للبيئة السياسية والثقافية أكبر الآثار في توليد قيم الثقافة السياسية الكلانية (التوتاليتارية)، وتوليد المنزع المركزي البيروقراطي في الحياة التنظيمية للأحزاب القائمة على تقاليد الانغلاق الفكري والتنظيمي، وعلى هشاشة العلاقات الديمقراطية فيها. صحيح أنها، على اختلاف بين مدارسها الأيديولوجية،

نهلت من منبع واحد هو المنبع البلشفي اللينيني، لكن ذلك ليس مدعاة للاعتقاد أن في هذا دليلاً على تأثرها بنموذج للتنظيم يجاوز نطاق بيئاتها الاجتماعية، فالنموذج اللينيني نفسه – وقد وجدته أحزاب المركزية البيروقراطية جاهزاً ومحاطاً بالتنظير- ليس أكثر من ثمرة لأوضاع روسيا القيصرية، وليس فيه ما يجعله قالباً أقنومياً خارج المكان والزمان. أما استعارتها إياه فمردها إلى أنها وجدت فيه التعبير المطابق، والمناسب، لبيئتها التي تتشابه وبيئة روسيا قبل الثورة البلشفية.

من النافل القول إننا ننطلق من قاعدة تقول إن الأحزاب السياسية كائنات اجتماعية تتولد من بيئات ثقافية، واجتماعية، وسياسية، وتنطبع شخصيتها – مثل أي فرد أو جماعة- بالسمات العامة لتلك البيئة. ولا يتعلق الأمر هنا بآثار تلك البيئة في أمزجة أعضاء تلك الأحزاب والسلوك القيمي الذي يأتونه، فرادى ومجتمعين، وإنما يتعلق بآثارها في منظومة التفكير لدى تلك الأحزاب، وما يدخل فيه من طريقة بناء المواقف والخيارات السياسية عندها. قد تتخلف أحزاب بيئة اجتماعية – سياسية ما في توجهاتها السياسية، فيكون منها يمين، ويسار، ووسط ويمين وسط.. إلخ، لكنها – على اختلافها- تشترك في طريقة تفكير موحدة أو ذات سمات عامة مشتركة. غير أن الأهم من تأثيرات البيئة الموضوعية في التفكير تأثيرها في البناء التنظيمي عندها، فالتنظيم، أو النظام المؤسسي الحزبي، وطريقة توزيع السلطات والصلاحيات فيه، ليس أمراً تقنياً أو فنياً، كما قد يفترض أحد ما، وإنما هو تجسيد مادي لمفهوم العمل السياسي، وللثقافة الخلفية التي تؤسس ذلك المفهوم بما هي ثمرة لتلك البيئة التي نمت فيها، واتصلت بها.

ماذا عساها تكون، بهذا المعنى، تلك البيئة (الاجتماعية، الثقافية، السياسية) التي من أحشائها ولدت الثقافة السياسية التي أنتجت أحزاب المركزية البيروقراطية؟

إنها، باختصار، بيئة المجتمع والثقافة اللذين تسود فيهما القيم البطريركية (الأبوية)، والعقلية الإيمانية الاتباعية الخالية من أي حس نقدي، والعلاقات الجماعوية العصبوية المغلقة حيث لا مكان للفردية فيها. وهي بيئة المجتمعات التي لم تحرز نجاحاً كبيراً في توطين قيم الحداثة الفكرية والاجتماعية والسياسية، على الرغم من جراحات التحديث الاقتصادي والمادي والتقني التي خضعت لها منذ القرن التاسع عشر: غداة اصطدامها بالمدنية الأوروبية الحديثة، ومنها المجتمعات العربية. إذ كانت الفكرة السياسية الكلانية، وتجسيدها التنظيمي المركزي البيروقراطي، قد نشأت في روسيا القيصرية – زمن النضال البلشفي- فلأن أوضاع روسيا، في ذلك الإبان، لم تكن لتخرج عن نطاق أحكام هذه البيئة المغلقة التي وصفناها فوق. أما الذين تأثروا بالنموذج السياسي – التنظيمي اللينيني (حتى لو خالفوه المضمون الأيديولوجي)، فكانوا مدفوعين بأحكام تلك البيئة عينها.

