تموت الطبقة العاملة، بهدوء الكائنات الموشكة على الانقراض، ولا أحد يبدو أنه منشغل بمد سماط الحداد.
وبالرغم من أننا نعول كثيرا على السواعد الطبقية في إعادة ترجيح كفة السياسة النبيلة في البلاد، إلا أننا نفاجأ بأعراض التلاشي تمهد «للهيموفيليا» أو التراخي العضلي لطبقة وعدنا قادة الحراك الجدلي بأنها أقرب الطرق إلى قلب التاريخ …..
ليس المقصود بالقوة المادية لكَم العاملين بل نقصد البناء التنظيمي والتاريخي الذي تمثله النقابات والتنظيمات المهنية في صناعة الطبقات، وصناعة أدبياتها وعناوينها التي تصل إليها مراسلات الغد عندما يقرر أن يكتابتها.
في حالة البروليتاريا، أعلن المندوب السامي رسميا عن الاحتضار العلني لما كشف في بداية الأسبوع عن أرقام الذين ما زالوا على قيد …البطائق من البروليتاريين في السجل العدلي للأحياء تنظيميا.
كانت الأرقام صادمة، إذ أن ما يقارب %3 من النشيطين المشتغلين على المستوى الوطني هم منخرطون في منظمة نقابية أو مهنية، %5,6 بالوسط الحضري وأقل من %1 بالوسط القروي. وتصل هذه النسبة ضمن المستأجرين إلى حوالي %6 على المستوى الوطني، %8 بالوسط الحضري و%2 بالوسط القروي.
والمجموع الكلي برقم واحد يتعدى بالكاد 300 ألف منخرط في أزيد من ستين تنظيما، ما بين مركزيات ونقابات قطاعية وهيأت وتنسيقيات ….
وهو نصف العدد الذي تم تسجيله منذ 7 سنوات مضت، عندما كان العدد في 2008 قرابة 600 ألف منخرط نقابي.
أما بالعودة إلى بداية الاستقلال فقد كان العدد، بالنسبة للاتحاد المغربي للشغل لوحده قرابة 70 ألفا، وهو مايعني أن المقارنة مع تزايد عدد السكان قد أصبحت مستحيلة بتاتا بين الانطلاقة الأصلية والمال.
ليس المجال لتعداد الأسباب، فهناك بالأساس السعي إلى تفتيت النقابات، والبحث المحموم عن أن تكون مرتفعة وضعيفة التأثير في الحياة السياسية.
ولنا أن نتخوف أكثر عندما يكون من مصلحة الدولة، وليس الباطرونا فقط أن يكون المخاطب النقابي ضعيفا ومشتتا وهزيلا، وخاضعا للأهواء والترتيبات الفوق نقابية.
أمامنا تحول كبير في البلاد، مفاده أن الكثيرين اختاروا التنقيب الدعوي» للعمل في الأوساط المهنية والأوساط الفقيرة أو العمالية الضعيفة و لفائدة إلغاء التفاوت الطبقي إلى اصطفاف عقدي ومذهبي
غير أن هذا الضعف، الحقيقي أو المفتعل، لم يمنع من وجود قدرة للنقابات على أن تكون قادرة على خلق الحدث أو خلق الشلل الذي يهدد مصالح بعينها.
وهو ميل عام في العالم نحو القدرة على التأثير بالسلب عندما يتم حرمان النقابات من التأثير بالإيجاب.
خطورة الإحصائيات هي أنها تضيف إلى خيمة العزاء طبقة أخرى بعد الطبقة المتوسطة.
فقد أعلنت الدولة والأحزاب والباحثون وعموم المغاربة في محفل رهيب نظم ذات نقاش بأحد الفنادق الفخمة، كما يليق بميت من طبقة ميسورة ومحترمة عن الاحتضار الذي تعيشه الطبقة المتوسطة. وقد كان وقتها وزير الأول عباس الفاسي هو الذي دعا إلى إقامة الحفل ، واستدعاء المختصين في إنعاش الطبقات.. ولحد الساعة لم تصدر أية بيانات عن أخصائي الصحة الطبقية بالمجتمع عن المآل الذي وصلت إليه الطبقة الوسطى.
وعندما نفقد الطبقة الوسطى وتليها الطبقة البروليتارية ، ويفقدا بدورهما الوجود السياسي والنقابي الذي عبر عنهما.. هل يمكن أن نعلن، في نهاية التحليل نهاية المجتمعات كما قد عرفناها، وما الذي سيأتي بعدها يا ترى ؟

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الخميس 7 ابريل 2015