الأستاذ عز العرب لحكيم بناني للاتحاد الاشتراكي

 

من هو عزالعرب لحكيم بناني

أستاذ التعليم العالي بشعبة الفلسفة ظهر المهراز فاس. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1988 في مجال الفلسفة التحليلية. حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة المعاصرة من جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس سنة 1996. حاصل على منحة ألكسندر فون هومبولد سنة 1998-1999
أستاذ زائر بجامعة فيينا بالنمسا ، يشارك بصورة منتظمة في الندوات و المحاضرات التي يلقيها بالجامعات الألمانية
ينشر منذ مدة طويلة سلسلة من البحوث الفلسفية في مجال حقوق اٌنسان و فلسفة القانون بالكتب الجماعية (بالألمانية ألمانيا) التي تنشر بالتعاون مع جامعة. كاسل بألمانيا أو نشرت في المغرب، تنسيق محمد المصباحي,
نائب مدير مركز الدراسات الرشدية
عيّن مؤخرا منسقا لكرسي الإيسيسكو عبد الهادي بوطالب للفكر الإسلامي

الأستاذ عز العرب لحكيم بناني، كيف تقيم الفكر المغربي اليوم؟

n إن الفكر المغربي كان منفتحا منذ فجر الاستقلال على محيطه الإقليمي و الدولي. كان يعتبر نفسه امتداداً للمغرب الكبير. و كان التواصل الثقافي منتظما مع المثقفين و الباحثين المنتمين إلى دول المغرب العربي، و الدليل على ذلك هو أنّ المجلة الثقافية أنفاس في طبعتها الفرنسية Souffles كانت تعتبر نفسها مجلة ثقافية للمغرب الكبير و كانت تستقبل مساهمة المبدعين و الباحثين من مختلف دول المغرب الكبير. كما تميزت تلك الحقبة بظهور دوريات فلسفية و ثقافية و اجتماعية مثل مجلة أقلام و مجلة لاماليف (بالفرنسية) على سبيل المثال لا الحصر، و هي مجلات كانت منفتحة على الفكر الفلسفي العالمي و على الدراسات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية. علاوةً على الإبداع الأدبي و الفلسفي، تميز الفكر المغربي منذ الستينات بمساهمة الفنون التشكيلية في تنمية الحس الجمالي، مع براعة الفنانين المغاربة في التوفيق بين الإبداع الفني و خصوصيات الثقافة المغربية. و لكن الفكر المغربي يعرف اليوم تنوعا كبيراً امتدّ إلى مختلف العلوم الإنسانية و الاقتصادية و القانونية التي عرفت ازدهاراً كبيراً في فترة الانتقال الديمقراطي و احتدام النقاش الاجتماعي حول الإصلاحات الدستورية و ضمانات الحقوق الفردية و الجماعية و تخليق الحياة العامة. بذلك، يتميز الفكر المغربي بتعدّد مجالاته المعرفية و الإبداعية، و لكننا لا نلاحظ مع ذلك وجود جسور تربط بين بعض المجالات الفكرية المتباعدة، سعياً إلى خلق تخصصات جديدة تجمع بين التخصص الضيق و الانفتاح على الحقول المجاورة.

  هل يمكن نعت المجتمع المغربي مجتمعا عقلانيا نظرا لاتصال شريحة واسعة مه بالمجتمع الغربي. ام انه رغم كل محاولات التحديث والعقلنة بقي مجتمعا تقليديا مغلقا؟

