تعتبر المؤسسات من أهم مكتسبات الديمقراطية، ودولة الحق والقانون، لأنها مبنية على قواعد ثابتة ومتفق عليها داخل المجتمعات، وتشكل الإطار الأمثل، لتدبير الشأن العام، كما تمثل فضاءاتها المخصصة للحوار، المجال الملائم والمنظم، لعرض المواقف والمقترحات والمشاريع، بين مختلف الفرقاء السياسيين.
غير أن ما شهده المغرب في الشهور الأخيرة من تهريب للنقاش العمومي، إلى آفاق أخرى وخاصة خارج البرلمان، كان له وقع سلبي على الممارسة الديمقراطية، وعلى صورة النخبة السياسية، حيث عمل رئيس الحكومة، كل ما في وسعه، ليبتعد عن الفضاءات المخصصة للحوار المنظم والمسؤول، ليلجأ إلى تجاذب واتهامات وتراشق، عبر التصريحات في التجمعات، وبواسطة وسائل الاتصال المختلفة.
لقد وجدت المؤسسات التمثيلية من أجل تيسير النقاش الديمقراطي، ووجدت مؤسسات أخرى، موازية، من مجالس وهيئات لتساهم بدورها في هذا الحوار، في ظل دستور وقوانين والتزامات، لا يمكن تجاوزها، وإلا فإن الصراع السياسي، قد ينتقل إلى مستويات خارج المؤسسات الديمقراطية، بكل النتائج السلبية التي قد تترتب عن ذلك.
إن تعليق الجلسة الدستورية لمساءلة الحكومة، دليل واضح على رغبة رئيس الحكومة في تهريب النقاش، إلى مستويات التراشق وتبادل السب والقذف، وتجنب الجواب عن الأسئلة الحارقة التي يطرحها المجتمع، سواء على مستوى التدبير الاقتصادي أو في الحوار الاجتماعي أو في كل القضايا الأخرى، التي تهم الشأن العام.
إذا استمرت الأمور على هذا المنحى، يحق التساؤل والتخوف على مصير المؤسسات التمثيلية وعلى الاختيار الديمقراطي، وعلى الحوار المتحضر وعلى مستقبل البلاد.
أين هو فضاء الحوار مع حكومة أوكل إليها المجتمعتسيير أموره، والتصرف في ميزانية الدولة، وسن القوانين، واتخاذ إجراءات إدارية واقتصادية واجتماعية وصحية، تمس حياة الناس اليومية، وتنصيب الموظفين والتعامل مع المديونية الخارجية والداخلية والأجور، والمكتسبات الاجتماعية والأسعار والاستثمارات…
كيف يمكن أن تحاسب هذه الحكومة التي تتصرف في حياة الناس، ومصائر أبنائهم وعائلاتهم، إذا تهربت من الفضاءات المؤسساتية للحوار السياسي والمراقبة التي يفرضها الدستور على الهيأة التنفيذية من قبل الهيئة التشريعية؟
لم يكتف رئيس الحكومة بتهريب النقاش خارج المؤسسات، بل لجأ أيضا إلى تهريبه على مستوى المضمون، حيث تجنب في تصريحاته أثناء التجمعات واللقاءات، الرد على القضايا المطروحة من طرف المعارضة والنقابات، حول المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وفتح قاموسه في السب والقذف، ليشهر بالمعارضين، بل ويطعن في مصداقية المركزيات النقابية، من أجل تحويل الأنظار عن عمق الإشكالات التي ينتظر الشعب عنها جوابا حقيقيا.
إن الجماهير الشعبية تتطلع لأن يقول لها رئيس الحكومة ووزراؤه، كيف سيعالجون مشاكل الزيادات المتوالية في الأسعار وضعف الأجور واستفحال البطالة وتضخم المديونية وأزمة التعليم وانسداد الآفاق وضعف الاستثمار… وليس فلان “طاغية” وفلان “فاسد” وفلانة “تنوي ما فيها”… فهذا كلام يمكن أن ينطق به كل من هب ودب، وليس رئيس حكومة، حتى لا نقول رجل دولة، لأنه لا قياس مع وجود الفارق.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

        الثلاثاتاء 12 ماي 2015