مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 29 ابريل 2015

 

جاء في الحديث النبوي “إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ..”

…….الرُّوَيْبِضَة تصغير “الرابضة”: وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها

ان قراءة اولية للحديث تجعلنا نقف على فهم عميق “للرويبضة” اي انه  السفيه اي الذي يتكلم في امور العامة ..

كما ان ربط الحديث عن الرويبضة بالسنين الخداعة التي  ستنتحل فيها صفة الصادق من الكاذب و سيُكَذَّبُ الصادق – وسيُؤْتَمَنُ الخائن  ….له اكثر من دلالة وتفسير ..بدءا باسناد الامور الى غير اهلها وانتهاء بالشطط في ادارة الامور والتطاول على الناس …

واذا اطللنا  على  على بعض الشروحات ذاث الصلة بالموضوع  فسنجد ان الطيش وخفة العقل  من صفات السفيه وان المنعوث به يتصف ايضا باضطراب في افكاره وارائه واخلاقه…

ونختار من القران الكريم بعض سياقات ذكر السفيه …

* …من ذلك قوله  تعالى في سورة النساء : “وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ “…والاموال هنا تشمل الخاصة كما تعني  العامة  …

وقد تعني الاية  في فلسفتها  العميقة التنبيه الى مغبة اسناد  ادارة المعاملات والتدبير المادي / المالي المتعلق بالاسر والشعوب والدول ايضا الى حتى  من لايدرك ان كلام المكلف بتسيير محل تجاري او بادارة خدمات خاصة  والمتصف بسلاطة في  اللسان وطيش  في الافكار والحركات والايحاءات مع الناس   لانه  سيفسد  قيمة ماله وتجارته وعلاقاته …كما ان الحاكم الذي يفصل في المنازعات او ينظر في امور الناس وحاجاتهم اويدبر امورهم في كل القطاعات التي ترتبط بها الحياة العامة ان كان جارحا او مستفزا او مستهزئا او قدحيا فسيكسر  الثقة في حدودها الدنيا الواجب توفرها في علاقات الحاكم بالمواطنين والنخب مما يهدد بافراغ المؤسسات من مصداقيتها وتحريف طريقها في اتجاه متاهات لاتفيد الافراد ولا العامة ولا الحاكمين ولاتحقق اية مصلحة …

*…ومنها قوله تعالى  في سورة البقرة :  “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ”- “قال الرّاغب: فهذا من السّفه في الدّين.”-..وهذا رد من الكفار على دعوتهم للايمان بالدين الاسلامي حيث اعتبروا الصحابة سفهاء اي انهم جهال  ومعارفهم محدودة وهذا بطبيعة الحال دفع باطل كله سفه فعلي …الخ

…..ان التحدث في امور العامة مع العامة وممثليهم بل ومع البشرية   الذين اصبح  من مشاغلهم – كشعوب و مؤسسات ودول – متابعة مايحصل ويقال وما يخطط له وطرق التدبير والتواصل المعتمدة .. نظرا لان العالم  اصبح قرية كبيرة تتاثر فيها وتتضرر المصالح المشتركة والتوازنات الضرورية لنهضة دول واستمرار حضارات .. بسبب ظهور مؤشرات وممارسات  تعارف العالم في الادبيات الديموقراطية ووفقا لمنظومة حقوق الانسان المتوافق عليها عالميا على تصنيفها بانها من الانتهاكات والخروقات والاختلالات التي قد تلحق الضرر الخطير بسمعة الوطن وقد تنجم عنها مواقف سياسية يستغلها خصوم الدولة بالخارج لاشك انها ستسيئ وتشوه كل المكتسبات التي بناها الشعب بتضحياته الجسيمة طوال العقود الماضية وستفرغ كل المبادرات التي اقدمت عليها الدولة في المجال الحقوقي والدستوري والبناء الديموقراطي من كل مضامينها  بتحويلها الى مجرد فقاعات ديماغوجية  لن تسر الا الاعداء الذين يكيدون لهذا البلد الحضاري …

..فكيف سنتعامل مع السفاهة اذن …قال الاقدمون ان “السكوت عن السفيه فلاح وأن الرد على السفيه سفه “..وهنا تكمن اشكاليات التفسير والاجابة على السفه من حيث مستواه ودرجته فقال في هذا  ابن الجوزي: (السَّفَه نباح الإنسان)

..وقال الامام الشافعي شعرا لخص فيه رايه وحكمه ..

 
إذا نطق السفيه فلا تجبه** فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فـرّجت عنـــــه** وإن خليته كـمدا يمــــوت
وقال..
يخاطبني السفيه بكل قبح ** فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حــــــلما **كعود زاده الإحراق طيبا
 

 ان السفه تختلف خطورته وانعكاساته السلبية بحسب الصادر منه و مرتبة المنعوث به فان كان رب اسرة فقد يؤدي الى ضياعها ..وان كان مسؤولا في شركة او مؤسسة فقد يؤدي الى افلاسها والاساءة الى كل من فيها.. وان كان  حاكما فالاساءة ستطال الامة  والدولة …

ولهذا ضرب الشعبيون مثلا منذ القدم فقالوا للدلالة على استيعابهم لكل مظاهر السفه المرتبطة بامور الناس عامة ”  الفقيه اللي نتسناوا براكتو دخل للجامع ببلغتو “

وقال سيدي عبد الرحمن المجدوب

لا تسرج حتى تلجم واعقد عقدة صحيحة

لا تتكلم حتى تخمم لا تعود لك بفضيجة

ونختم بقولة للامام علي رضي الله عنه ” تكلموا تعرفوا،فإن المرء مخبوء تحت لسانه”