سراديب الإرهاب.. من يوسف فكري إلى «الجهاد العابر للقارات»

من أجل إضفاء بعد تنظيمي أكبر، يتمدد داخلياً وخارجياً، ربط المتهمون علاقات مع ناشطين في تنظيمات متطرفة دولية، على غرار المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، كريم المجاطي المدعو بـ«أبو إلياس». وشملت الاتصالات كذلك البريطاني من أصل جمايكي أندرو راو، المدعو «أبو يوسف الجمايكي»، وهو عضو في »القاعدة« مقيم في بريطانيا، وسبق له أن منح لتنظيم يوسف فكري خلال إقامته في سلا في عام 2002، أقراصاً مدمجة تهم كيفية صناعة المتفجرات والسموم. وعرف عنه أنه تزوج بموجب عقد «عرفي» من المغربية بشرى بوساهل بوساطة المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، محمد الشطبي

لم يدر في خلد أحد، أن اثنين من نشطاء «القاعدة» أحدهما كان من بين انتحاريي هجمات الحادي عشر من شتنبر الأسود في نيويورك، سيمران عبر سراديب ارهابية في الدار البيضاء. بيد أنه على خلفية تفكيك خلية تحمل اسم »الصراط المستقيم« في أبريل 2002، ستسطع أدلة وممارسات مذهلة، كانت تعتزم تحويل المغرب إلى برك دماء.
ضمن الخلية اثنى عشر شخصا، تورطوا في جريمة القتل رجما بالحجارة استهدفت تاجر مخدرات سابق، يدعى فؤاد الكردودي في الثالث والعشرين من فبراير 2002، في حي سيدي مومن بالدار البيضاء.
لكن القتل بهذه الطريقة البشعة، التي تعتبر سابقة في سجل الجرائم المتعارف عليها، جاء على إثر صدور فتوى هدر دمه، أوحى بها المدعو ابراهيم فردوس »معتقل« في غضون الاستئناس باستشارة زعيم المجموعة زكرياء الميلودي مؤسس تنظيم «التفكير بدون هجرة»، وكان لقي حتفه بعد نقله إلى مستشفى »الادريسي« بالقنيطرة نتيجة أزمة ربو حادة.
لم يكن اللجوء إلى أقصى درجات العنف والقوة والفظاعة، منعزلا عن نهج المجموعة التي شكل هذا الأسلوب نهجها في ما كانت تزعمه »تصحيح انحرافات الأشخاص«، الذين يعتبرونهم ملحدين أو مقترفي أعمال توصف بأنها غير أخلاقية.
وقد شرعت عناصر التنظيم، تنفيذ لأوامر زكرياء الميلودي، في شن حملات عقابية مستخدمين هراوات وأسلحة بيضاء، يهددون بها المارة، كما كانوا من أجل تميزهم عن الآخرين، يرتدون ألبسة خاصة، تشبه الرداء الأفغاني تمثلا بحركة طالبان، ولضمان نجاح استراتيجيتهم المتطرفة، أشرف زكرياء الميلودي على تدريبات شبه عسكرية، لفائدة أتباعه بنواحي »واد المالح« وسعى لاستقطاب عناصر من القوات المسلحة الملكية لتنظيمه، بغاية استفادة أنصاره من تكوين قتالي.
خطط أعضاء الخلية بإشراف كل من زكرياء الميلودي وابراهيم فردوس لتنفيذ هجمات ضد رموز الدولة، وموظفي مصالح الأمن والقضاء. وبعد قتل فؤاد الكردودي، كتب زكرياء الميلودي رسالة كان ينوي نشرها، ينوه من خلالها بمنفذي تلك العمليات واصفا إياهم بـ «»المسلمين الحقيقيين««، في اشارة إلى تكفير الآخرين.
أرسل أعضاء الخلية مساعديهم الأوفياء للتنظيم ونهجه إلى منطقة اكادير، لتشكيل شبكات »جهادية« مماثلة وموازية كان تم تفكيكها غداة تفجيرات الدار البيضاء في السادس عشر من ماي 2003، إذ تأثرت بسرعة بـ »»ملاحمهم« الارهابية»، وتلقى »جهاديو اكادير« تدريبات في تقنيات صناعة المتفجرات التقليدية تحت إشراف رؤسائهم في الدار البيضاء، (مصطفى دابت واليزيد أوجرف »معتقلان«)، حيث تم إجراء ثلاث تجارب بهذا الصدد بضواحي المدينة، قبل الاتفاق على الهجوم على مستودع لتخزين المتفجرات تابع لأحد المقالع.
ربطت الخلية اتصالات مع انتحاريي هجمات السادس عشر من ماي 2003، من خلال حلقات تلقين »الجهاد« للانتحاريين من طرف خالد عبوبي الذي كان يتوفر على معارف واسعة في المجال الديني، وفق منهجية متشددة، والذي سيتم اعتقاله أيضا.
وقام نشطاء المجموعة، خصوصا مصطفى دابت واليزيد أوجرف، قبيل هجمات الحادي عشر من شتنبر 2001، بإيواء السعوديين خالد المحضار المدعو »أبو سليمان«، وفهد شهري الملقب بـ «أبو السعوديين» خالد المحضار المدعو »أبو سليمان«، وفهد شهري الملقب بـ «»أبو عبد الرحمن««، بمحل اقامتهم بـ »الهراويين« في الدار البيضاء. ويعرف عن خالد المحضار أنه أحد انتحاريي تفجيرات شتنبر المهولة، فيما كان فهد شهري الذي اعتقل في اليمن عضوا في »القاعدة«.
موازاة مع ذلك، كان نشطاء التنظيم التكفيري يرتبطون بعلاقات مع تنظيمات متطرفة بالخارج، على غرار المنظر المتطرف عمر محمود عمر المدعو »أبو قتادة« أثناء اقامته في بريطانيا والذي كان يصدر فتاوي لفائدة الخلية عن طريق الهاتف، وكذا المغربي الذي تلقى تكوينا عسكريا بأفغانستان سعيد بوجعدية وهو معتقل سابق في قاعدة »غوانتنامو«.

