأي العام، والطبقة السياسية والمتتبعون، الوطنيون والدوليون ينتظرونه، بعد اللقاءات التي باشرتها الدوائر الاستشارية الملكية مع المعارضين من جهة، ومع الحكومة – أغلبية ورئيسا- من جهة أخرى، لكي يعيد عقرب الساعة إلى النقطة التي سبقت اللقاء. فكلنا نذكر أن سلوك رئيس الحكومة، ليس اللغوي والخطابي، بل السياسي والمؤسساتي، من موقعه الذي قال إن الدستور يحميه، فرض البحث عن أشكال تضمن التعايش تحت سقف تجربة واحدة. وعندما يلغم المسؤول الأول عن الحكومة والعلاقة مع المعارضة الموعد بتصعيد غير مبرر وانسحاب غير مسؤول، فمن حق الذين ما زالوا يملكون ذرة غيرة على الديموقراطية في هذا البلد أن يسألوا،: ك أليست العبرة هي أن المسعي الملكي في توفير مناخ للسلوك الرصين قد باء بالفشل، وأن الرئيس له تأويله لما وقع وأن من حق الرأي العام أن يطلع عليه ليحكم عليه؟
لقد كانت المعارضة، وليس الحكومة، تأخذ دوما بعين الاعتبار- حتى في السنوات الصعبة والشائكة- بالتدخل الملكي، وإن كان ذلك ضمن ظروف خاصة وغير مساعدة على الحديث عن المؤسسات- التدخل الملكي، والنقاشات التي عرفتها الأحزاب الوطنية في عز الصراع القاتل مع المؤسسة الملكية يشهد على ما كان يعني ذلك بالنسبة للسياسيين المناضلين، حتى من ألد أعداء الملك الراحل – ولا يمكن ألا يأخذ رئيس الحكومة بهذا المعطى أو على الأقل يضعه على جدول الأعمال العلني في الممارسة السياسية البرلمانية.

-2 كنا نتابع البث المباشر، ولم نكن نغفل أننا أمام تمرين دستوري جديد (المساءلة الشهرية)، وأنه يجري في ظروف خاصة لعل ميزتها الرئيسية هو الإعداد للانتخابات، والزيارة الملكية في الخارج، والتصعيد في الظروف الزمنية. ومن سوء حظ الدستور أن الذين يحتمي به “من الحوف” هو نفسه الذي لا يعطيه ما يستحق من الوقت لكي تحميه هو أولا كرئيس للحكومة، وإلا ما معنى أن يفشل رئيس الحكومة جلسة هو عريسها الأول؟ اللهم إذا كان “الميساج أقوى من المناسبة نفسها”
ما معنى أن يكون التمرين الدستوري، بعد 3 سنوات، عرضة لمزاج الرئيس، في الوقت الذي يجب أن يقدم المثال في تدبير الانتقادات، والتي لم يكن أحد قد بدأ بها في الجلسة سواه، بحيث يصعب على المتتبع الموضوعي أن يعطيه الحق، وهو الذي باشر الاستفزاز ولم يأته من خارج كلامه هو. ولن يعيب أحد على المعارضة أن هي أوقفته عند النقطة التي أخطأ فيها، فتلك العبارة عبارته، ومهمة المعارضة أن تحرص على سلامة الخطاب السياسي والممارسة معا.

-3 يصعب على المغاربة الذين استمعوا إلى أبو النعيم وهو يصف المعارضين، بالحمير والحشرات القذرة وما إلى ذلك من كلام الزريبات الوحشية، ألا يربطوا بين كلامه وبين هجوم بنكيران على المعارضين أنفسهم في المؤسسات بأقدح النعوت وفي هجوم يرمي التسخينات بكلام سوقي، يصعب ألا يذهبوا بعيدا في كون الكلام من داخل المؤسسات يعتبر صدى لكلام من خارج المؤ«سسات وعلى لسان رجل يبدو أنه ينصت جيدا إلى رغبات الحزب الحاكم!1
يصعب ألا نعطي معنى للسياق الذي تكلم فيه الرئيس، بين تسفيه الشريك الرئيسي في المؤسسة وبين كلام التكفير وبين «تجاوز” المسلك الملكي..(نتمنى ألا يقول بنكيران أننا نقني له !!).

4 – رابعا وبحزن شديد يمكن القول إن الحديث عن «مغرب يتوجه نحو ملكية برلمانية» مع رئاسة بهذا الشكل وتسفيه بهذا الشكل لبرلمان سيكون خيالا سياسيا يبعث على الاكتئاب لا أقل ولا أكثر (انظر الصفحة الطبية من هذا العدد).