أحزاب الحركة مرة تنحسر، مرة تحكم، ومرة تعارض، توحد
وتشتت الأحزاب والحكومات، تنفجر ثم تلتئم وهي نفسها تخضع لنفس الدورة التي تُخضع لها الآخرين

عرف المشهد السياسي في المغرب تحولات عميقة،همت إعادة انتشار الحزب الاغلبي، او حزب الدولة الموكول إليه دوما مهمة حفظ الاستمرارية ، من داخل متغيرات شكلية ومتحكم فيها، وفي سياق البحث عن اللاعبين وإعادة ترتيب المشهد يوجد حزب اسمه “الحركة” لعب في كل المراحل نفس الدور، فهو حزب يكبر مرة وينحسر مرة أخرى, يحكم ويعارض يوحد ويشتت الأحزاب والحكومات، ينفجر ثم يلتئم وهو نفسه يخضع لنفس الدورة التي يخضع لها الآخرون. لعب الحزب دورا أساسيا في إدماج الإسلاميين في المشهد الحزبي، وقاد مصالحات بينهم أو تجميعهم بشكل أدق لا يطرح سوى شعارات كبرى ولا يلتقي معهم في أي شيء آخر.
لم تتخذ الدولة في المغرب حزبا حاكما كما هو الحال في الأنظمة الأخرى, لكنها طالما وقفت إلى جانب ما يسمى ب”الحزب السلطوي أو الأغلبي”. وهو حزب وظيفي، بمثابة ”جماعة وظيفية” تقوم بأعمال لا ترغب السلطة في ممارستها لتحافظ ولو صوريا على حيادها. وهي أعمال تكون في الغالب غير مشروعة ولا قانونية، أو تعرقل الديمقراطية وتسيء إلى السياسة، مثل ضبط لوبيات وجماعات وظيفية أخرى لا تريد الدولة أن يتفاحش نشاطها ويتزايد نفوذها بما يتجاوز الحدود المسموح بها.
وقد لجأ المغرب إلى الحزب الأغلبي منذ 1963 حين تم إعفاء أحمد رضا اكديرة من وزارة الداخلية ليؤسس ما سمي جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك)، وهي تجربة رافقها تطورات سلبية حينها، تتمثل في أحداث دموية، وإعلان ألاستثناء وتراجعات في دستور 1970 ثم تراجعات في قانون الحريات العامة، وفي محاولتين انقلابيتين، وانتهاكات جسيمة لحقوق ألإنسان.
حزب الحركة كان ضمن فيلق رضى اكديرة, متزعم حزب افديك بعد ان غادر وزارة الداخلية والديوان الملكي وأقدم في 20 مارس 1963 على تأسيس ”جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”، وهي جبهة كانت تتشكل من حزب الأحرار المستقلين، والحركة الشعبية وحزب الدستور الديمقراطي وعدد من الشخصيات المستقلة. والتي كان التنسيق بينها يرجع إلى سنة 1958 حين تقدمت الحركة الشعبية وحزب الأحرار المستقلين وحزب الشورى والاستقلال الذي أصبح حزب الدستور الديمقراطي إلى الملك بمذكرة من أجل إصدار قانون الحريات العامة. ثم تطورت العلاقة في 15 ماي 1960 حيث أبرمت الحركة الشعبية وحزب الدستور الديمقراطي برتوكولا للوفاق والوحدة يطالبان بإقالة حكومة عبد الله إبراهيم وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والتزما بعدم المشاركة في أي تشكيلة حكومية إلا إذا تم تمثليهما معا، وقد لعب اكديرة دورا محوريا في توقيع البروتوكول. وهي الأحزاب نفسها الثلاثة التي نسقت فيما بينها ضد أن يتولى علال الفاسي رئاسة مجلس الدستور.
اكديرة تحول الى اشتراكي إذ اسس ”الحزب الاشتراكي الديمقراطي” لكنه ”جبهة الدفاع” فشلت في خلق أغلبية حكومية مستقرة, حيث ما كاد يحل شهر ماي 1965 حتى تخلى عنه جل مؤسسيه”. وهكذا تلاشى ”الفديك” او انتهت صلاحيته بالمعنى الادق وتم رسم خارطة طريق جديد لاعادة الانتشار.
