لم أكن أعرف وأنا أقرأ كتابا، ذات ليلة من ليالي غشت الدافئة بأن نصا من نصوصه سيستقر في عقلي الباطني، النص قصير جدا، الكتاب ضخم وكبير جدا، كتاب قرأه آلاف الآلاف من المسلمين والمؤمنين، بل حتى الكفرة، وحتما كثيرا أو بعضا منهم أحبوه.
الكتاب هو “الفتوحات المكية” لصاحبه محيي الدين ابن العربي، أما النص فهو عبارة عن رواية على لسان ابن العربي، لمقابلة ومحاجة مع ابن رشد، وقد لا يجانب الصواب المرء إن هو قال، بل هي محكمة أقامها ابن العربي للعقل.
هذا النص هو مواجهة العرفان للبرهان كما يريدها صاحبه. من جهة ابن العربي، شيخ من أرباب الحال، صاحب كل المقامات، في حضرته ينتفي المحال، قطبا كاملا، خاتما، متمكنا من العلم اللدني، إنه كما يسميه ويلقبه أصحابه العارفين: الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر.
أما الثاني، في حقيقة الأمر، هو العقل، في شخص أبو الوليد ابن رشد، الفيلسوف المتمكن من آلة المنطق والقياس.
الكتاب هو “الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية”.
الطبعة التي بين أيدينا تتكون من أربعة أجزاء، وهو من إعداد مكتب التحقيق بدار إحياء التراث الإسلامي-بيروت- لبنان.
الجزء الأول، حيث يوجد النص، موضوع هذه المقالة أو البحث، يتكون من 920 صفحة من الحجم الكبير وبحروف صغيرة، ولهذا نعتنا النص بالقصير جدا.
الكتاب له أربع مخطوطات: اثنان من تأليف وبخط ابن العربي نفسه: المخطوطة الأولى، خطها سنة 629هـ والثانية نقلا عن الأولى سنة 636هـ. أما الثالثة والرابعة فهما من نسخ با يزيد، أحد أتباعه، الثالثة نسخها، قبل وفاة ابن العربي، أما الرابعة فبعد وفاته وبالضبط سنة 683هـ.
ولد ابن العربي، في مورسية سنة 560هـ وتوفي سنة 638هـ عن عمر 78 سنة، أي بعد سنتين من كتابته ونسخه للمخطوطة الثانية وسبعة سنين من كتابته للفتوحات المكية في أول نسخة.
إذن، كان سن، ابن العربي، عند كتابته للنسخة الأصلية الأولى 69 سنة.
بقي، أن نوضح، قبل تحليلنا للنص، مسألة ذات أهمية بخصوص طبيعة الكتاب.
الكتاب، وأعني “الفتوحات المكية”، لا مثيل ولا نظير له، في ظاهره كتاب تصوف بلبوسات دينية، لكن حقيقته وباطنه شيء آخر.
قال حاجي خليفة في “كشف الظنون”: “وقال في الباب الثامن والأربعين: وأعلم أن ترتيب أبواب ال
فتوحات لم يكن عن اختيار ولا عن نظر فكري، وإنما الحق تعالى يملي لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره، وقد نذكر كلاما بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده، وذلك شبيه بقوله سبحانه وتعالى “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى” بين آيات طلاق ونكاح وعدة ووفاة”.
إذن نحن أمام كتاب، لا مثيل له، وإن كان صاحبه يشبهه بطريقة فجة ووقحة بالقرآن… الحق تعالى يملي لنا… لسان ملك… وذلك شبيه بقوله تعالى….إلخ.
