أعود لما أشرت إليه في البداية إلى قولة الزعيم الصيني «ماوتسي تونغ» لوفد الاتحاد الوطني «أن حزبكم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أفضل تنظيم سياسي جدير بالاقتداء في بلدان العالم الثالث»، فمثل هذه القولة الصادرة عن قائد أعظم ثورة لأكبر شعب لم تكن بدون رؤية ولا من غير علم بما لتأسيس تنظيم سياسي مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في بلد كالمغرب من أهمية ودلالة.
لقد عرف ماوتسي تونغ، بواسطة خبراء الصين في علم السياسة أن توجهات الاتحاد الوطني السياسية والاجتماعية والفكرية واعدة بانتقال العمل السياسي من مرحلة التوجه الوطني الإصلاحي، إلى مرحلة المطالبة بالتغيير الجذري للهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد بنى الخبراء الصينيون تفاؤلهم على ما لمسوه من مؤشرات تدعم ذلك، بما فيها أولا: حمولته السياسية والفكرية والاجتماعية ذات النزعة الاشتراكية. وثانيا: عضويته المتكونة من قوات شعبية متمثلة في منظمة نقابية عمالية قوية، وتنظيم طلابي من خيرة الشباب المتنور، ومجموعة واسعة من قدماء رجالات المقاومة وجيش التحرير، على رأس الجميع شخصيات من أبرز قادة الحركة الوطنية المغربية أمثال المهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد رحمهم الله.
إن هذه العضوية وتلك التوجهات هي التي أوحت لماوتسي تونغ بهذا التصريح، وهو تصريح بقدر ما كان مشجعا للوفد الزائر وللمناضلين الذين اطلعوا عليه في جريدة التحرير إذاك، بقدر ما أرعب وأرهب جهات أخرى داخلية وأجنبية، فانبرت على التو متحالفة تتآمر وتكيد من أجل الوقوف في وجه الاتحاد للقضاء عليه أو على الأقل النيل من قوته المتمثلة فيه كحزب، وفي المنظمات المتحالفة معه مثل الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني لطلبة المغرب وجمعية قدماء المقاومين، فكانت البداية إقالة حكومة عبد الله إبراهيم التي كانت محسوبة عليه وكان يؤيد برامجها التحررية، ويزداد رعب تلك الأطراف عندما أفرزت صناديق أولى انتخابات المجالس المحلية فوز مناضلي الاتحاد في كبريات المدن المغربية رغم ما شاب عملية الانتخاب من تزوير وتدخل سافر للسلطات، لاسيما في القرى والبوادي بما مارسته من تهديد ووعيد، وبرغم ما أنفقته الأحزاب الأخرى من أموال، على أن الذي لم تتحمله السلطات والأحزاب الدائرة في فلكها رغم «النتائج الواسعة» التي كانت لصالح مرشحيها في القرى والبوادي، هو فوز الاتحاد برئاسة مجالس المدن الكبرى، كالدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير والقنيطرة بالخصوص، وكذلك الأمر بالنسبة لنتائج الغرف التجارية والصناعية.
كانت هذه النتائج والاتحاد في بداية نشأته وهو مازال بصدد إرساء تنظيماته في كثير من المناطق، فكيف ستكون عندما تمكن من ذلك؟ هذا ما أقلق خصوم الحركة الاتحادية، فانتقلوا من سياسة القمع بما في ذلك التهديد والوعيد والاعتقال ومصادرة الجريدة! وهي سياسة لم تزد نشطاء هذه الحركة إلا تصلبا وصمودا، ولم ينتج عنها إلا ازديادها انتشارا في الأوساط الشعبية ولاسيما العمال وصغار التجار والفلاحين والفئات المتنورة كالطلبة ورجالات التعليم والأطر الواعية في مختلف المرافق والمؤسسات.
لقد اعتمد خصوم الاتحاد في مواجهة انتشاره -تنظيميا وفكريا- على تخطيط يقوم على عدة إجراءات: التخويف والتهديد، والمنع من فتح فروع في بعض الجهات، وحملة اعتقالات خصوصا في أوساط المقاومين وجيش التحرير، ودفع عناصر حزبية إلى الانسحاب أو تجميد أنشطتهم. ولكن أخطر مخطط تم اللجوء إليه لإضعاف قوته هو «التقسيم» عملا بسياسة أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب المارشال ليوطي «فرق تسد».
