من تداعيات الأزمة الأوكرانية وكرد فعل من طرف الاتحاد الاوربي، تم إقرار عقوبات عديدة على روسيا، فرنسا كانت أكثر الدول حماسا لهذه العملية ضغطا على موسكو عندما أعلن قصر الايليزي في 3 ديسمبر 2014 عن إعادة النظر في صفقة بيع البوارج الحربية الفرنسية »ميسترال« لروسيا.
هذه الصفقة تم توقيعها في يونيو 2011 بين شركة »روزبر برونوا إكسبور« الروسية والشركة الفرنسية »إس إسفريكس» بمبلغ 1.2 مليار أورو، الرئيس هولاند ونظيره بوتين اتفقا علي حل هذا الإشكال بالتراضي وفق قواعد تفاوضية بعيدا عن أي ضغط أو استفزاز سياسي.
من هذا المنطلق قدم الكاتب العام الفرنسي المكلف بقضايا الأمن والدفاع »لوكوتي« المقترح الفرنسي لتعويض الكريملن عوض تسليم البوارج الحربية، الجهة الروسية رفضت مبلغ 784.6 مليون أورو مطالبة بأكثر من مليار أورو المقترح المالي ليس وحده مطروحا للنقاش، هناك شروط أخرى يتشبث به الروس أهمها الالتزام بعدم بيع الباخرتين الميسترال إلى دولة أخرى وهي بالمناسبة قاعدة قانونية تتضمنها جل عقود بيع الأسلحة والتي تعني أنه في حالة وقوع الخلاف بين الطرفين يمنع على الجهة التي قامت بإنتاج وتضيع العتاد الحربي المتضمن في العقد بيعه إلى جهة أخرى، بالاضافة إلى هذه الشكليات القانونية هناك تخوف روسي عبر عنه الجنرال يوري ياكبوف وهو مسؤول عالي بوزارة الدفاع الروسية، على أن تجهيزات الباخرتين تم وفق متطلبات تقنية تضم معلومات استراتيجية حول سلاح الجو الروسي مادام أن هذه البوارج المتخصصة في حمل طائرات الهيلكوبتر، هولاند اعتقد في حيثيات منع التسليم العتاد الحربي البحري على مبدأ معروف يتمثل في أن دخول الجيش الروسي إلى الأراضي الأوكرانية حدث طارئ له تداعيات خطيرة على أمن أروبا، هذا التأويل وإن كان مقبولا في القانون التجاري الدولي, إلا أن المشرع ربطه باحترام آجال 180 يوما بدأ من إعلانه رفض التسليم وإلا ستنطلق عملية احتساب فوائد التأخير، خوفا من ذلك الرئيس هولاند حسم الإشكال مع بوتين على هامش الاحتفال بالذكرى المئوية لإبادة الأرمن بالعاصمة ايريزان، هناك اتفق الطرفان على أن الخلاف بينهم سيحل خارج قواعد الالتزامات التجارية والقانونية وأنهم سيعمدون إلى مبدأ التراضي.
حسب المختصين في مجالات التدبير القانوني والمالي لعقود بيع الأسلحة، فإن طلب موسكو كان معقولا مادام أنها دفعت إلى حد الآن للجانب الفرنسي 890 مليون أورو تطالب بأكثر من مليار أورو، تاركا بذلك هامشا للتفاوض الذي ربما سيطول بين الجانبين.
فيما يخص القراءة الاستراتيجية للحدث، فالرئيس بوتين طمأن الرأي العام الروسي من خلال وسائل الاعلام بأن عدم تسليم الباخرتين، ليس له أي تأثير على القوة العسكرية البحرية الروسية، كما أشار كذلك إلى أن التوقيع على الصفقة للحفاظ على ألف منصب شغل فرنسي لمدة 4 سنوات، واستمرار لعملية الطمأنة وأثناء ترأسه لأشغال مجلس الأمن الروسي الذي يضم الشركات الروسية الكبرى في مجال التصنيع الحربي وكذلك صناع القرار في مجالات الأمن والدفاع لم يتطرق إلى موضوع مسيترال مقللا من أهميته.
الطرفان الفرنسي والروسي واعيان بأهمية سوق الأسلحة, لاسيما في السنوات الأخيرة نتيجة ظهور بؤر توتر عديدة في العالم، ينافسون الولايات المتحدة الأمريكية, لذلك فالكل من جانبه يسعى للحفاظ على مصداقيتها كبلد يتحكم في التكنولوجيا العسكرية وله قدرة على تطويرها بشكل منتظم, بالاضافة إلى التشبث باحترام التزاماته التعاقدية، فبقراءة بسيطة في أرقام مبيعات الأسلحة نجد أنه في نونبر 2014 وقعت فرنسا مع المملكة العربية السعودية على صفقة وصلت إلى 3 مليار دولار لإعادة تأهيل وتجهيز الجيش اللبناني خوفا من الخط السوري، وإذا كانت الهيمنة الامريكية على السوق الخليجي واضحة بحيث بلغت مبيعاتها لدولة الامارات ما بين 2008 و2011 حوالي 7.2 مليار دولار، فإن موسكو تأتي في الرتبة الثانية بقيمة 891 مليور دولار بينما تحتل فرنسا الرتبة الثالثة 818 مليون دولار.
من هذا المنطلق، فإن باريز وموسكو اتفقتا على مقاربة توافقية بطي الخلاف حفاظا على مصالحهم في مجال يساهم في ضخ ملايير من الدولارات في اقتصاديات الدولتين.

*الخميس 21 ماي 2015