النص:
“ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد ابن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي فكان يظهر التعجب مما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي، فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما فعانقني وقال لي: نعم، قلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له لا، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ وقلت له:نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها، فاصفر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه وهو عين هذه المسألة التي ذكرها هذا القطب الإمام أعني مداوي الكلوم، وطلب بعد ذلك من أبي الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي، فشكر الله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة وقال: هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا، فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أرباب الفاتحين مغالق أبوابها، والحمد لله الذي خصني برؤيته، ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه الله في الواقعة في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه منه لا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني،فقلت: إنه غير مراد لمانحن عليه فما اجتمعت به حتى درج وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش ونقل إلى قرطبة وبها قبره.
ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسين محمد بن جبير كاتب السيد أبي السعيد وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه هذا الإمام وهذه أعماله يعني تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت لأفض فوك، فقيدتها عندي موعظة وتذكرة، رحم الله جميعهم، وما بقي من تلك الجماعة غيري، وقلنا في ذلك:
هذا الإمام وهذه أعماله
يا ليت شعري هل أتت آماله”
النص، يتكلم فيه ابن العربي على لقاء مع ابن رشد، ثم رؤية ابن العربي وأخيرا حضور ابن العربي لأحداث دفن جثمان ابن رشد.
أحداث هذا النص، لا يشهد لها أي شخص آخر، فالمصدر الوحيد هو ابن العربي ولا أحد غيره يؤكد ما جاء في هذا النص: لا مؤرخ ولا مفكر ولا محدث، فالنص له مصدر واحد ووحيد.
“ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبو الوليد ابن رشد…” الزمن غير محدد، لا يذكر شيء عن تاريخ اللقاء، اليوم، الشهر، السنة، وبما أنه ذكر المكان:قرطبة والوظيفة قاضي قرطبة: إذن اللقاء حصل حسب زعم ابن العربي أيام كان أبو الوليد ابن رشد قاضي قرطبة أي بعد سنة 576ه ذلك أنه معلوم , بأن ابن رشد غادر قرطبة الى اشبيلية سنة 550ه حيث إلتحق بالأمير أبو يعقوب يوسف بعدما ولاه والده على اشبيلية سنة 548ه هذا الأمير هو الذي ولى قضاء اشبيلية لأول مرة كما كلفه بتلخيص كتب أرسطو , كما عينه طبيبا له إلى جانب ابن الطفيل و ولاه, حين صار خليفة قضاء اشبيلية للمرة الثانية سنة 565ه ثم قضاء قرطبة سنة 576ه . وهنا نسجل تناقض واضح وبيّن بين ما جاء في نص ابن العربي و ما يزودنا به المؤرخون والكتاب في مختلف ميادين العلم و المعرفة . لأن سن ابن العربي من المفروض أن يكون أكثر بالضرورة من 16 سنة …. لم يكن قد طرّ شاربه؟؟
“وكان يرغب في لقائي…” إذن اللقاء بطلب من ابن رشد وليس ابن العربي: طبعا ابن العربي زاهد في الدنيا فلا يهتم بشيء منها، كان أبو الوليد أو غيره… إنه منطق العظماء أصحاب الأنا المضخمة والمنتفخة… هو الذي أراد لقائي وهذا ما يريد ابن العربي قوله: لست أنا… أنا اكبر بكثير من هذا أو ذاك…
“لما سمع وبلغه ما فتح لله به علي في خلوتي”
بلغ وانتهى لعلم ابن رشد ما فتح الله به على ابن العربي في خلوته، طبعا ابن رشد كان يعيش وسط مجتمع وهذا يفترض أن على الأقل جزء من المجتمع سمع وبلغه وانتهى إلى علمه هذا الفتح المبين. لكن لا يوجد على الإطلاق أي شخص من أهل الأندلس أو قرطبة تحدث أو ذكر أو كتب أو أشار أو لمح لهذا الحدث الكبير واللا معهود والغير عادي… لا أحد على الإطلاق… لا يوجد أي نص في أي كتاب يؤكد هذا الفتح والكشف.
