ما قاله رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في جدله مع الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، محمد الصبار، حول جواز قتل الشخص الذي ضبط متلبسا مع الزوجة الخائنة، يحيل على تقاليد الثأر والعار، التي ترجع بنا إلى الماضي، بينما نحن نود التوجه إلى مستقبل دولة الحق والقانون.
هذه التقاليد شاعت في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، أو كما تسميها باحثة الإثنولوجيا، جيرمين تيون، بالعالم القديم، في كتابها «الحريم وأبناء العم»، وتتقاسمها المنطقة، بغض النظر عن انتماءاتها الدينية لأنها جاءت كنتاج لانتقال هذه المجتمعات، في بداية العصر الحجري، من الصيد إلى الزراعة والرعي.
لقد فرض هذا الانتقال، شكلا جديدا من أشكال الزواج، حيث كان الصيادون يفضلون الزواج من خارج القبيلة، في إطار توسيع العلاقات العائلية. ولما انتقلت هذه المجتمعات إلى الزراعة والرعي، أصبح من الضروري الحفاظ على الثروة داخل نفس العائلة، فشاع «الزواج الداخلي»، أي بابنة العم، مما أدى إلى تطور مفاهيم الشرف والثأر، التي لا ترتبط فقط بالمرأة، بل كذلك بالأرض، وهو ما تلخصه القولة الشائعة حول الدفاع عن «الأرض والعرض». وتذكر أن تقاليد الثأر » la vendetta «، لا تقتصر على المنطقة المغاربية، بل تتقاسمها كذلك كل المجتمعات المتوسطية.
وقد تطرق الباحث ريمون جاموس، في كتابه تحت عنوان «الشرف والبركة»، إلى تقاليد الثأر والدية في الريف الشرقي، وربطها بأنماط الإنتاج وتوزيع الثروة، حيث كانت الأرض والمرأة تسمى «حراما»، وينبغي الدفاع عنهما بالسلاح والقتل والثأر.
ولا يتعلق الأمر لا ب»النفس» كما قال بنكيران، ليبرر القتل، ولا بالدين، بل المسألة نتاج تنظيم اجتماعي، تعتبر المرأة فيه، خطرا على تقسيم الثروة العائلية، إذا ما تزوجت خارج «جمهورية أبناء العم»، لذلك كانت تحرم من الميراث، بعدة أساليب ضدا على الشريعة.
ومن يعتقد أن هذه «الجمهورية» قد انتهت، عليه أن يراجع علماء الديمغرافيا، مثل البحث القيم، الذي أنجزه إيمانويل طود ويوسف كورباج، تحت عنوان «مواعيد الحضارات»، الذي يثبت بالإحصائيات أن الزواج بابنة العم، كان يتراوح، في 1990، بين 36 و 25 في المائة في المنطقة العربية، وأنه كلما ازدادت أرقام المتعلمين كلما انخفض، باستثناء اليمن، الذي عرف فيها ارتفاعا، مما يفسر تخلفه، حسب الباحثين.
كما يعتبران أن الصدمة في مواجهة الحداثة، داخل هذه المجتمعات، أنتجت «الإسلام الراديكالي»، الذي ليس سوى مرحلة انتقالية، ومن الطبيعي أن تنتج تشنجات وحنينا إلى مجتمع الثأر والشرف ومحو العار، الذي يمثل بنكيران أحد المتشبثين به، خارج التنظيم العصري للدولة، وسيادة القانون.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الثلاثاء 12 ماي 2015