بدأت إدارة الأمن الوطني تعتقل عناصر اتحادية من رجال قدماء المقاومة وجيش التحرير بدعوى تكوينهم خلايا مسلحة من شأنها أن تهدد الأمن الداخلي، مما اضطر عددا منهم للاختفاء أو لمغادرة البلاد، وكان لهذا الجانب انعكاس على بعض الأعضاء، منهم من جمد نشاطه ومن انسحب نهائيا مثل بعض القادة الذين كانوا محسوبين على الأحزاب التي تشكل منها المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أمثال المرحومين عبد الهادي بوطالب، واحمد بنسودة، وعبد الله الصنهاجي وهو من قدماء قادة المقاومة وجيش التحرير. لقد تباينت الآراء في أسباب انسحاب هؤلاء من الاتحاد الوطني خاصة وأنهم كانوا من اشد المتحمسين لنشأته مثل بوطالب وبنسودة. اتضح ذلك سواء من مداخلاتهما خلال أشغال المؤتمر أو خطبهما في المهرجانات واللقاءات التي كانت تنظم بعد المؤتمر، وكذلك تصريحاتهما وكتاباتهما، وفي عروضهما التي كانا يقدمانها بحضور أعضاء الأجهزة المركزية كاللجنة الإدارية وفي اجتماعات كتاب الأقاليم الذين لايزالوا يتذكرون منهجية بوطالب الشيقة المخاطبة للعقول، واندفاع بنسودة المؤجج للعواطف والذي عرف به حين كان من قادة حزب الشورى والاستقلال المعارض لحكومة الحاج احمد بلافريج، وكانت انتقاداته لاذعة حتى لنظام الحكم إذاك.
لم يخطر ببال العديد من المناضلين الاتحاديين أن يتحول هذان القائدان فعاليتين في خدمة النظام ويضعا خبرتهما وطاقتهما الفكرية رهن إشارة الاتجاه المعاكس لما كانا يتبنيانه من مواقف سواء وهما قائدان في المعارضة الشورية، أو هما بعد ذلك في الكتابة العامة للمعارضة الاتحادية، فبينما كانت انتقادات بنسودة لحزب الاستقلال وللنظام لاذعة، وكان لبوطالب تصور متطور للديموقراطية وللدستور، وهذا ما تبين خاصة في اجتماع كانت مسألة الدستور مدرجة في أشغاله، فقد قام بعرض لم يخرج عن التصور الذي تبناه الاتحاد فيما بعد، والذي على أساسه بنى موقفه من دستور 7 دجنبر 1962. لم يمر إلا شهور عن انسحاب بوطالب وبنسودة من الاتحاد حتى فوجئ الرأي العام بانضمامهما إلى ما أطلق عليه «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية» التي تزعمها المرحوم جديرة، وإذا بهما يتحالفان مع حزب الاستقلال خصمهما التقليدي اللدود، وإذا بهما بالتالي يصطفان في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي كانا من أشد المتحمسين لشعاره «رفض الدساتير الممنوحة»، ليس هذا وحسب، بل ها هو بوطالب يصدر مؤلفا من جزئين بعنوان «الأنظمة السياسية» وثانيهما حول الأنظمة السياسية في العالم الثالث أفرد أحد محاوره للإشادة بدستور كان من قبل يعتبر مقتضياته لا تمت إلى الدساتير الديموقراطية بصلة، وإنما هو دستور مكرس للطغيان والاستبداد.
وسيتدرجان في مراتب خدمة النظام، حيث سيصبح بنسودة مستشارا لجلالة الملك الحسن الثاني وعاملا له في إقليم العيون، وسيرأس بوطالب أحد البرلمانات فمستشارا ملكيا بعد ذلك.