خلايا «أمراء الدم»

بين الاغتيالات والاعتداءات وأعمال السرقة والتهديد ومحاولة انتحال شخصيات في القوات العسكرية والأمن والدرك، سجلت خلية التنظيم الارهابي الذي كان يتزعمه يوسف فكري ومحمد دمير وقائع دموية مثيرة.
أسفر تفكيك الخلية عن اعتقال سبعة وعشرين من أعضائها الذين كانوا ينشطون في مدن الدار البيضاء، سلا، الناظور، وطنجة. وثبتت مسؤولياتهم الكاملة وفق افادات وأدلة دامغة، عن أربع اغتيالات وأكثر من مائة وستين جناية، تشمل عمليات سرقة للسيارات واعتداءات بالسلاح الأبيض أو بواسطة بنادق صيد.
في سجل قوائم ضحايا التنظيم، نقيب في القوات المسلحة الملكية في الدار البيضاء، ونقيب في القوات المساعدة بالناظور، وعنصر من مصالح الاستعلامات ودركي في مهدية بين ضواحي الرباط والقنيطرة.
وفي تفاصيل اختيار هؤلاء الضحايا، أن أعضاء التنظيم كانوا يعتزمون انتحال الصفات الوظيفية للمعنيين، لخلق ظروف ملتبسة عند تنفيذ عمليات تخريبية، مستغلين رتب ممثلي السلطة، لإشاعة أكبر قدر من التشويش والغموض حول دوافع الجرائم المرتكبة.
وشملت قوائم ضحايا الاغتيالات
– عبد العزيز فكري، وهو عم متزعم التنظيم يوسف فكري. وتولى الأخير بكل برودة أعصاب وغياب ضمير بقر بطنه بتهمة تعاطيه الزنا، في دوار الخنيشات بضواحي مدينة اليوسفية بتاريخ السادس والعشرين من أكتوبر 1998، بتواطؤ أحد أتباعه يدعى ميلود منظور »(معتقل)«.
– شخص كان يشتغل في المكتب الشريف للفوسفاط، ويقطن بدوار النصارى في آسفي، وقد تم نحره بطريقة وحشية في الرابع عشر من مارس 1999، من طرف يوسف فكري بمشاركة كل من يوسف عداد وعبد المالك بوزغارن( »معتقلان«) وذلك لنعته بالشذوذ الجنسي.
ـ شخص ينحدر من مدينة المحمدية، كان يتحين الفرصة للهجرة إلى أوربا بطريقة غير شرعية. وقادت الصدفة الضحية إلى كراء بيت في الناظور، رفقة يوسف فكري ويوسف عداد، حيث جرى ذبحه وتقطيع أطرافه ووضعها في كيس في الثامن والعشرين من ماي 1999، قبل دفنها بالقرب من منطقة بني أنصار.
ـ موثق في الدار البيضاء تم اغتياله عن طريق الذبح في العاشر من شتنبر 2001، ورميت جثته في بئر بدوار السكويلة في الدار البيضاء.
ـ كما أن المتهمين الذين عثر بحوزتهم على بندقية قصيرة وبندقية صيد ومائة خرطوشة، حاولوا أيضاً تنفيذ عملية سطو في عام 2001، بسلا على سيارة لنقل الأموال، تابعة لشركة »ريضال« بواسطة بندقية.
شكلت حيازة أكبر كمية من السلاح هدفاً مركزياً لأعضاء التنظيم، بهدف تنفيذ عمليات سطو لمؤسسات بنكية ومؤسسات عمومية، وخاصة القيام بعمليات تستهدف تجار المخدرات شمال المملكة. وكان الغرض من حيازة الأموال بطريقة غير شرعية، اقتناء مخابىء تشكل مواقع خلفية لأعضاد التنظيم، المكلفين بتنفيذ عمليات اغتيال سياح أجانب، لاسيما من اليهود، فضلا عن التخطيط لتنفيذ تفجيرات ضد أهداف يهودية وغربية.