“فكان يظهر التعجب مما سمع…”
شيء طبيعي جدا، لأن ابن رشد من أصحاب العقل، فهو لا يصدق إلا بالبرهان… أو كما كان يقول ما يقتضيه العقل… أما هذه الترهات فلا، بل أعتقد أن ابن رشد كان ينفي نفيا قاطعا وليس فقط يظهر التعجب.
“فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي…”
ابن العربي هنا، يؤكد أن أبوه كذب واحتال عليه… فابن العربي فهم هذا، أي أنه يفهم ألاعيب المحتالين والدجالين والكذابين.
“…… وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي…”
ابن العربي يؤكد بأن اللقاء حصل وهو شاب سنهما بين 10 إلى 15 أو 16 سنة على أكثر تقدير لأنه لم يكن له لا شعر في وجهه ولا شارب، أي في مرحلة ما بين الطفولة وبداية الشباب إن شئنا الدقة.
“….فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما فعانقني…” عندما دخل ابن العربي على ابن رشد، يقول لنا بأن أبو الوليد قام له محبة، فهذا حسن خلق يشهد به ابن العربي لأبي الوليد، لأنه كان يراه ويعرفه نوع من المعرفة، إنه صديق والده، فحتما كانت هناك زيارات متبادلة بين الصديق وصديقه. ويزيد ابن العربي محبة وإعظاما وهنا إنه ابن العربي يعظم نفسه… لأنه لا شيء يجعل قاضي قرطبة يعظم غلاما… ما هو السبب؟ الكشف؟…
“… وقال لي: نعم، قلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له لا، فانقبض وغير لونه وشك فيما عنده وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلاهي هل هو ما أعطاه لنا النظر؟… فقلت له نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها…” هذا الجزء من النص هو أحد أهم أجزائه، مهم لأنه كاشف وفاضح.
ابن رشد يطلب من غلام أن يقوم بنوع من المقارنة لما يعطيه النظر أي التأمل الفلسفي العقلي وما “يجده” أصحاب الكشف… هل هذا معقول؟ متى وكيف درس وتمكن هذا الشاب من علوم الحكمة حتى يكون مؤهلا للقيام بالمقارنة؟ كيف هذا؟ ابن شد هذا الذي يتكلم عليه ابن العربي هو أغبى شخص في الأندلس كلها وليس فقط قرطبة، ابن العربي الذي لا يفقه شيئا في ضروب وعلوم الحكمة، يطلب منه ابن رشد هذا الطلب؟؟
غلام لم يطر بعد شاربه يطلب منه ابن رشد أن يقوم بمقارنة تقتضي التمكن والفهم الجيد لعلوم القدماء…الأندلس شبه خالية من فلاسفة متمكنين يوم إذن ….. والدليل هو سؤال الخليفة لابن طفيل لو وجدت شخصا لرفع عبارات القلق والغموض، فيأتيه بابن رشد.. ويمتحنه الخليفة بسؤال واحد: ماذا يقول القدماء في سماء؟
المتمكنين من الحكمة وقتها قليلون… ابن العربي، الغلام الذي لم يبقل بعد وجهه يطلب منه أبو الوليد سؤال كهذا؟ هذا الجزء فاضح لأبن العربي.
هل المتكلم في هذا النص هو ابن العربي الغلام، الذي كان في الأندلس أم الشيخ الذي كان يخط كتاب الفتوحات المكية وعمره 69 عاما؟ لو كان اللقاء الافتراضي الذي جاءنا به ابن العربي وقع بعدما حصل ابن العربي لقب الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، أي الدارس للفلسفة والمدعي بالكشف، لكان سؤال أبو الوليد منطقي.
“….. فقلت له لا، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده….”
ابن العربي، الشيخ صاحب 69 سنة، يريد من أبو الوليد، الميت منذ سنين عددا أن يشك فيما عنده…. صاحب عرفان يريد ويتمنى أن يشك أصحاب البرهان فيما عندهم…إنها نصرة عرفاني لمذهبه. هذا، هو المراد ورجاء والمكنون في نفس صاحب الكلام…
“….فقلت له: نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها…..” التهديد، تهديد الضعفاء، الذي فُرض على الباحثين والمحبين للحكمة أو الصنعة… تهديد كان الجهلة تارة يضعونه على أعناق العقلانيين وتارة ينفذونه باسم الدين.