يبقى أن يشار إلى أن بوطالب وبنسودة ليسا إلا اثنين فقط من السياسيين الذين انقلبوا ضد مواقفهم وتصوراتهم، فهناك العديد ممن فعلوا ذلك دون أن يثيروا استغرابا لأنهم كانوا أعضاء عاديين في الهيئات التي انقلبوا على توجهاتها، بينما هذان الشخصان، بوطالب وبنسودة، كانا من أبرز قادة حزب عرف عنه أنه من أول فصائل الحركة الوطنية الذي طرح المسألة الديموقراطية في برنامجه الإصلاحي إبان عهد الحماية، لدرجة إعطائه الأولوية في الترتيب لمسألة الدستور، حيث اختير له اسم «حزب الشورى والاستقلال» وقد أثار انسحابهما من الاتحاد الوطني، ولما يستوف انتماؤهما إليه أقل من عامين، نقاشا وتساؤلات واختلفت بشأن ذلك الآراء، خاصة وأنهما كانا العضوين النافذين في الكتابة العامة وهي مدة كان فيها أغلب أعضائها إما غائبين لأسباب أمنية كالمهدي وعبد الرحمان اليوسفي، وإما لانشغالهم بمجالات أخرى كالمحجوب بن الصديق الذي كان مهتما بالعمل النقابي، بينما كان المعطي بوعبيد منشغلا بمنصبه كرئيس للمجلس البلدي للدار البيضاء، أما الفقيه البصري فيكفي التذكير أنه كان مديرا لجريدة التحرير ليقدر كم من الوقت سيبقى له للعمل الحزبي، والباقي من أعضاء الكتابة العامة إما طبيب كالدكتور بلمختار وعبد اللطيف بنجلون أو محام كالتهامي الوزاني، إذن فلم يكن متفرغا للحزب إلا بوطالب وبنسودة ومحمد حجي العموري الذي كان مداوما في الكتابة العامة تساعده مجموعة من المناضلين المتطوعين للسهر على إدارة شؤون التنظيم والعلاقات القائمة بين الحزب ومختلف الجهات ذات الصلة بأنشطته.
كان لابد من التذكير بهذه المعطيات وما سبقها ?وإن كانت جزئية- إلا أنها في تقديري ونحن بصدد تناول مسيرة الحركة الاتحادية بإيجابياتها وبما اعتورها من أخطاء تسببت في وقوع اختلالات انعكس بعضها سلبا على الجانب التنظيمي، وبعضها على مجال علاقة الاتحاد بجهات حليفة أو متعاطفة، علاوة على تحول نظرة الناس السلبية للعمل الحزبي والنقابي بصفة عامة.
في هذا السياق أرى أنه ليس من الأمانة العلمية ولا مما يضفي مصداقية على مسار حركة سياسية، ولاسيما إن كانت في حجم حزب انبثق من حركة وطنية أصيلة لا يمكن تدوين تاريخ المغرب الحديث وتطور حركته التحريرية دون اعتبارها أساسها وطليعتها، أقول ليس من الأمانة العلمية أن يتم الحديث عنها باعتماد أسلوب الإقصاء، أو التحريف، أو الإنكار، أو المبالغة، فالتاريخ مجموعة أحداث ووقائع وإنجازات وإبداعات وأمجاد وبطولات، وهزائم وانتصارات، وكلها من صنع أبطال وقادة ومبدعين ومفكرين فرادى أو ضمن مجموعات مع تفاوت في درجة الأداء والأدوار…
من هنا فإن أخطر ما يشوب تدوين التاريخ أن يتولاه مدون ذو نزعة إيديولوجية محتكرة للصواب، وينطبق على هذا أن يكون ذا نزعة حزبية ضيقة يضفي الكمال على المرء مادام يشاطره الانتماء، ويجرده من أي حسنة إن وضع حدا لهذا الانتماء بمبرر أو بدون تبرير.. وهذا ما شاع فعلا، فقد عرف العمل الحزبي تغيرا في العلاقات بين أبناء الحركة الوطنية بمن فيهم قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أفضت أحيانا إلى تبادل التهم فيما بينهم، بلغت عند العديد منهم، إنكار الأدوار التي قام بها خصومهم، واستبدلوا عبارة «والسيئات يذهبن الحسنات» بالآية الكريمة «والحسنات يذهبن السيئات» لمجرد اختلاف في الرأي أو في الانتماء الحزبي، وهكذا جرد البعض علال الفاسي من زعامته للحركة الوطنية ولحزب الاستقلال، وأنكر آخرون على المهدي بنبركة دوره المتميز في قيادة هذه الحركة، كما تمت محاولة إنكار انتماء عبد الكريم الخطيب للحركة الوطنية في إطارها الحزبي.. كل ذلك لأن علال الفاسي بقي على رأس حزب الاستقلال والمهدي ضمن قيادة الحركة الاتحادية، والخطيب من مؤسسي الحركة الشعبية، ولم يسلم محمد حسن الوزاني من ذلك عندما انضمت مجموعة من حزب الشورى والاستقلال إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959، إنه «التمذهب الجامد» وإنها «الحزبية العمياء» عندما يتمكنان من الأتباع لدرجة الاعتقاد بأن مذهبهم أو حزبهم هو الوحيد المالك للحقيقة والناهج للصواب، والشعار المتبني هو «إما معنا فأنت على صواب، وإما ضدنا فأنت على خطأ»، الأخطر هو أن يبلغ الخلاف مداه لحد اعتبار المنافس عدوا يجب انتفاؤه أو إسكاته على الأقل».