شخصيا، لم يعد يفاجئني أي موقف أو أي كلام من رئيس حكومتنا الذي قلت عنه وأعيد بأنه غير جدير بالاحترام؛ وذلك لسبب بسيط هو كونه لا يحترم نفسه ولا يحترم المؤسسة التي يرأسها. وقد وضحت ذلك في مقال سابق بنفس العنوان (“رئيس حكومة غير جدير بالاحترام”). ولهذا، لم أستغرب السؤال الاستفزازي الموجه للأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، رغم ما فيه من سوء أدب على ممثل مؤسسة دستورية؛ إذ كيف لمن لا يحترم حتى المؤسسة التي يرأسها، أن يحترم المؤسسات الأخرى؟

فلو كان يقدر المسؤولية التي يتحملها والمهمة الدستورية والبروتوكولية التي يشغلها، لما وجه السؤال إياه إلى الأمين العام للمؤسسة الدستورية التي تعنى بحقوق الإنسان. أما وقد فعل، فهل استحضر موقعه كرئيس للحكومة حين عقب بما عقب به على جواب الأستاذ “محمد الصبار”؟

لقد كان جواب الأستاذ “محمد الصبار” درسا في القانون وفي التعامل الراقي(وليس الهمجي الذي يدعو إليه رئيس الحكومة) مع المواقف الحرجة. فبقدر ما كان جوابه منسجما مع تاريخه النضالي كحقوقي ومع تكوينه كرجل قانون ومع وضعه كأمين عام لمؤسسة تعنى بحقوق الإنسان، بقدر ما كان حديث رئيس الحكومة عن “قلة النفس” (مما يعني غياب “الفحولة” و”الرجولة”… بمفهومها المتخلف) موغلا في “الجاهلية والجهالة” وداعيا إلى القتل (ارتكاب جريمة أفظع من جريمة الخيانة) بدل اللجوء إلى القانون. فلو صدر مثل هذا الكلام عن رجل عادي، لكان “مقبولا”، رغم ما فيه من جهل للقانون؛ لكن أن يصدر هذا عن رئيس الحكومة (أقول رئيس الحكومة؛ ولا أقول رجل دولة؛ ذلك أنه يعدم هذه الصفة. وقد بينت ذلك في مقالات سابقة، لا داعي للرجوع إليها)، فهذا أمر من الخطورة بمكان؛ إذ فيه تهديد صريح وواضح لمؤسسات الدولة ولتوجهها الحداثي الديمقراطي.

إننا (وأقصد بهذا الضمير الجمعي كل من يقاسمني الرأي) نعيش، بالفعل، وضعا غير طبيعي مع هذا الرجل، ونتألم لما يحدث في مؤسساتنا وحولها، لكونه يسيء إلى صورة بلادنا ويهدد تميزنا في محيطنا العربي والأفريقي، فينطبق علينا المثل الشعبي القائل:”ما في الهم غير للي كيفهم”.  فالسيد “بنكيران” لا يبدو أنه يستحضر- في كلامه وفي أحاديثه وفي خطاباته، سواء في الداخل أو الخارج- كونه الرجل الثاني في الدولة المغربية (بروتوكوليا، على الأقل)؛ وبالتالي، فكلامه مراقب ومتابع ومحسوب علينا جميعا كدولة وكمجتمع وكمؤسسات…

لقد رأينا كيف يتعامل باستخفاف وبعنجهية (وهذه صفة يتقاسمها أغلب مسؤولي “البيجيدي”؛ إذ يبدو أنهم لا يعرفون ولا يفهمون معنى التواضع) غير مقبولة مع المؤسسة التشريعية ومكوناتها؛ ورأينا كيف لا يحترم من الدستور إلا ما يرى فيه حصانة له ووسيلة للهجوم على خصومه أو آلية لتثبيت أتباعه في مؤسسات الدولة، بينما يعطل كل ما من شأنه أن يعزز البناء الديمقراطي ويطور مؤسساتنا الدستورية.  فمن هذا هو نهجه، كيف سيحترم مؤسسة تعنى بحقوق الإنسان وحمايتها وتعنى بتوسيع الحريات الفردية والجماعية وتطويرها؟

وأخطر ما في الأمر، أن السيد “بنكيران” لا يستحضر موقعه الدستوري، وهو يتحدث عن قناعاته الشخصية ويصرفها في الفضاءات العمومية. فأن يتفوه رئيس الحكومة بما تفوه به في الندوة التي نظمها حزب الحركة الشعبية حول مشروع قانون المسطرة الجنائية، دليل على أن الرجل يسير عكس توجه الدولة المغربية؛ إذ في الوقت الذي يتحدث الدستور الجديد على المواثيق الدولية وعن الحداثة وعن دولة الحق والقانون…، يصدر- عمَّن يُفترض فيه، دستوريا، أن يعمل على تعزيز دولة الحق والقانون وتعزيز الانخراط في الحداثة…- كلام فيه دعوة صريحة إلى شرعنة القتل بالعودة إلى تشريعات عهد “حمو رابي”، عهد القصاص والثأر و”كل واحد يعمل شْرَعْ يَدِّيه”.

و”بنكيران” لا يختلف، هنا، عن الداعية “النهاري” الذي أهدر دم الصحافي “الغزيوي” بسبب تصريحه باحترام حرية أمه وأخته في حياتهما الشخصية. أما من حيث قاموسه اللغوي البذيء ومواقفه المتهورة (وقد تكون محسوبة بمنطق “هبل تربح”)، فقد ذكرني “بنكيران” بوزير سابق وزعيم حزب سياسي، سبق لي أن كتبت عنه مقالا بنفس العنوان، في صيف 2011؛ يتعلق الأمر بالسيد “محمد زيان” الذي جعل من السياسة مجالا للتهريج والسب والقذف. وفي هذا، يتساويان، رغم وجود بعض الاختلاف بينهما.

وعلى كل، فليس هدفي أن أقارن بين الرجلين؛ لكن اللسان، كما يقول علماء اللغة، يخدع صاحبه؛ أما الشاعر فيقول:”لسان الفتى عن عقله ترجمانه، متى زل عقل المرء زل لسانه”. و تقول الحكمة الشعبية: “من شب على شيء شاب عليه”؛ ويقول المثل: “الإناء بما فيه ينضح”.

* الخميس 14 ماي 2015