“….فاصفر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه وهو عين هذه المسألةالتي ذكرها هذا القطب الإمام، أعني مداوي الكلوم….” إذن أبو الوليد خاف وجبن ورعدد… وضاع كل شيء بين يديه….كل علمه راح…لأنه ليس بعلم الحقيقة, لكنه في المقابل فهم, فهو صاحب فهم… له هذه الملكة… ملكة الفهم…. المسألة التي فهمها عنه أبو الوليد هي بالضبط ما ذكره القطب الإمام مداوي الكلوم.
إن دارس تراث وفكر ابن العربي، يعلم بأن هذا القطب مداوي الكلوم هو نسخة للخضر عليه السلام المذكور في القرآن، صاحب النبي موسى عليه السلام…. لكنه خضر ابن العربي… بل هو يعني الخضر عليه السلام المذكور في القرآن.
ولتسليط مزيد من الضوء على هذا القطب، يقول ابن العربي دائما في كتابه الفتوحات المكية: “….وأما ما يقوم به ملكهم يقال له مداوي الكلوم فانتشر عنه فيهم من العلم والحكم والأسرار ما لا يحصرها كتاب، وأول سر أطلع عليه الدهر الأول الذي عنه تكونت الدهور، وأول فعل أعطى فعل ما تقتضيه روحانية السماء السابعة سماء كيوان، فكان يصير الحديد فضة بالتدبير والصنعة ويصير الحديد ذهبا بالخاصية وهو سر عجيب…” وطبعا، هذه لغة الخميائيين القدماء أي الدجالين وليس هناك لا سر ولا شيء، بل هو كاذب كذاب… ليس إلا.
وعود إلى السياق
“…..وطلب بعد ذلك من أبي الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي،……” هنا ابن العربي، الشيخ طبعا، صاحب 69 سنة والذي حَصّل ما حَصّل من علوم العقل، يصف ابن رشد بأنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي، أي عملاق من عمالقة النظر العقلي، وطبعا ابن رشد ليس في حاجة إلى شهادة واحد مثل ابن العربي، بل شهد له معاصروه والذين جاءوا من بعده.
لكن الغريب أن يعرض ابن رشد العملاق ما عنده على غلام لم يطر شاربه بعد، غلام سيقرر هل يوافق ما عند ابن رشد لما عنده أو لا– كيف؟ إذا كان هذا الشخص فارغ الجبة وخاوي الوفاض في علوم الحكمة والعقل… هنا.. الشيخ وليس الغلام هو الذي يتكلم، شيخ عمره 69 سنة. والذييرمي إليه ابن العربي هو مقارنة نظرة ابن رشد، التي كان دائما يلخصها بقولته الشهيرة والمعروفة: “الحق لا يضاد الحق، بل يقره ويشهد له” مع نظريته في وحدة الوجود.
أجزم بأن الذي كان يتكلم هو الشيخ وليس الغلام، وبأن هذا اللقاء ما حصل قط، بل هو افتراضي خالص.
وابن العربي، لا يقيد المكان أو الزمان، هو القطب والغوت الأكبر يحل و يرحل دون أية قيود زمانية أو مكانية، هذه القيود هي للعامة، للدهماء، لنا نحن البشر الطبيعيون، وليس له، المؤيد بالفتح والكشف… الذي رأى ما رأى…
“……..فشكرا لله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة….” هنا، ابن العربي، يُقوّل ابن رشد…. أبو الوليد يحمد الله على ماذا؟ على شخص جاهل بالكلية: من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة…. طيب وقع لك يا ابن العربي، كشف وإطلاع على العلم اللدني، لكن أنى لك أن تستوعب العلم الدنيوي؟ العلم الفاني فهو يشترط الدرس والقراءة والتحصيل والتعلم….إلخ.