من أجل إضفاء بعد تنظيمي أكبر، يتمدد داخلياً وخارجياً، ربط المتهمون علاقات مع ناشطين في تنظيمات متطرفة دولية، على غرار المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، كريم المجاطي المدعو بـ» »أبو إلياس««. وشملت الاتصالات كذلك البريطاني من أصل جمايكي أندرو راو، المدعو »أبو يوسف الجمايكي«، وهو عضو في »القاعدة« مقيم في بريطانيا، وسبق له أن منح لتنظيم يوسف فكري خلال إقامته في سلا في عام 2002، أقراصاً مدمجة تهم كيفية صناعة المتفجرات والسموم. وعرف عنه أنه تزوج بموجب عقد »عرفي« من المغربية بشرى بوساهل بوساطة المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، محمد الشطبي المعتقل. وشملت الارتباطات مراد ساروف المغربي الذي تلقى بدوره تكويناً عسكرياً بأفغانستان، العضو في »الجماعة الاسلامية المقاتلة الليبية« (معتقل)، وبوشعيب غرماج المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، والذي يوصف بأنه خبير في المتفجرات، عضو في اللجنة العسكرية لـ «»الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية»«،( معتقل) ولكبير كتوبي المغربي الذي تلقى تكويناً عسكرياً بأفغانستان، عضو في »الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية«، معتقل أيضاً.
وقادت التحريات التي رافقت تفكيك التنظيم إلى اكتشاف أن المتهمين كانوا يختبئون بعد كل عملية عند الحسين بركاشي، وهو إمام سابق في الناظور »معتقل«. كما دلت التحقيقات على أن أعضاء الخلية كانوا ينشطون في إرسال جوازات سفر مغربية لفائدة ناشطين في »القاعدة« لدى استعدادهم لمغادرة أفغانستان في أعقاب القصف الأمريكي.
واستفاد أعضاء التنظيم أيضاً في نهاية عام 2000 في الدار البيضاء بدروس »قتالية« من طرف كريم المجاطي، في بيت زوجته فتيحة الحساني الناشطة في »القاعدة« والمقيمة حينها في الدار البيضاء، قبل أن تغادر إلى سوريا والعراق، شملت تدريبات على الرفع من القدرة التدميرية للخراطيش، بالإضافة إلي تقنيات صناعة المتفجرات وإحداث تغييرات برصاصات من صنف 9 ملم.
وكان كريم المجاطي وهشام عنقود الذي لقي مصرعه، ومراد ساروف وعبد الكبير كومارة، اللذان اعتقلا على التوالي خلال يناير 2003 ومايو 2003، هاجموا بواسطة بندقية وقنبلة مسيلة للدموع سيارة لنقل الأموال، تابعة لشركة »ريضال« في حي السلام بسلا.
وقد نجح أعضاء التنظيم الذين ظلوا في حالة فرار، على غرار عبد المالك بوزغارن ويوسف عداد، في نسج روابط مع منفذي هجمات السادس عشر من ماي 2003، في شخص الانتحاري عبد الفتاح بوليكدان، الذي دربهما في بيته، بعد أن حوله لورش لصناعة العبوات الناسفة، مستخدماً في ذلك تقنيات صناعة المواد المتفجرة، ثم سلمهما وثائق مكتوبة باللغة الانجليزية، إضافة إلى وثيقة حول صنع المتفجرات، قاما بتسليمها لعبد الغني بن طاووس وهو »أمير« سابق لخلية إرهابية تم تفكيكها في الدار البيضاء »(معتقل)«