  إن السؤال يظلّ رهينا بتحديد مفهوم العقلانية. عادة ما نعتبر أنّ السلوك العقلاني هو الذي يتوسل بالأسباب المناسبة لقضاء المصالح الشخصية. فهو يجني أعظم الفوائد بأقل الأضرار الممكنة. و قد نعني بالعقلانية نزوع الذات إلى تفضيل الحجج المقنعة التي تستند إلى معايير مستقلة على الخطاب العاطفي الذي يعتمد الترغيب و الترهيب. يعتمد الخطاب غير العقلاني على مخاطبة المشاعر و العواطف قصد استمالة الأفراد و التأثير على حرية اتخاذ القرار. و إذا ما جاز القول إنّ المجتمع المغربي عاطفي بهذا المعنى الأخير، فإنّ هذا الواقع يصبح ناتجا عن نمط تربية اجتماعية و أسرية للأفراد و الجماعات، لا صلة له بخصائص وراثية افتراضية. ما يعزّز الخطاب العاطفي هو تنامي النعرات العرقية و الدينية و الطائفية عندما يحولها إلى خطاب سياسي يذكي جذوتها و يؤجج أجواء الاحتقان داخل المجتمع. لكنه لا ينبغي علينا أن نطلق حكماً جائراً في حق المغاربة من زاوية نظرية تخصّ أقواماً بذهنية أو بعقلية سحرية أو أسطورية أو دينية، أو من زاوية نظر تعتبر أن العربي يعيش فصاماً بين ما يقوله و بين ما يفعله. نحن نعتبر أنّ الإنسان عقلانيّ عامةً على الأقل من خلال التصور الأول الذي يربط العقلانية بالسلوك العملي الهادف إلى تحقيق المصلحة الذاتية. غير أن العقلانية لا تظهر في السلوك النفعي، بل تضع افتراضات حول مبادئ التواصل و التعايش داخل المجتمع من زوايا تتجاوز السلوك الأناني الفردي و القيم الذاتية و الجماعية التي تسود داخل الفئات الاجتماعية.

  ما مدى حضور الدين في حياة المغاربة؟

إن مختلف المجتمعات تحتكم إلى منظومات قيم توجه العلاقة بين الأفراد. و هي قيم لها مسوغ فلسفي و اجتماعي. من الزاوية الأولى. نجد في كل المجتمعات تمييزا بين ما هو موجود و ما يجب أن يكون devoir être، تمييزاً بين الوجود و الوجوب. ما يجب أن يوجد ليس مقولةً ذاتيةً و لا أخلاقية فقط، بل تضع إلى جانب الوقائع المتحققة كائنات توجه سلوك الناس و تضبط أفعالهم، و بما أنها كائنات تتمتع بطابع معياري، فليس معنى ذلك أنها مجرد افتراضات خيالية. يشير إميل دوركايم إلى أهمية الرابطة الاجتماعية التي تعزز الصلة الوثيقة بين الناس مثل قيم الصداقة و علاقات الجوار بين الناس. و إذا ما ضعفت هذه القيم يصاب المجتمع بالأمراض الاجتماعية مثل التحلل و تفكك العلاقات الأسرية و الاجتماعية أو anomie . غير أنّ معظم هذه القيم تنبني على الضغط الاجتماعي كما يشير إلى ذلك برغسون Bergson في كتابه “منبعا الأخلاق و الدين”. من هذا الجانب السلبي، قد يكتفي الدين بالامتثال للأخلاق المغلقة التي لا تنبني على غير الضغط الاجتماعي. نتجاوز عثرات الدين الساكن في هذه الحالة و ننتقل إلى منظور حيوي للدين كما يقول، عندما نتخلى عن الأخلاق المغلقة و نستبطن القيم الدينية من زاوية القيم الإنسانية التي تكرسها و تدعو إليها من زاوية أخلاق مفتوحة تقوم على مراعاة المصالح و المقاصد الشرعية. و أنا أعتبر من هذه الزاوية أن الدين حاضر بقوة في حياة المغاربة من زاوية الأخلاق المفتوحة. ذلك أنّ المغاربة اعتبروا الإسلام عقيدة و شريعة في ذات الوقت من منظور فقهي مالكي انبثقت منه قوانين عرفية droit coutumier اختلفت باختلاف القبائل. ظلّ الإسلام واحداً بينما تعدّدت الأعراف و العادات المحلية. و هنا وجدنا انسجاماً باهراً بين الحفاظ على المبادئ الكبرى للدين و بين مراعاة أحوال الناس و طرق معاشهم، بحكم التعدّدية العرقية و اللغوية التي يعرفها المغرب. و عليه، فإن مقولة “ما يجب أن يكون” على المستوى الشرعي جمعت بين ضرورة الحفاظ على الأصول الكبرى للدين و مراعاة أفضل الطرق الشرعية لقضاء حوائج الناس أثناء استنباط الأحكام الشرعية. و إذا ما أبرزنا أهمية العرف في تحقيق العدالة و الإنصاف داخل الحياة الاجتماعية (في بعض المناطق التي كانت تعزّز حقوق المرأة من خلال الكدّ و السعاية)، فإننا نبرز حدوده الموضوعية و ابتعاده عن أصول الدين حينما حرم المرأة نهائيا من الميراث في بعض المناطق. نخلص من ذلك إلى أنّ المذهب المالكي سمح ببروز قوانين عرفية أو بقبول العادات التي وجد عليها القبائل. و لا شيء يمنعنا من أن نعتبر تلك الأعراف بمثابة قوانين أو قل عادات وضعية أدّت مهمتها في المجتمعات التقليدية و تم تعويضها بالقوانين الحديثة التي تنطبق على المجتمع بكامله. و هكذا، استطاع الإسلام أن يصبح راسخاً في قلوب المغاربة لأن علماء الدين لم يقوموا باجتثاث و استئصال العادات الحسنة بل قاموا بتأصليها، إلى حدّ اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الدين.