بأي معنى تؤثر معطيات تلك البيئة الاجتماعية – الثقافية في توليد تلك النزعات الكلانية، في الفكر والسياسة، والمركزية- البيروقراطية المغلقة في التنظيم؟

ينبغي أن يشار هنا، ابتداء، إلى البيئة السياسية العامة السائدة في مثل هذه المجتمعات التي تتولد فيها تلك النزعات، إنها بيئة الاستبداد السياسي. في روسيا القيصرية، كما في المجتمعات العربية والإسلامية، لم يعرف الناس سوى سلطة الفرد: القيصر أو السلطان. ولقد كانت السياسة شأناً محصوراً في أضيق النطاقات، وكان لامتهانها وممارستها أكلاف باهظة تدفع من قبل من يأتونها: أفراداً كانوا أو حركات سياسية. لذلك تشبعت نخب عدة – في روسيا كما في بلداننا – بفكرة التلازم بين السياسة والعنف، فلقد رسخ عنف الاستبداد ثقافة العنف في وعي المحكومين. هل كان غريباً، إذن، أن تتبلور فكرة «العنف الثوري» في البيئة البلشفية العقائدية وصولاً إلى المنظمات الإسلامية التي ستترجمها، بلسانها، إلى مفردة «الجهاد»؟ وهل كان غريباً ألا تجد الحركات السياسية الروسية من سبيل إلى العمل السياسي غير العمل السري لتفادي رقابة الاستبداد، ليصبح ذلك نهجاً في بلادنا العربية، ولدى أحزابنا كافة (الشيوعية، والقومية، والوطنية، والإسلامية، وحتى الليبرالية)، للسبب عينه؟

ليست مشكلة هذه الأحزاب منحصرة في بيئة السلطة والنظام السياسي الاستبدادي فحسب، وإنما هي في بيئة المجتمع والثقافة كما أشرنا، فالمجتمع والثقافة المأهولان بالقيم البطريركية ينتجان – حكماً- تأثيرات عميقة في المؤسسات التي تنشأ فيهما، حتى حينما يكون الوازع وراء نشأة بعض تلك المؤسسات (هو) النهوض بدور تغيير علاقات الاجتماع المدني والسياسي، وتحقيق الثورة الاجتماعية. إن تقديس الزعيم الكاريزمي (في الحزب) والانقياد لسلطانه السحري، واستبطان ذلك السلطان من طريق الارتياض الذاتي على ثقافة السمع والطاعة، وتعطيل الحاسة النقدية تعطيلاً تاماً أو أشبه، إنما هي من علامات مفعولية البطريركية في المجتمعات الحزبية الضيقة، تماماً كما هي سطوة القائد الحزبي، واحتكاره القرار، وتمديد ولاياته أضعاف أضعاف ولايات رؤساء عرب اليوم، من العلامات الدالة على حضور تلك القيم البطريركية في بيئات الأحزاب التي من هذا الجنس.

ولقد يقول قائل إن التعميم لا يجوز، هنا، لوجود مجتمعات حديثة خلو من تلك القيم مثل المجتمعات الغربية، حيث قيم الفردية والمؤسسية هي السائدة. الاستدراك مشروع، لكنه غير دقيق في ما يذهب إليه، ذلك أنه على ما يكتنف علاقات تلك المجتمعات من قيم الحداثة الاجتماعية والثقافية والسياسية، لم يقطع اجتماعها المدني والسياسي مع بعض وجوه التقليد فيها، وتأثيراته في حياتها السياسية. أي ذلك ما نلحظه من استمرارية مفعولية فكرة الكاريزما السياسية فيها، عكساً لما اعتقده ماكس فيبر من انتهاء فاعليتها في مجتمعات اهتدت إلى ما سماه الشرعية العقلانية بديلاً من الشرعية الكاريزمية. وما استمرار فكرة الكاريزما سوى التعبير المباشر عن مفعولية بقايا الثقافة البطريركية في المجتمعات الغربية نفسها، هذا دون أن نتحدث عن استمرار ثقافة الخرافة فيها، على نحو ما تؤكده إحصاءات عدد الذين يقصدون العرّافات والمستبصرين في أوروبا وأمريكا، وتعدادهم بعشرات الملايين، وفي جملتهم من ينتمي إلى الطبقة السياسية، وإلى طبقة رجال الأعمال، بل وإلى الأوساط الفنية!