يوليوز 2002: فعل المنكر.. باسم الوازع الأخلاقي

في ظرف متزامن، تغلغلت أفكار، تستند إلى وازع أخلاقي متشدد في صفوف خلية تابعة لتنظيم »السلفية الجهادية«، كانت تنشط بمدينة فاس. وتضم ستة أشخاص اختاروا أحياء شعبية لبث الرعب في صفوف الناس، خصوصاً المشتبه بضلوعهم في تجارة المخدرات والخمور.
تفرق نشاط أعضاء الخلية على أحياء »بن الدباب«، و »الحي الحسني«، و »كاريان الحجوي«، و »بن سليمان«، و »بن زاكور«، مستهدفين من يعتبرونهم منحرفين عن الدين. وأفادت تحريات أنهم وقعوا تحت تأثير محرضين ودعاة، كانوا يستخدمون المساجد لبث أفكار راديكالية إزاء تكفير المجتمع، أمثال المعتقل »السلفي الجهادي« السابق محمد رميش الذي كان يخطب في مسجد يوجد بحي »الوفاق«، ومحمد الفيزازي الذي كان يعتبر أحد منظري »السلفية الجهادية« الذي تم العفو عنه في الرابع عشر من أبريل 2011، وكان يتردد على دار القرآن ومسجد »أبو بكر الصديق« الموجود في حي »لابيطا دوكارات«، وكذا محمد عبد الوهاب الرفيقي الذي تم العفو عنه في الرابع من فبراير 2012.
وقد قام المتهمون الميالون للحملات العقاربية التي كانوا يشنونها تحت غطاء »الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر« بسلسلة من الاعتداءات على منحرفين محتملين. ونفذوا عملية اختطاف حارس ليلي بحي »لابيطا«، وأخذوه على متن سيارة إلى »واد المالح« نواحي فاس، حيث عرضوه لوابل من الضرب وأشكال التعنيف، ثم سلبوه مبلغاً مالياً كان بحوزته قبل أن يتركوه مرمياً هناك. كما قاموا بالاعتداء على بائع مشروبات كحولية في السابع من يوليوز 2002، بهدف حضه على ترك نشاطه المحظور.
لكن تلك الحملات كانت في جوهرها، أشبه بمقدمات لاختبار ردود الأفعال، قبل أن تتطور في اتجاه عنف أعمى يصنف في خانة الأعمال الإرهابية. والثابت أن رداء الوازع الأخلاقي والاجتماعي، لم يكن أكثر من غطاء، فيما الممارسات اللصيقة به، أي الاختطاف والتهديد وسلب المال، تبقى أفعالا إرهابية بكل المعايير.