  كيف ظهر التشدّد الديني إذن؟

  إذا ما أدركنا خصوصية المذهب المالكي بالمغرب سندرك بعض الأسباب التي أدّت إلى ظهور التشدّد أو التطرف الديني. ذلك أنّ هذا الوضع ليس جديداً. يشير وائل حلاق في كتبه عن أصول المذاهب الفقهية في الإسلام كيف أنّ كتب “الإبانة عن أصول الديانة”، و منها كتاب ابن بطة الحنبلي، قد ظهرت بقوة في القرن العاشر الميلادي بعد جمع الحديث النبوي. و قد حارب الحنابلة آنذاك الشافعية و المالكية و رفعوا الحديث النبوي و سنة رسول الله إلى المرتبة الثانية في أصول التشريع بعد الحديث النبوي. و شرعوا في نشر كتب صغيرة بين الناس في وجوب اتباع سنة رسول الله من خلال الترغيب و الترهيب و التهديد بعذاب القبر. ظهر التشدّد عندما زال التمييز بين البدعة الحسنة و البدعة السيئة و عندما أصبح الحديث النبوي، صحيحاً كان أو غير صحيح، مبرراً كافياً لمحاربة الأعراف و العادات التي نشأت عليها المجتمعات ذاتها، بدعوى محاربة البدع و التقاليد البالية. و لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل عمد التطرف اليوم إلى نبذ القوانين الوضعية التي تنظم الحياة الاجتماعية. ذلك أن القوانين و الدساتير الحديثة كانت مرحلة أساسية في إعادة صياغة “ما يجب أن يكون” وفق فهم يفكك صلتها بالأعراف التقليدية و يحولها إلى قاعدة قانونية عامة يجب احترامها تحت طائلة العقاب. نستفيد من ذلك أن منظمومة القيم التي تحكم المجتمع قد عرفت تطورا طبيعيا بدءاً من القيم الدينية، مروراً عبر الأعراف المحلية و وصولا إلى القوانين الوضعية. لكن المتشدّد ينفي وجود هذا التطور و يعتبر أنّ العدالة الإلهية إما أن تكون أو ألاّ تكون. و الحال أننا نعيش داخل مجتمعات تطورت قوانينها بصورة متدرجة إلى أن وصلنا إلى مرحلة تطوير القانون الدولي و تعزيز قيم السلم الدولي. غير أنّ التطرف لا ينتبه إلى أهمية هذا التطور الفعلي بإيجابياته و سلبياته و لا يعير أهمية لضرورة تجاوز النظر إلى الدين من زاوية الأحوال الشخصية فقط و إلى أهمية ربط القيم الدينية بضرورة البحث عن السلم الدائم Paix perpétuelle بين الأمم، وفق مصطلح كانط. إننا نسيء إلى الإسلام و المسلمين حينما نفضّ الصلة بين الإسلام و السلام، و حينما نعتبر أنّ السلم الدائم مجرد حلم طوباوي و حينما نثير النعرات الدينية و نسعى إلى تأجيج الأحقاد الدينية، بدل أن ننخرط في الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع الدولي عبر العالم من أجل تعزيز المنظومة الدولية لحقوق الإنسان و تعزيز غاية السلم الدائم.