ليست القيم البطريركية وحدها سمة المجتمعات التي تنتج هذا الجنس من الأحزاب المغلقة عندنا – كما في المثال الروسي والعالمثالثي إجمالاً- وإنما تجاوزها قيم ثقافية أخرى تسمُ هاتيك المجتمعات، ومنها – مثلما أومأنا فوق- قيم العقلية الإيمانية الاتباعية النابذة للنقد. ليست الثقافية الدينية، كما قد يعتقد، هي ما ينتج هذه العقلية الإيمانية، بدليل أنها توجد في مجتمعات لا تحتل الثقافة الدينية فيها مساحة معتبرة، أو – على الأقل- لا يلحظ لها تأثير في بعض البيئات داخل تلك المجتمعات. وفي الأحوال كافة، فإن الثقافة الدينية لا تفعل أكثر من أنها تكرّس تلك العقلية الموجودة أصلاً، والضاربة بجذورها في التاريخ. والأهم من تتبع خطوط تطور هذه العقلية (الإيمانية)، ملاحظة ما تلقيه على ميدان السياسة من تأثيرات، فهي تسلب الحزبي أي وعي يقظ، يمكنه به أن يعي الأشياء وعياً نقدياً، وتحوّله إلى مجرد تابع يتلقى تعاليم الحزب وقيادته كما يتلقى تعاليم الدين أو حقائق العلم. وهذا النوع من الجمهور الحزبي المسلوب الإرادة الفكرية، والمنمّط وعيه في القوالب المرسومة له، هو – بامتياز – جمهور ذلك النوع من أحزاب المركزية – البيروقراطية.

وكما تفضي العقلية الإيمانية، بمن يقع تحت سلطانها في الوعي، إلى الانقياد الأعشى إلى عقل الحزب، والتهدي بأفكاره ورؤاه ومواقفه، والانصراف غير المشروط إلى تطبيقها كواجبات.. كذلك تفضي العلاقات الجماعوية العصبوية المغلقة إلى أضواء فرديته – بل محوها- في جماعة مغلقة، أو صوتاً واحداً ناطقاً بذات جماعية لا مكان للذوات المفردة فيها. تلقي البنى الاجتماعية التقليدية، وروابطها العصبوية (القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية والمناطقية)، بتأثيراتها على المجال السياسي ومؤسساته، فتصطبغ هذه بصبغة تلك البنى والعلاقات، فتقوم منها مقام البنى الملتحقة – أو المستتبعة- التي تعيد إنتاج البنى والعلاقات الاجتماعية الأصل! وهكذا مثلما تتلون الدولة ببعض قسمات تلك البنى والعلاقات العصبوية، وتقوم السلطة فيها على امتصاص فئوي، تتلون الأحزاب بالملامح والقسمات عينها، بل قد يتحول بعضها إلى قبائل وطوائف وزوايا جديدة، أي مأهولة بالقيم والعلاقات عينها السائدة في القبيلة والطائفة والزاوية، وليست علاقة الشيخ/ المريد، السائدة في مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية، إلا واحدة من علاقات – وقيم- كثيرة تجد طريقها إلى النظام الحزبي المغلق.

الاستبداد، وتقاليد السرية المقترنة به، والنظام الاجتماعي البطريركي، والعقل الإيماني الاتباعي، والنظام الاجتماعي العصبوي.. عوامل فاعلة في تشكيل حقل السياسة في مجتمعاتنا، وفي التأسيس لنموذج الأحزاب العقائدية المغلقة، وفي جملتها أحزاب المركزية البيروقراطية.

* عن التجديد العربي

    12ماي 2015