مؤسس الفديك الدكتور الخطيب الحركي الأصلي ابتلع
حركة الإصلاح والتجديد سنة 1996 عبر مسارين. أولهما انضمام مجموعة من قيادييها وأطرها (الجناح السياسي) إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية في يونيو 1996. بعد مؤتمر استثنائي .وثانيهما توحيد حركة الإصلاح والتجديد مع رابطة المستقبل الإسلامي في 13 مارس 1996 ويعد انضمام مجموعة أطر وقياديي الإصلاح والتجديد إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بداية حقيقية للتسييس العلني والمباشر لتيار المشاركة من الحركة الإسلامية, وبالتالي انتقالها من حركة ثقافية دينية إلى حزب سياسي, ستعزز قواعده خاصة بعد المؤتمر تم فيه استبدال اسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية إلى حزب العدالة والتنمية.
وكانت الفترة تعرف نهاية الغزوات التعزيرية التي خاضتها الاطراف نفسها في الجامعات وخلفت رعبا حقيقا في الوسط الجامعي وتناثرت دماء مازالت عالقة بين عدالة القانون وقانون العدالة المعلقة، في العالم الاخر.
في ظل المخاض الاصطناعي لولادة حزب العدالة والتنمية كانت ، نبتة اخرى تزرع تحت مسمى حزب النهضة والفضيلة،وتحت نفس اليافطة المرجعية الإسلامية، وكان أمينه العام “محمد خليدي” حاضرًا عام 1996 في المؤتمر الاستثنائي
واعتبر “محمد خليدي” منشقا عن حزب العدالة والتنمية ليقود حزب النهضة والفضيلة الذي ظل حضوره ضعيفًا في الساحة السياسية المغربية حتى بداية شهر أكتوبر عام 2011؛ حيث فوجئ الرأي العام المغربي بانضمام هذا الحزب الإسلامي الصغير إلى التحالف الانتخابي لمجموعة الثمانية بقيادة الاصالة والمعاصرة، وبعد ان خرج الفضيلة خاوي الوفاض من الانتخابات وتشتت السبل بمجموعة الثمانية ، دخل الحزب في سبات عميق.
إلا أنه عاد مجددًا إلى واجهة المشهد السياسي، بعد مرور سبع عشرة سنة على تجربة إدماج الجيل الأول من الإسلاميين في الأحزاب السياسية، حيث استطاع إقناع مجموعة من القيادات السلفية المنتمية إلى ما يسمى “السلفية الجهادية” بالاندماج والمشاركة في الحياة السياسية الحزبية. وقد رحب إسلاميون به وهاجمه إسلاميون آخرون، وتوقع له بعض الإسلاميين السلفيين عدم النجاح، يبقى ان زعيم الحزب له علاقات وأسرار مع الراحل الخطيب لا يرجح منها الا مسار دمج الاسلاميين في المشهد السياسي، وتاريخ مرتبط من جذوره بالموقف من الحركة الوطنية وما تمخض عنها من مسارات سياسية واقتصادية واجتماعية والمشاريع الوطنية، في مغرب كان يخرج رويدا من دائرة النفوذ الاستعماري في الشمال والجنوب والوسط من استعمارين اسباني وفرنسي وعبر اتفاقات ومعارك، انتهت وظهر لاعبون جدد لم يكونوا في الاصل في جهة الوطن على الاقل.

السلفيون المدمجون او المندمجون هم من الذين اعتُقلوا بعد التفجيرات التي شهدها المغرب في 16 مايو عام 2003، وغادروا السجون في دفعة أولى ضمت “محمد الفزازي” و”عبد الكريم الشاذلي” سنة 2011، وضمت الدفعة الثانية “حسن الكتاني” و”عبد الوهاب رفيقي” و”عمر الحدوشي” في فبراير 2012، وقد أُفرج عن هذه الفئة التي اعتُبرت من حاملي الفكر الجهادي والمحرضة على “الارهاب “القتل وبعد ملفات ثقيلة توبعوا بها امام المحاكم.
واعتبر العفو عن “الفيزازي” و”الشادلي” وبعد فترة “الكتاني” و”الحدوشي” و”عبد الوهاب رفيقي”، أن الدولة أفرجت عن القيادات الفكرية القادرة على تأهيل واستيعاب السلفية الحركية ألاحتجاجية واستباق القادمين الذين سيفرج عنهم خلال السنوات القادمة بعد قضائهم للعقوبات السجنية.
