منذ الغزوة الكولونيالية الأمريكية- البريطانية للعراق، في مارس (آذار) 2003، انقلبت الأحوال سافلُها على عاليها، في بلادنا العربية، وتبدلت الأولويات والخيارات كما لم يسبق أن تبدّلت في تاريخنا الحديث حتى لَكَأنّنا أصبحنا غير ما كُنَّا أمس!

العدوّ أمسى صديقاً، والصديقُ عدواً، والداخل الوطني في أي بلدٍ عربي صار مزدحماً بالتناقضات والصراعات المفتوحة على المجهول، وكل يركَب فيها غرائزه الحيوانية وعصبياته الأهلية ليذهب بنفسه والوطن إلى المهلكة! ولم تكن الدماء الغزيرة، التي سالت في هذه الحقبة العجفاء، أكثر ما طبع هذه المرحلة الجديدة من الانحطاط – فلقد كان سفْكُ الدم من تفاصيل يوميات التاريخ العربي الحديث منذ دخلت الحركة الصهيونية «على خطه»- وإنما أكثر ما طبعها أن هذه الشلاّلات من الدّم فجرتها صراعاتٌ عبثية لا قضية لها سوى القتل والإفناء المتبادل، في امتداد فقدان البُوصلة وتزوير الأولويات!

لم يعد الصراع اليوم، في منطقتنا، بين العرب والكيان الصهيوني، وإنما بين «السُّنَّة» و«الشيعة» داخل الجماعة الوطنية نفسِها وداخل الأمة نفسِها! «إسرائيل» ترفل في نعيم الأمن والطمأنينة، كما لم ترفل فيهما يومًا، وهي تشاهد العربَ يقاتلون العرب باسم المذهب والمَشْرب، والجيوشَ المعدة لمقاتَلَتِها تستنزف في حروب المدن والشوارع في مصر وسوريا ولبنان، ومئات آلاف الشباب العرب يتدرّبون ويتسلحون لا من أجل مقاتلة جيشها المحتل، بل من أجل بناء إمارات صغيرةٍ هنا وهناك عى أنقاض وطنٍ ممزَّق ودولةٍ مدمَّرة! ما أُنْفِق في هذه الحرب المذهبية النكراء، من أجل تحقيق الهباء، أعظم بكثير مما أُنفِق في الحروب مع «إسرائيل»، وما لَحِقَ أوطاننا واقتصادنا وأرواح شعوبنا من خسارات فادحة، في هذه الحرب المذهبية النكراء، أعظم بكثير – وأشدّ وطأةً علينا- من الخسارات الناجمة من حروب ««إسرائيل»» علينا!

الأنكى والأمَرّ أن حروبَنا الداخلية لم تُرِحِ الدولة الصهيونية فحسب، ولم تمنحها رخصة مفتوحة للقيام بالمزيد من الاستيطان في الضفة الغربية والقدس فحسب، وإنما قادتِ الحروبُ تلك بعضَ تنظيماتها «الجهادية» وأمرائها إلى محالفةِ «إسرائيل»، والتحرك على حدود احتلالها للجولان بحرّية كاملة، وبحمايةٍ من مدفعيتها، وأمست مستشفياتها في فلسطين المحتلة ملجأ لجرحى «المجاهدين»، مثلما بات الجرحى محطَّ عنايةِ، وزيارةِ، قادة الإرهاب في «إسرائيل»! في الوقت عينِه الذي لم يعد يتحرج فيه بعضُ «المعارضين» «العلمانيين» من زيارة الدولة العبْرية، علانيةً، وإجراء اللقاءات التلفزيونية فيها، وكيْل المدائح لها ولمساندتها «الثورةَ»، وتسميتها حليفًا وصديقاً.

وما خفيَ أعظم!