شتنبر 2002: إرهابيون لصوص في خلية سيدي الطيبي

اضطلع سكان أحد الدواوير في سيدي الطيبي، ضمن دائرة بوقنادل شمال سلا في الطريق إلى القنيطرة، بدور حاسم في تفكيك خلية ناشطة، فقد هبوا إلى نجدة أشخاص تعرضوا إلى هجمات، معتقدين أن الأمر يتعلق بعصابة سرقة قبل أن تسفر التحريات عن تأكيد ضلوع المتورطين في أعمال إرهابية.
مكن تفكيك هذه الخلية من اعتقال ثلاثة نشطاء من »السلفية الجهادية« في دوار »ولاد الطالب في سيدي الطيبي، وهم محمد الركيبي، وبويه بوسرحان، ومحمد الساحلي- معتقلون سابقون«.
وأثناء تفتيش بيوت المتهمين، وفق اجراءات قانونية وقضائية في المنطقة، تم حجز سيف وهراوة وقضيب حديدي، وأقنعة ووثائق كثيرة حول »الجهاد«. وتبين في غضون ذلك، وفق إفادات المعتقلين، أنهم مقتنعون بضرورة استخدام العنف ضد ما يعتبرونه أشكال الانحلال، والقيام بدوريات في الدوار لمعاقبة أي شخص لا ينصاع لقواعد »الشريعة« كما يتصورونها.

نونبر 2002: «الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية» تغتال موظف شرطة

مع انتظار ظاهرة الفتاوى التي تستحل ما حرم الله، شرع منتسبون إلى »الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية« في انتقاء أهداف لها صلة برمزية الدولة والأمن تحديداً. ووقع الاختيار على موظف للشرطة، ضمن مسلسل تصفيات جسدية، أطلت من خلف ركام موجة التكفير.
مكن تفكيك خلية، من اعتقال اثنين من نشطاء تيار »السلفية الجهادية«، عبد الهادي الذهبي وعبد الوهاب الراضي، إلى مناطق الظل الكامنة وراء اغتيال موظف أمن سابق جرت تصفيته جسدياً عند مرتفع المركز التجاري »مرجان« في الدار البيضاء، في الثامن والعشرين من دجنبر 2000، بواسطة بندقية صيد.
عبر تدرج منهجي في أشكال الرصد، على إثر صدور فتوى انبثقت في أعقاب الجلسات، التي كان ينشطها زعيمهم عبد العزيز البصاري، العضو في »الجماعة الاسلامية المقاتلة المغربية«، »معتقل سابق«، صادفت مكامن الأهواء التي تجذرت في عقولهم، وبالذات من خلال شحن المناصرين بأفكار وقضايا متواترة، تبيح هدر دم كل رموز الدولة، بمن فيهم رجال الأمن والقضاة، بهدف الاقتصاص مما يمثلونه كضمير للسلطة وحماية القانون.
بعد ارتكاب جريمتهم، سلب المتورطان من الضحية بزته وسلاحه الوظيفي، وعشر خرطوشات وزوج من الأصفاد، قبل أن يعمد الجانيان إلى رمي الجثة في بئر يوجد في محيط الدار البيضاء، وإشعال النار في سيارة القتيل، لإتلاف معالم الجريمة المنظمة.
الغريب أنه بعد عرض وقائع الحادث الإرهابي على زعيم الخلية عبد العزيز البيصاري، وبخهما على عدم استهداف من هو أرقى درجة في السلم الوظيفي، قبل أن يمنحهما مبلغ مائتي درهم ويطالبهما بمغادرة مدينة الدار البيضاء لدرء أي شبهات محتملة، وهو ما استجاب له المتهمان اللذان لجئا إلى مدينة طنجة، حيث نفذا سلسلة من الاعتداءات بواسطة السلاح الأبيض، ضد ثلاث طبيبات وصاحبة صيدلية وسلبا منهن مبالغ من المال بموجب مبدأ »الاستحلال«.