وبعد مسار الحوارات السرية والعلنية داخل السجون، من طرف اجهزة الدولة، مع السلفيين وصدور عدد من المراجعات عمد
الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة إلى إعادة بناء تجربة منتصف التسعينيات، بتوظيف الآلية الحزبية للإدماج، بعد مخاض طويل من المفاوضات، انطلق من داخل السجون وحسب عدد من المحللين فقد”
تحقق للدولة مكاسب من دخول السلفيين إلى الحقل الحزبي، وانتقالهم من مجال الدعوة إلى مجال السياسة؛ فالتيار السلفي في المغرب تيار مشتت، وكثيرًا ما وُصف بالسلفية الجهادية كنعت أو تسمية أمنية. والدولة باندماج بعض السلفيين في حزب سياسي قائم تكون قد وجدت آلية للحوار مع شتات السلفيين الموجودين في مجال الدعوة، أو السلفيين الذين بدؤوا في مغادرة السجون بعد قضائهم عقوبة عشر سنوات في السجن بعد أحداث الدار البيضاء عام 2003، وتظهر المعطيات الميدانية أن الكثير منهم قد اعتُقل وهو بدون مستوى تعليمي أو بمستويات تعليمية بسيطة، وقد مكنته سنوات السجن من التحول إلى داعية مفترض بعد خروجه.
 وفي نفس الوقت, فان اغلب السلفيين المندمجين ضمن القيادة الحالية لحزب النهضة والفضيلة قد يسعوا الى تحويل الحزب إلى تنظيم سلفي يمارس الدعوة في الحقل السياسي، وهو ماقد يدفع إلى مواجهة بين الدولة والسلفيين المندمجين، قد تعمد معه السلطة إلى استعمال التدابير المنصوص عليها في قانون الأحزاب السياسية، ومنها الجل في حالة الانزلاق.
بعد هذا المسار كانت المفاجأة الجديدة حزب الكومسير السابق، والمعروف بتهمة الجلاد وصاحب اشهر بطاقة، مقاومة في المغرب، يعمد من جديد الى الخروج، عبر ورقة الاسلاميين، ودمجهم من جديد حتى ان
ما يقع اليوم شبيه بما وقع بالأمس، فبعد أن انشق أب الرئيس الحالي للحزب محمود عرشان عن الحركة الشعبية، أسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الذي يحاول استقطاب التيار السلفي بالمغرب ودمجهم داخل حزب النخلة الفاشل انتخابيا منذ تأسيسه وتقدم ).
الملتحقين بحزب عبدالكريم الشاذلي، أحد أبرز وجوه السلفية الجهادية، الذي سبق أن حكم بـ 30 سنة سجنا نافذا على خلفية أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، قضى منها 8 سنوات، قبل أن يمتع في 2011 بالعفو الملكي، وعبد الكريم فوزي، رفيق عبد الكريم مطيع في المنفى، والقيادي سابقا في حركة الشبيبة الإسلامية، الذي عاد أخيرا من المنفى، وإدريس هاني، أحد أبرز المنظرين للفكر الشيعي بالمغرب، وأعلن عرشان الابن ان العملية تطلبت خمسة اشهر من المفاوضات قبل النضج، ولم يعلن عن اية ارضية سياسية او مراجعة فكرية مما يعني ان الادماج رسالة جديدة في الحقل السياسي المغربي قد تبعثر العديد من الاوراق، حيث روجت بعض وسائل الاعلام انه من المتوقع أن يترشح أزيد من 100 سلفي من أتباع عبد الكريم الشاذلي للاستحقاقات المقبلة، باسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية، إذ يستعد البعض منهم للترشح في مختلف المحطات الانتخابية المقبلة، فيما تأكد أن كبار الملتحقين بالحزب لن يترشحوا، غير أنهم سينزلون إلى الميدان، لمساندة مرشحي الحزب في مختلف الدوائر” هذا الادماج بالجملة كشفت بعض المصادر انه يضم شيعة مغاربة وانصار مطيع المتابع في اغتيال الشهيد عمر بنجلون، حيث يتحدث عن مئات السجناء طلبوا الالتحاق جماعة وافراد، في اول سابقة في المغرب.
تبقى الحركة حركات ومسارات ولكن الادوار نفسها، والاختيارات نفسها،وهي مؤشرات لفهم الواقع ,لكن في ظل دستور جديد مازال يتلمس طريقه للتنزيل، وظهور معيقات تشريعية تفرمل الاصلاح.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   السبت 30ماي 2015