  من بين النقاشات الساخنة، سياسيا وتشريعيا النقاش حول الإجهاض، ما تقييمك لهذا النقاش؟

  إنّ النقاش الاجتماعي حول الإجهاض عرف ظاهرةً محمودةً تجلت في مشاركة الأطباء و الفاعلين في مجال حقوق الإنسان و علماء الدين. و إنني أعتبر أن التواصل بين هذه الأطراف محمود و هو يخلق ثقافةً جديدةً تنبني على مناقشة الأفكار دون التعرض للأشخاص. و ما دمنا في بداية هذه الثقافة الجديدة، فإن عثرات هذا النقاش العمومي قد ظهرت في غياب المناقشة العقلانية و في التحامل على الأشخاص. و لكنني أظن أن البقاء للأصلح و أتوقع أن يحصل حدّ أدنى من الاتفاق بين الأطراف، لاسيما و أنّ معضلة الإجهاض آفة حقيقية تمسّ النساء اللائي لا يتمتعن بضمانات صحية كافية و حقيقية في عملية الإجهاض. و عليه، أظن أنّ النقاش ينبغي أن يستحضر كلّ هؤلاء النساء ضحيا الإجهاض العشوائي، و حبذا لو تمّ الاستماع إلى شهادات بعض منهنّ لمعرفة هول الظاهرة، و حبذا لو تمّ إشراكهن في فحص الظاهرة. و في الأخير، أنا أخشى أن يقنّن الإجهاض تغيب معه “فعالية” القانون و يتم تعويضه بالعرف. و هنا يظهر الاستعمال السلبي للعرف حينما يستنكف الناس عن تطبيق القانون، و نعتاد بعد ذلك على خطاب مزدوج يجرّم ظاهرة الإجهاض من جهة و يغض الطرف عنها من جهة ثانية. لا نريد أن نعيش ثنائية قانونية بين تحريم الإجاض من جهة و إجازته في الواقع أو من خلال العادات السيئة التي تعوضه. حينما يظل القانون حبرا على ورق يتم تعويضه بعادات جديدة. و لذا، من الواجب إيجاد حلول جذرية لا تترك مجالا لحالة الازدواجية التي نعيشها بين المساطر القانونية و الواقع المشهود. و بصورة عامة، فإن النقاش حول الإجهاض ينطبق على باقي القضايا المتعلقة بالمحرمات، و لا سيما في مسودة مشروع القانون الجنائي. و المعيار هنا برأيي هو ألا نجعل المجال الخاص و الحياة الشخصية هي لبّ القيم الدينية. بل على العكس من ذلك، أعتبر أن المس بالحياة العامة و تهديد السلم الدائم و قيم التعايش بين المجتمعات هي الهاجس الأكبر الذي يينبغي له أن يتفرغ له علماء الدين، لاسيما و أن الإسلام قد بعث للعالمين، من زاوية الحاجة إلى التعارف بين الأمم و القبائل.

  من جانب آخر ما هو انخراط المثقف في النقاش الفكري؟ ام انه الغائب الكبير؟

إن المثقف المغربي قد ساهم منذ الاستقلال في المناقشة الفكرية لقضايا المجتمع من زاوية الالتزام أو الفكر الأممي أو مناصرة العالم الثالث أو الدفاع عن قيم حقوق الإنسان. و لا أعتبر أنّ الجيل المعاصر أقل حماسة من الجيل السابق. لكننا نعيش اليوم أزمة رؤية إلى منظومة القيم و نشعر باليأس أحيانا و بأن صوت المثقف غير مسموع، كما يشعر المثقف أنه لا يؤثر بالفعل على السياسات العمومية في مختلف المجالات. و لكن المشكلة في رأيي هي أن المثقف بحاجة إلى أن يفهم نبض المجتمع و أن يحسن الإصغاء و أن يطلع على الهموم اليومية للمواطن البسيط و أن يطور آليات الحوار. لم يعد المثقف ذلك الفيلسوف- الملك الذي تحدث عنه أفلاطون، بل تحول إلى مواطن يدلي برأيه في المجال العمومي، لكنه يستطيع بعد ذلك أن يدلي بخبرته العلمية العالية في قهم القضايا المطروحة دون أن يتحول إلى الحكم الفصل فيها.