ماي 2003: «مول الصباط» مهندس تفجيرات الدار البيضاء

لم تقد التفجيرات الإرهابية ذات الطابع الانتحاري التي كانت الدار البيضاء مسرحاً لها في ماي 2003، إلى تفكيك امتدادات الخلية فحسب، بل كشفت عن ارتباطاتها المحلية والاقليمية والدولية مع الإرهاب, ما وضع المغرب في دائرة الاستهداف الذي مافتىء يتضاعف.
ليل الجمعة الموافق للسادس عشر من ماي 2003، هاجم أربعة عشر انتحارياً فندق »فرح« ومطعم »بوسيتانو« ومحيط الطائفة اليهودية للمقبرة اليهودية ومطعم »كازا ـ اسبانيا«، وكلها مواقع توجد في الدار البيضاء، قاعدة ومنطلق الحركة الاقتصادية والتجارية والكثافة البشرية العمرانية. وأسفرت الهجمات ذات التوقيت الموحد عن مقتل أحد عشر انتحاريا ونجاة ثلاثة آخرين يوجدون رهن الاعتقال.
قادت التحقيقات التي استمرت بوتيرة متصاعدة، على خلفية الحادث المهول الذي يعتبر الأول من نوعه في تاريخ البلاد، إلى استجواب ست وثمانين شخصا بارتباط مباشر أوغير مباشر مع حادث وملابسات التفجيرات، وسمحت بكشف حقائق مذهلة، شملت بنيات التنظيم الإرهابي، وسوابق متورطين، وأشكال الارتباطات الداخلية والخارجية.
من ذلك، أن المتهمين بدأوا مسارهم المتطرف انطلاقا من 1999، من خلال الانخراط في تنظيم »الصراط المستقيم« لزعيمه زكرياء الميلودي، ونشطوا تبعا لذلك في تنفيذ حملات عقابية بالدار البيضاء ضد زوجين في وضعية فاضحة وأشخاص في حالة سكر، ما يفيد بتلازم خلفيات تلك الحملات والانتقال إلى السرعة القصوى في ممارسة الأعمال الإرهابية.
هكذا يتبين بأدلة ساطعة أن بعض الانتحاريين، مثل عبد الفتاح بولكدان وحسن طاوسي، اللذان كانا ضمن تنظيم زكريا الميلودي. خططا لتنفيذ عملية سطو لوكالة بنكية في مدينة الكارة، حتى قبل الانضمام إلى خلية عبد الحق بناصر المدعو »»مول السباط»« المسؤول عن هجمات السادس عشر من ماي 2003 بالدار البيضاء.
وسيختار الأشخاص المتورطون بداية من عام 2000، تنفيذ عمليات واسعة النطاق لم تكن تستبعد اللجوء إلى استخدام المتفجرات. فقد جند عبد الحق محيم المدعو «»الصباغ» معتقل, والذي استقطبه الانتحاري عبد الفتاح بولكدان، أتباعه لتلقينهم كيفية صناعة قنبلة باستخدام قنينة غاز تزن عشر كيلوغرامات. وكانت تلك البداية العملية في مسلسل رهيب انتهى إلى فاجعة كبرى أكلمت النفوس.
تعرف المتهمون في عام 2000 على عبد الحق بنتاصر المدعو «»مول السباط«« عن طريق جار له بفاس، هو المعتقل محمد صدوق، الذي كان حينها يتاجر في الأحذية بين مدينتي فاس والدار البيضاء. وسيكون لهذا اللقاء الذي كان مدبرا وليس عفويا، تبعات في نسج شبكة علاقات ملتبسة. فقد كان عبد الحق بنتاصر ينتقل كثيرا في اتجاه الدار البيضاء، في إطار أنشطته التجارية، وأثارته حماسة أتباعه للانخراط في عمليات بالمتفجرات. وهكذا تكلف بأعضاء هذا التنظيم الانتحاري من خلال تأطيرهم على المستوى الديني عبر اجتماعات متتالية في بيته بالدار البيضاء، تحولت إلى شبه »دروس دينية« هدفها شرعنة »الجهاد« في المملكة، والعمل تدريجيا على تقوية هذه الخلية عبر تجنيد مبتدئين، على أساس التزام مراقبة صارمة لقواعد العمل السري، الذي يعتبر مقدمة متلازمة مع أعراف الانضباط لقواعد التنظيمات الإرهابية.
