تشهد الخرائط السياسية العالمية تغييرات كل ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن، وعادة ما تكون الإضطرابات الداخلية وسط البلد الواحد والإقليمية في وسط أوسع، مقدمة لهذه التغييرات الجيوسياسية.
وبدأت كل المؤشرات تدل على توجه نحو تغيير في الخريطة السياسية العربية، فالمخاض السياسي والتضارب الثقافي والصراع الإثني والاستقطاب الطائفي السني- الشيعي الذي تعيشه البلدان العربية سيكون من نتائجه تبلور خريطة سياسية جديدة، وإن كان السودان قد سجل الحلقة الأولى بعدما فقد الشطر الجنوبي. والتساؤلات تستمر حول دول أخرى وهي العراق وسوريا وليبيا واليمن التي تفتقد لسلطة مركزية وبالتالي سيترتب عنها فقدان الحدود السياسية، والمثال السوري يعتبر الأبرز.
وتعتبر منطقة البحر الأبيض المتوسط، وامتداداتها شمالا في أوروبا وجنوبا في المغرب العربي وشرقا في الشرق الأوسط، المنطقة التي تسجل ومنذ نهاية القرن التاسع عشر تغييرات جيوسياسية كبرى من خلال تفكك دول وظهور كيانات أخرى. ومن خلال النظر على خريطة هذه المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، تتضح التغييرات التي حدثت وخلفت خريطة سياسية تتغير باستمرار، استمرار يكاد يحدث من جيل إلى آخر. فقد تغيرت الخريطة السياسية الأوروبية في الحرب العالمية الأولى بإنهيار واختفاء إمبراطوريات، وتغيرت في الحرب العالمية الثانية كما مع سقوط جدار برلين، وحصل كل هذا ما بين 1914-1991، في أقل من تسعين سنة، أي ثلاثة أجيال فقط.
ومن العوامل التي تعتبر مساهمة بشكل فعال في تغيير الخريطة السياسية لمنطقة معينة تعدد الثقافات والإثنيات وتضارب المصالح الاقتصادية، وهذا ما يفسر انفجار حربين عالميتين في القارة الأوروبية بينما لم تنفجر في القارة الأمريكية بشمالها وجنوبها حيث تهمين ثقافتين، الأنكلوسكسونية شمالا واللاتينية جنوبا.
والتعدد الأثني والثقافي الذي يصل إلى مستوى المواجهة ويمتد عبر حقب طويلة مثلما هو الشأن في أوروبا ومجموع البحر الأبيض المتوسط، يساهم باستمرار في صنع الخريطة السياسية. وتسجل أوروبا الآن محاولات تغيير، فقد ظهرت كوسوفو والجبل الأسود، وهناك محاولات في اسبانيا عبر كتالونيا واستمرار حلم سكوتلندا بالانفصال عن المملكة المتحدة، والنزاع الصامت في كورسيكا الفرنسية وشمال إيطاليا كذلك، وآخر حلقة هي ما تشهده أوكرانيا.
وعلى شاكلة أوروبا ومنها المتوسطية، يشهد العالم العربي في الوقت الراهن بوادر خريطة سياسية جديدة آخذة في التشكل. ومنذ القرن التاسع عشر، وحتى الوقت الراهن شهد العالم العربي خريطتين سياسيتين رئيسيتين، لم تساهم الشعوب في تشكيلهما لأنها من نتاج عوامل خارجية، لكن الثالثة مرتبطة بعوامل داخلية أكثر منها خارجية دون التقليل من قوة وتأثير الأخيرة.
والخريطة الجيوسياسية الأولى منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم هي التي شكلتها الإمبراطورية العثمانية بعدما قسمت العالم العربي إلى ولايات، ورسمت واختلقت بذلك الحدود التي ستقوم عليها الدويلات العربية مستقبلا، وعندما بدأت تسقط هذه الدويلات سقطت وفق هذه الحدود، كما حدث في الجزائر عندما استعمرتها فرنسا سنة 1832.
والخريطة السياسية الثانية هي التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو واتفاقيات لاحقة عندما اقتسمت فرنسا وبريطانيا منطقة الشرق الأوسط في بداية القرن العشرين رفقة اتفاقيات سابقة حول شمال إفريقيا منها اتفاقية مدريد حول المغرب في أواخر القرن التاسع عشر. وعندما استقلت الدول العربية، كانت حدودها السياسية، وهي الحالية التي لم تشهد تغييرات جذرية بعد، من إنتاج مقص الدول الاستعمارية الكبرى، كما حدث في الشام والخليج ولبنان والأردن.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأ العالم العربي يسجل إرهاصات حقيقية نحو بلورة خريطة سياسية جديدة، وهناك منعطفان رئيسيان، الأول هو الحرب الأمريكية- البريطانية ضد العراق وما يترتب عنها حتى الآن من اضطرابات، والمنعطف الثاني هو إفرازات الربيع العربي.
