بعد البرلمان، ستصبح الشوارع فارغة بدورها، ولن يستطيع المغاربة أن يتابعوا، ولو من على الرصيف أو الكراسي في مقاهي الشوارع التي يمر بالقرب منها «الدِيفِيلِي».
ليس المجال فرصة للتندر أو الفكاهة من باب التساؤل مثل:أليس من البحث عن جدوى البدائل أن يدخل الديفيلي إلى البرلمان ويخرج البرلمانيون إلى الشارع، لاسيما وأن الفترة انتخابية من امتيازها..فعندما سيخرج العمال في العالم كله، سيكون الفراغ سيدا، في البلدان التي يمنع فيها التظاهر أو التي يحكمها القمع العسكري أو التي .. فرض عليها رئيس الحكومة ألا تخرج إلى مظاهرات لا تبدو لها جدوى..
وسؤال الجدوى هو نفسه الذي يطرحه الفراغ في البرلمان اليوم وغدا ..
هناك لحظة انزعاج سياسي واجتماعي قصوى لا يمكنها أن تمر بدون موقف، لا يمكنها كذلك أن تعني الفراغ وحده، فراغ حصري لا يتمدد ولا انعكاس له! في دولة يخشى فيها الجميع الفراغ لأنه ضد طبيعة السياسة والمجتمع والتدبير المشترك للسياسة.. وأن كلفته في الخمسين سنة التي مضت كانت غالية وغالية كثيرا، باهظة الثمن السياسي بسبب «النزعة المغامراتية أو احتقار التربية الديموقراطية..
كان يمكن للحكومة والسيد بنكيران أن يقنعا الناس بأن المعارضة البرلمانية، وحدها تبحث له عن القمل في الرأس وبين شعره الأشيب، كما يردد فولتير في لغته الفرنسية.
لأنها، تحلم بالحكم والحكومة، أو لأنها لا تحبه باسم الحقد الإيديولوجي، لكنه سيصعب عليه الحديث الآن عن مفكرة للحقد الطبقي إزاءه، باسم نقابات تبحث عن الحكم أو تتفق، هي التى قضى بعضها عدوا لبعض عشرات العقود، على وضعه في إحراج العاجز.
وبعدهما يمكن أن نعدد للرئيس الفراغات التي يخلقها الآن في قلب الدولة، من خلال البرلمان وفي قلب الأوساط الاجتماعية من خلال النقابات..
ونتذكر الفراغ في تدبير الحوارات السياسية والقطاعية حول الأجندة الإصلاحية، والفراغ الذي تخلقه المبادرات الانفرادية في القوانين الانتخابية وفي إصلاح القضاء وشؤون المحامين … الخ الخ.
الفراغ الدستوري، لا يعني سوى أن الشخصية الدستورية وحيدة وفي عزلة.. والمفارقة هي أن الرئيس الذي يبدو وحيدا، هو الذي «ملأه »الدستور بصلاحيات كبيرة حتى رشحت عنه.. ولم يحفظ منها إلا ما يزيد من الفراغ حوله.
والمطلوب هو أن يكون البناء اليوم في مستوى الإرادة المعبر عنها جماعيا في توسيع دائرة القرار
عندما ضرب الرئيس رأسه مع المؤسسات /أو الخصوم وسمع الضجيج في الأوساط المدنية والسياسية والعمالية، فذلك لا يعني بأن الآخرين هم الفارغون..!!
يمكن لرئيس الحكومة وأنصاره أن يطمئنوا أنفسهم بأن البناية البرلمانية، تعطي شكلا للفراغ، وهو شكل محدود في المكان وفي الامتداد، لكن ماذا عن الفراغ في الشارع، عندما يخرج عن الشكل وعن المضمون؟
لقد ألفنا الجأر بالشكوى كأسلوب سياسي في الرد على انتقادات هي من صميم الشراسة السياسية المعترف بها للخصم وللشريك على حد سواء، ولكن ذلك بلغ درجة لم تعد محتملة.
ويمكن أن نفسر هذا الإحساس الدائم الذي عبر عنه زعيمان على الأقل من بين زعماء الأغلبية من سقوط قريب أو محدد له للحكومة، بأنه هو وليد الفراغ.
فعندما تكون في الأعلى ويكون الفراغ كبيرا من حولك ، فلا شك أن الشعور أو الإحساس بالسقوط أو الدوخة، أمر وارد إن لم يكن منطقيا..
للشاعر محمد بنيس ديوان شعر، توفق فيه شاعر المغرب يقول «هبة الفراغ ، وإذ نستلهمه هنا فلكي نقول بأن الحكومة مطالبة بأن تعفي نفسها من شعورها بأنها هبة الفراغ، وهو ذاك الذي لم ننتبه له عندما كان بنكيران يردد بأنه لا بديل له، وأن ما حوله إلا الفراغ وأنه سيعود وهو مسرنم (يمشي نائما يعني) إلى الحكومة وإلى الأغلبية..!

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الجمعة 1 ماي 2015