بيد أن تأثيرا مضاعفا لهجمات الحادي عشر من شتنبر 2001، بالولايات المتحدة الأمريكية، سيزيد في إلهاب مشاعر أعضاء التنظيم، على طريق اقتناء أثر الانتحاريين، وسيطرة هاجس التفجيرات على خططهم في المغرب. فقد نصب زعيمهم عبد الحق بنتاصر نفسه »أميرا« لتنظيم، ثم وضع أهدافا تجريبية في ضوء اقتنآء كميات قليلة من البيروكسيد والهيدروجين والأسيتون وحامض الأمونيوم والبيكاربونات. وأدخل هذه المواد إلى مختبر خلط بدائي في بيت الانتحاري عبد الفتاح بولكدان، ليتم وضع 100 غرام من هذا الخليط في أنبوب طوله 10 سنتمترات مرتبط بفتيل لإجراء تجارب ميدانية.
في أعقاب نجاح اختبار العملية، التي تم تجريبها في مقبرة سيدي مومن، منح عبد الحق بنتاصر لعبد الفتاح بولكدان مبلغ 15000 درهم، وأمره باقتناء الكميات الضرورية لصناعة الأجهزة المتفجرة المستخدمة في العملية التجريبية.
طوال فترة إعداد المتجفرات التي دامت حوالي خمسة أسابيع، لم يسجل أي اتصال مباشر بين عبد الفتاح بولكدان المكلف بالعملية وباقي أعضاء التنظيم، إلى أن حل يوم الخميس الثامن من ماي 2003 حيث اجتمعوا ببيت محمد العمري »الانتحاري الناجي« وقام المتهمون بملء .. عشر أنبوبا أسطوانيا من الزنك، جلبه عبد الفتاح بولكدان لصناعة المتفجرات على النحو التالي:
– طبقة من المسامير من حجم 6 سنتم، فيما قدرت الكمية الكاملة المستخدمة في مجموع القنابل بما لا يقل عن 10 كلغ.
– طبقة عازلة من حامض الأمونيوم
– طبقة من العبوة الناسفة
– طبقة من حامض الأمونيوم
– طبقة من المسامير
بعد الانتهاء من ملء الأنابيب، تم إغلاقها بواسطة قطع من الورق المقوى المثبت بأشرطة لاصقة. ثم شرع محمد موحاني في إدخال الصواعق في العبوات الناسفة. حيث تم ملء خمسة وعشرين علبة بلاستيكية من الحجم الصغير بالمتفجرات باعتماد نفس الطريقة.
لكن أفراد المجموعة، الذين كانوا تلقوا الأمر من طرف أميرهم عبد الحق بنتاصر، بالمرور إلى التنفيذ يوم التاسع من ماي 2003 على الساعة العاشرة ليلا، بعد تحديد المواقع المستهدفة من قبل الانتحاري سعيد عبيد سيضطرون لتأجيل مخططهم إلى يوم السادس عشر من ماي 2003.
اتخذ قرار الإرجاء في آخر لحظة، من طرف عبد الحق بنتاصر بعد أن أبلغه عبد الفتاح بولكدان بأن سعيد عبيد اختار معطم »لاكازا-إسبانيا« ضمن الأهداف، وصادف تلك الليلة أن مواطنين من بلد إفريقي سبق لهما أن قاما بالنصب على شقيقه الأكبر، كانا ضمن رواد المطعم. وسيتبين في ظل التحقيقات أن زعيم التنظيم بنتاصر اتخذ قراره بتأجيل موعد التفجيرات إلى الجمعة الموالية. أي السادس عشر من ماي 2003، حتى لا يتم ربط الهجمات بفعل انتقامي. وقد يكون رغب في إبعاد أي شبهات عن منفذيه، في حال تتبع ورصد علاقة بعض زبناء المعطم بمهاجمين.
أثبتت تفجيرات الدار البيضاء أنها كانت مقدمة لسلسلة من العمليات الدموية التي كان يفترض تنفيذها في عدد من المدن المغربية، تستهدف رموز الدولة، ومواقع »الفساد« الموازية على حد أوصاف المتورطين، للمواقع السياحية و المؤسسات العمومية والمصالح الغربية، خصوصا على خلفية رصد مسارات الانتحاريين وارتباطاتهم ضمن شبكة خلايا متعددة الأطراف.
وتفيد معطيات أن الانتحاريين، كانوا ينتسبون إلى تيار »السلفية الجهادي« عبر خليتي الدار البضاء» التي كان يديرهما على التوالي عبد الحق بنتاصر المدعو «مول السباط»«، وعبد الغني بنطاووس المدعو ب «»الشريف« «ويتعلق الأمر بيوسف عداد وعبد المالك بوزغران، وطارق الفارسي، وابراهيم حمدي ومحمد الصغير السويسي، وعبد الحميد فارقي وعبد الغني الشافعي، وسعيد أمزيل »معتقل» ومحمد منتالا، ومحمد رشيدي، وعبد الفتاح الرايدي.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

      السبت 16 ماي 2015