مرة أخرى تتصرف الحكومة وأغلبيتها باستهتار تام تجاه البرلمان، حيث مررت التصويت على القانون التنظيمي، المتعلق بالعمالات والأقاليم، بأغلبية النواب الحاضرين، والذين لم يصل عددهم، في جلسة 14 ماي الأخير، إلى أغلبية أعضاء مجلس النواب، كما ينص الدستور بشكل واضح وصريح، لا لبس فيه، في الفصل 58، الذي يؤكد أن كل مشروع أو مقترح قانون تنظيمي، يخص مجلس المستشارين أو الجماعات الترابية، يتم التصويت عليه بأغلبية أعضاء مجلس النواب، وليس بأغلبية الحاضرين. لذلك لا نحتاج إلى القول بأن ما حصل، يعتبر فضيحة كبيرة، سواء كان مرده جهل الحكومة بالدستور أو تجاهله، ففي كلتا الحالتين، هناك استهتار لا يغتفر، بالنصوص الدستورية.
فماهي خلفية هذا الاستهتار؟
الجواب لا يتطلب مجهودا فكريا كبيرا، لأننا أمام حكومة، يعتبر رئيسها، خاصة، أن الإصلاحات وفصول الدستور، ليست سوى نصوص، جاءت في سياقات معينة، نسختها، أي ألغتها، الانتخابات السابقة لأوانها، التي حصل فيها حزبه على المرتبة الأولى. لذلك، فقد طويت الصفحة، حسب وجهة نظره، ولم تبق هناك حاجة لقراءة هذه الفصول.
لا يوجد أي تفسير آخر لهذا الاستهتار غير هذا، والذي بدأ من افتعال علاقات التوتر والاحتقار للمؤسسة التشريعية، وتقديم تفسير خاص لسلطة رئيس الحكومة ولتوازن السلط، خارج النص الدستوري، ومغادرة البرلمان دون سند قانوني، خلال الجلسة الدستورية للمساءلة الشهرية… والآن تمرير قانون تنظيمي، في خرق واضح للدستور.
كيف يمكن معالجة هذه الفضيحة؟ لا توجد أي وسيلة، في المرحلة الحالية، لإعادة التصويت، لأن الفقهاء الدستوريين، الذين كانوا يكتبون النص، ويدققونه ويفحصون كل شاذة وفاذة، في صياغته، ويتخذون كل الاحتياطات اللازمة، لم يكن يخطر ببالهم، أن هناك حكومة ما أو أغلبية تحترم نفسها، سترتكب مثل هذا الخطأ الفظيع، ولم يبق الآن إلا ما ستقوله المحكمة الدستورية، التي من اللازم أن تصرح بمدى مطابقة القوانين التنظيمية للدستور، قبل الشروع في تنفيذها.
لقد طوى رئيس الحكومة صفحة الإصلاح الدستوري، فهو غير قادر، هو وحزبه، على التأويل الديمقراطي للدستور، لأن ذلك سيطوي صفحتهم أيضا، لكن أن يتم خرق النصوص الواضحة، فهذا استهتار بدولة الحق والقانون، وانتهاك وإساءة بالغة لمقوماتها ولمكانتها ولصورتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

*  عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

      الاربعاء 20 ماي 2015