مَن – وما الذي- أوصلنا إلى هذه الحال التي نقاتل فيها بعضَنا بعضًا، باسم الطوائف والمذاهب والأعراق، ونبدّل فيها وجهة البنادق من العدوّ (الصهيوني) إلى «عدوٍّ» داخلي مفتَرض؟ مَن ذا الذي زوَّر معنى الجهاد من واجبٍ لتحرير الأرض والمقدسات من قبضة الغاصب إلى «جهادٍ» في دماء المسلمين والمواطنين من أجْل مَغْنَمٍ سياسيٍّ حقير؟ ما من شكٍّ في أن مسؤولية الأجنبي والعدوّ الصهيوني كبيرةٌ في هندسة حروبنا الداخلية، وفي تزوير أولوياتنا الوطنية والقومية، وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية في مجتمعاتنا.

ليس لنا أن ننسى ما فعلتْه «إسرائيل» في لبنان، طوال حربه الأهلية الداخلية بين عام 1975 وعام 1989، وكيف كانت تحرّض طوائفه على بعضها لتمزيق البقية الباقية من نسيجه الوطني. كما ليس لنا أن ننسى ما فعله الاحتلال الأمريكي للعراق بهذا البلد ونسيجِه الاجتماعي، ووحدتِه الوطنية، حين فجّر الغرائز المذهبية بين أبنائه، فقسَّم الشعب على حدود المذاهب والأعراق، وسعى في إلغاء رابطة العروبة فيه حين لم يَعُدِ العراقيون، في عُرفه، عرباً بل شيعة وسنّة وأكراد! وقطعاً ليس لنا أن ننسى كيف أسهمت إيران بسياستها في تعميق ذلك التقسيم المذهبي فيه من خلال محالفتها فريقًا ضدّ فريق.

غير أن الذي لا مجال لتجاهُله، في هذا المعرض، أن أقساطنا في المسؤولية عن تفجير نزاعاتنا الأهلية – الطائفية والمذهبية والأقوامية- لا تَقلّ فداحةً عن مسؤولية الأجنبي والعدوّ الصهيوني.

وهذه بيانات مقتضبة نضعها في شكل أسئلة:

مَن فجّر المسألة العرقية في السودان، ألم يكن نظام جعفر نميري الذي دفع جان غارانغ والجنوبيين إلى التمرد؟ ومن دفع النزاع بين شمال السودان وجنوبه إلى الاستفحال وصولاً إلى الانفصال والتقسيم؛ ألم يكن «نظام ثورة الإنقاد»الحالي؟ ومَن حاول تفجير المسألة الطائفية في مصر، من طريق الاعتداء على المواطنين الأقباط والمؤسسات القطبية، ألم يكن نظام حسني مبارك ونظام محمد مرسي، ومعهما الجماعات الإسلامية المتطرفة؟ ومَن دمَّر علاقات الأخوّة والمواطنة بين اللبنانيين، وتلاحمهم في المعركة الوطنية المديدة ضد «إسرائيل»، من خلال النفخ في جمر الخلاف بين «السنّة» و«الشيعة»، ألم نكن نحن أيضًا: مثلنا في ذلك مثل «إسرائيل» والسفارات الأجنبية في بيروت؟ وهل كنّا بعيدين أيضاً عن أسباب سوء العلاقة بين أبناء الوطن الواحد في أكثر من بلدٍ عربيّ تمزقه النزاعات الأهلية (مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة مثلاً لا حصراً)؟ ثم ألم يكن الإعلام العربي وفضائياته التحريضية مسؤولاً عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية في المجتمعات العربية، من طريق ترسيخ مفردات تقسيمية في الذهنية العامةً.

وهي تنبهنا إلى مخاطر التمادي في الانخراط في هذه الفتنة الجماعية ولو باللسان: أي ولو باستعمال المفردات المذهبية البغيضة.

نحن لسنا كما يريدوننا أن نكون: شيعة وسنَّةً ودروزاً وعلويين وزيدية وإباضية وإسماعيلية وموارنة وكاثوليكاً وأرثوذوكساً وبروتيستانتيين وأكراداً وشركساً وأمازيغ…، نحن عرب ومسلمون: فقط وفقط.

* عن  موقع التجديد العربي

  الاربعاء 27 ماي 2015