ابن العربي يقول بعظم لسانه بواسطة مداد وحبر قلمه، بأنه دخل الخلوة جاهلا، طبعا لا يمكن أن يخرج إلا جاهلا فيما يتعلق بالعلم الدنيوي، علم الرجال، العلم الفاني كما يقولون…………العلم الذي يأخذه ميت عن ميت…… ولم نسمع مرة واحدة، بأن أحدا دخل خلوة جاهلا وخرج عالما في هذه العلوم… لا أحد… في جميع الثقافات… بل يقولون أن الرجل يدخل خلوة جاهلا ويخرج عالما في العلم اللدني.
لقد اختلطت الأمور على ابن العربي، لأنه حين كتابة الفتوحات المكية، كان شيخا كبيرا، يرى نفسه بأنه عالما في كل العلوم الدنيوية واللدنية، ولهذا حينما أجرى اللقاء الافتراضي أو اللقاء المكذوب لم يلتفت لهذا… بل هو وضع نفسه وأعطاها صلاحية المقارنة والحكم… وكأنه قاضي….
“…..وقال: هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا، فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين مغالق أبوابها، والحمد لله الذي خصني برؤيته…” ابن رشد لم يثبت أبدا هذه الحالة وإلا ما كان من أصحاب البرهان، ولكان قد اتخذ إلى ربه سبيلا عن طريق العرفان، كما أن تواليف ابن رشد جلها معروف ولا يقر أبدا في أي منها بهكذا طرق لكسب وإنتاج المعرفة، و أهمها الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة و أيضا فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال وكذلك تهافت التهافت، هو يقر بالوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة جبريل، ولا يقر أبدا لأي كان سواء ابن العربي أو غيره بتعطيل الناموس.
كتب ابن رشد خالية تماما من أي إقرار أو اعتراف بطرق أصحاب الخلوات… والخرقات. المثير هو الإطناب إلى حد أن ابن رشد يحمد الله الذي خصه برؤية ابن العربي، لكنه لم يكتب ولم يدون ولم يناقش هذا في أي من تواليفه… غريب وشاد. إنه ابن العربي الذي يتمنى ويحلم، ابن العربي، الذي ملأت أناه كل أرجاء الكون… ابن العربي المريض (من أربابها الفاتحين مغالق أبوابها)… أعوذ بالله من صاحب المفاتيح الدجال هذا…
“…….ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه الله في الواقعة في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني…” هنا كان ابن العربي، أكثر واقعية في دجله وكذبه، لماذا؟ بما أن الأمر يتعلق بافتراض، فما هو الداعي للسفر إلى قرطبة كما فعل في اللقاء الذي ناقشناه؟ أراد الاجتماع به مرة ثانية فأقيم له… إنه ابن العربي… مالك المفاتيح الكونية… لنطوي ولتطوى له الأرض طيا… وفي لمح البصر يحضر أمامه ابن رشد… كما حصل مع رسول الله صل الله عليه وسلم في الحديث الذي رأى فيه المسجد الأقصى… أما الصورة التي يعطيها لنا ابن العربي في هذا المقطع فهو باختصار شديد ما يعرف بحجب النفس عند الصوفية بجميع أصنافهم، بما فيهم أصحاب وحدة الوجود. ابن رشد محجوب على نفسه… أي ما يعادل العلج الكافر مقابل المؤمن، المحجوب عن نفسه هو ضد صاحب الفتح والكشف….
“…… فقلت: إنه غير مراد لما نحن عليه….”