وقد تسببت الحرب الأمريكية- البريطانية في تغيير جذري في العراق بانتقال السلطة من نظام سني يرفع شعار التقدمية بزعامة صدام حسين إلى نظام شيعي، وهذا جر إلى تقوية الدور الإيراني في المنطقة بأكملها من لبنان وسوريا إلى اليمن علاوة على العراق. وبالتزامن مع هذه الحرب، كان المحافظون الجدد في واشنطن يرغبون في خريطة سياسية جديدة للعالم العربي عبر ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» الذي لم ينجح لكنه لم يغب عن أجندتهم نهائيا.
وعلاقة بإفرازات الربيع العربي، فقد انتعشت في العالم القوميات الإثنية والثقافية والدينية ومنها الشيعة أساسا ومطالب بعض الأقباط  الذين يحلمون بدولة مستقلة في مصر. وهذه المطالب هي المحرك التاريخي لأكبر التغييرات السياسية. وبدأت هذه القوميات المختلفة تطالب بإصلاحات سياسية تحترم حقوقها بما في ذلك اعتماد أنظمة جديدة مثل الكونفدرالية وتقرير المصير، وتستغل قوى أجنبية هذه المطالب في محاولة للتحكم في التطورات.
وتتزامن هذه المطالب مع تراجع دور الدولة الوطنية في العالم العربي التي لم يسبق أن كانت قوية نهائيا في الماضي. ويؤكد خبراء جيوبولتيك أنه إذا اجتمعت مطالب القوميات واتخذت شكلا عنيفا بسبب غياب آليات الحوار وتقاليد التفاوض فانتظر ظهور كيانات جديدة مستقبلا.
وتعتبر أكبر تجليات هذا الوضع في دول مثل ليبيا وسوريا والعراق ومؤخرا اليمن، وتتخذ شكل الإثنية الثقافية- العرقية مثل حالة الأكراد في العراق وسوريا، والمظهر الديني والإثني العرقي في دول مثل لبنان واليمن وسوريا. وعليه، فالخريطة السياسية العربية تتغير بالتدريج، ولعل أكبر تجلياتها هي كالتالي:
في المقام الأول:  تراجعت مساحة السودان سنة 2011 بعد انفصال الجنوب في أعقاب حرب بين المسلمين والمسيحيين، فهي حرب دينية محضة. وعليه فإن العالم العربي ما قبل 2011 ليس هو ما بعد 2011. وفقد السودان 619 ألف كلم مربع، وهي مساحة تفوق مساحة دول مجتمعة مثل الأردن وسوريا ولبنان ودول الخليج باستثناء العربية السعودية. وتبقى خريطة السودان مهددة في شرق البلاد بسبب نزاعات إثنية في دارفور.
في المقام الثاني، توجد الآن دولتان عربيتان لا تسيطران نهائيا على حدودهما وتفتقدان لسلطة مركزية وهذا يدوم منذ سنوات: وهي العراق وسوريا، فالبلدان تحت رحمة قوى سياسية كلاسيكية تعتبر نفسها شرعية  ونفوذها يوجد فقط في العاصمة ومناطق أخرى. وهذا السيناريو سيدوم زمنا وقد يولد كيانات أبرزها الأكراد شمال العراق وتفتت سوريا إلى دويلات غير، حيث بدأت سوريا تأخذ ملامح سيناريو يوغوسلافيا التي ستفرخ دولا.
المقام الثالث، يعود شبح الإنقسام إلى اليمن في أعقاب التطورات الأخيرة التي تفاقمت مع «عاصفة الحزم» حيث بدأ يتحول إلى يمن شمالي قريب من إيران ويمن جنوبي قريب من دول الخليج وعلى رأسها السعودية. وعمليا، اليمن الآن مقسم في انتظار عودة سيناريو الدولتين ما قبل التسعينيات.
وتبقى ليبيا الحالة الأصعب، فلم يحدث الانفصال الفعلي وظهور كيانات حتى الآن بسبب المساعي الدولية المكثفة مؤخرا وكذلك بسبب وجود جيران أقوياء يضمنون حتى الآن الحدود الليبية.
 قراءة الأحداث العربية من إنفجار الإثنيات والصراع الديني والاستقطاب الديني الإقليمي سنة- شيعة ما بين بداية القرن الواحد والعشرين والتكهنات بما قد تسجله نهاية العقد الجاري أو حتى منتصف المقبل علاوة على التطورات العالمية نحو عالم متعدد الأقطاب تفرضه مصالح جيوسياسية جديدة، وبالتزامن مع غياب ثقافة الحوار وآليات التفاوض، يؤكد حتمية تغييرات سياسية كبرى تحدث الآن ومرشحة للتفاقم مستقبلا.
وكل هذا بدأت تترتب عليه تغييرات في حدود الدول العربية ستتبلور على المدى والبعيد وهو ما سيفرز «الخريطة الجيوسياسية الثالثة للعالم العربي» بعد خريطة الدولة العثمانية وخرائط التقسيم التي فرضتها فرنسا وبريطانيا بداية القرن العشرين.
 
٭ كاتب من المغرب

د.حسين مجدوبي

* عن موقع القدس العربي
نشر بها 15 ابريل 2015