لا يمكن للمرء وهو يستمع إلى تدخل رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، في «منتدى الجزيرة»، بالدوحة، إلا أن يندهش للمنطق الذي استعمله، حيث اعتبر الأمطار التي تهاطلت على المغرب، هبة من الله، عز وجل، إلى حزب العدالة والتنمية، مما أثار ابتسامات سخرية من الحاضرين. هذا المنتدى يشارك فيه عدد من السياسيين والمفكرين والصحافيين، من مختلف بلدان العالم، وهو ما نسيه المتحدث، حيث غلب الطبع على التطبع، واعتقد أنه يمكن أن يمرر هذه الخطابات، في مثل هذا المحفل، كما يفعل أمام أنصاره.
فبالإضافة إلى هذه الصورة التي يقدمها رئيس الحكومة المغربية، أمام نخبة متنوعة من النخب الدولية، فإنها تسيء إلى حكومته التي ستجد وزارة الفلاحة، إن هي صدقت كلامه، مضطرة للتخلي عن الدراسات والتوقعات العلمية في مجال المناخ والبيئة، وتنتظر أمطار العدالة والتنمية.
ومن المعلوم أن هناك دراسة جيدة كانت هذه الوزارة قد أنجزتها، سنة 1997، أثبتت أن المغرب عرف فترات جفاف، بشكل دوري، انطلاقا من ظواهر مناخية تتكرر باستمرار. وسبق هذه الدراسة ما قام به الباحث المناخي، ستوكتون، ومجموعته، فقد اشتغلوا على ظاهرة الجفاف بالمغرب، انطلاقا من تحليل تطور حلقات الأشجار بالأطلس الكبير والمتوسط، شملت عشرة قرون، وتوصلوا إلى خلاصة علمية مفادها أن الجفاف الشامل بالمغرب، يخضع لدورية عشرين سنة، وأن فترة الجفاف التي تدوم ست سنوات، تظهر مرة كل 445 سنة.
كما أن الباحثين روزينبيرجي و التريكي، نشرا دراسة هامة، في مجلة هسبريس تامودا، وبعد ذلك صدرت في كتاب موجود في الأكشاك، حول المجاعات والأوبئة في المغرب خلال القرنين السادس والسابع عشر، وتأثيراتها على الوضع الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي، وكل ما ترتب عنه على المستوى السياسي من تغيرات كبيرة.
وقد تمكن الأستاذ الباحث في الجغرافيا والعلوم الإنسانية، محمد الناصري، من إنجاز دراسة تركيبية لهذه الأبحاث، ربطت بين دورية المجاعات والأوبئة والتحولات السياسية الكبرى، وبين بحث ستوكتون، بخصوص دورية فترات الجفاف، وأثبت أن الدورتين تتطابقان إلى حد كبير، في تاريخ المغرب.
حسب رئيس الحكومة المغربية، لابد أن نرمي مثل هذه الدراسات العلمية في سلة المهملات، ونغلق كل الكليات والمعاهد والمراكز، التي تشتغل في ميادين المناخ والبيئة، ونتضرع لتنزل بركة العدالة والتنمية. لكن إذا اتبعنا العقلانية، فإننا لابد أن نعتبر البحث العلمي في المناخ و البيئة، حاسم في مستقبل بلادنا، و يبقى الكلام الآخر مجرد لغو.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

 الاربعاء 6 ابريل 2015