هنا، شهادة صحيحة، وكلام ابن العربي حقيقي، إنه يفصح عن الحقيقة التي تقرها وتثبتها كل النصوص والموروث المكتوب الذي وصلنا، سواء عن طريق فلاسفة أو فقهاء أو غيرهم. أبو الوليد ابن رشد، في كتابه “فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” كان واضحا، فمعتقد ابن رشد الفيلسوف والفقيه يختلف كليا عن نظرية وحدة الوجود الذي أصبح يؤمن بها ابن العربي بعدما كبر وتعلم وتمدرس وقرأ…إلخ.
“……….فيما اجتمعت به حتى درج وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش ونقل إلى قرطبة وبها قبره…..” هذا الجزء من النص، يجعلنا نحمد الله، بأنه لم يلتق به مرة أخرى ولو من باب الافتراض، ولو في خاطر ابن العربي.
“……. ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسين محمد بن جبير كاتب السيد أبي السعيد وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا قال ألا تنظرون إلى من يعادل تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم…… فقيدتها عندي موعظة وتذكرة، رحم الله جميعهم، وما بقي من تلك الجماعة غيري، وقلنا في ذلك: هذا الإمام وهذه أعماله
يا ليت شعري هل أتت آماله”
هذا الخبر، لا نجده في أي عمل أو كتاب أو إخبار لابن جبير أو أبو الحكم بن السراج ولا لأي شخص آخر من أهل الأندلس أو قرطبة على وجه التحديد والتدقيق ممن حضروا دفن ابن رشد. وهذا شيء غريب جدا لأن ابن رشد من أعلام قرطبة، وحدث كهذا غالبا ما يحضره شخصيات مهمة ومرموقة في المجتمع.
التواليف، هي الكتب والأعمال والمخطوطات، تنقل على الدابة مع الجثمان لكي تدفن هي الأخرى، خبر شاد وغريب. لا نعرف عند الإنسانية قاطبة، أي شعب أو عرق أو قبيلة أو فرقة أو نحلة يدفنون كتب وأعمال الشخص معه. أجزم بأنها رمزية ابن العربي، والمراد هو دفن فكر ابن رشد، دفن وقبر هذا الفكر الذي يقض مضاجع أمثال ابن العربي، قبر ودفن العقل والانتهاء منه. لسنا في حاجة لكل هذا، فنحن ندخل الخلوة ونخرج منها مرموقين وأصحاب كشف وعرفان ومن المقربين هذا هو الأسلوب المقبول لإنتاج المعرفة.أما ابن رشد ومدرسة العقل فهؤلاء مارقون عن الملة والدين وما نريده لمجتمعنا.
على مستوى الرمز، العرفان يدفن ويقبر البرهان هذا ما يقصده ابن العربي.
لكن المضحك، هو أن العقل لا يسمح له بذلك، فمن جهة يقول ويؤمن ابن العربي بأن المعرفة الحقيقية الربانية لا تحتاج إلى قراءة أو مطالعة أو تعليم من الكتب، ومن جهة أخرى، يقول ابن العربي بأن ما وقع في دفن ابن رشد كان موعظة وتذكرة قيدها وحفظها والسؤال لماذا كتب ابن العربي مجموعة من التواليف كما يحلو له أن يسميها و من بينها الفتوحات المكية؟
أجزم بأن الأحداث التي رواها ابن العربي في هذا النص لم تقع، بل هي من نسج خياله المريض، كتبها وهو شيخ في 69 من عمره، وبأنه كذاب، كان يحسد ابن رشد على علمه ومنهاجه العقلاني فهو بالنسبة إليه إمام، هذا الوصف في مطلع البيت الذي نظمه ابن العربي.
نقول في الختام: سلام للعقلاء ورحمة الله عليك يا أبا الوليد ابن رشد أما أصحاب وحدة الوجود الذين انتقلوا ب “هو” من المفرد إلى المتعدد بعدما انتقل به أصحاب الحلول و الإتحاد من المفرد إلى المثنى فسنفصل فكرهم في مقالة أخرى بإذن الله.

* معروف البكاي / وجدة

    الاثنين 4 ماي 2015