مصطفى المتوكل / تارودانت

   الاربعاء 3 يونيو 2015

 

جاء في صحيح مسلم ..قال النبي( ص):” آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.”

و قال عمر بن الخطاب (ض) : «بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع»

ان الحديث عن الكذب يجعلنا امام  تنوع فضاءاته ومجالاته ومرجعياته ونوايا اصحابه  حيث يتنافس ويتبارى على تجديده وتنميقه وتعميمه  “الناشطون” في متاهاته بغض النظر عن طبقتهم ومستواهم المعرفي ونفودهم السياسي او الاقتصادي وحتى الديني …وحتى لانبالغ ان سميناه “علما” و “فنا” فسنطلق عليه  مرض  امتهان الكذب الذي  يتاثر به ويتفاعل معه  من لا توجد عنده مناعة ووعي وقدرة على التمييز  بين الحق  الذي اريد به باطل والباطل …

ان من يفقد الحجة للدفاع عن ادعاءاته وافكاره  يلجا الى تقمص  الشخصية الملائمة لتمرير  الباطل  …كما يلجا الى صناعة الاحداث والوقائع والافكار والصاقها بالاخرين وخاصة من يعتبرهم خصوما او منافسين او اعداء..فيوهم الناس بان هناك مؤامرات وحساد يتعمدون  استهدافه  …ولهذا نجد في حياتنا اليومية من اصبح  يمتلك خبرة في تطويل اللسان في تحطيم للارقام القياسية في انواع الكذب والبهتان والافك ..بهدف  صناعة شخصية ما  او كسب متعاطفين ومتبنين  لا فكارها ومواقفها وممارساتها  فيعمد البعض  عن سبق اصرار على ان يفتري  لنفسه اولا وعلى الناس وحتى على الله  ورسوله  عند الضرورة باعتماد مقولة الغاية تبرر الوسيلة  .. دون ان يرف لهم جفن  ولا  ان يؤنبهم ما بقي عندهم مما يسمى ضميرا او وعيا  …

ولتنشيط الذاكرة …لا بد من ان نتحدث  بايجاز عن  بعض انواع الكذب ودرجاته  كما وقف على ذلك اهل العلم والدين ..

* الكذب على الله الذي يكون بالشطط والتشدد والغلو والتكفير ..وتحريف  فهم وافهام الدين ؟…قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة  الأنعام.

* الكذب على الانبياء ومنهم الرسول  صلى الله عليه وسلم  والذي قال في هذا الصنف : «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» متفق عليه .

*الكذب على الناس كافة .. وهذا يشمل المجالات السيئة في السلوك والممارسات والاقوال حيث  توظف فيه كل “المهارات” ؟ ..التي قد تخلق عداوات بين الافراد والجماعات وبين المؤسسات والحكام.. وقد تتسبب في ازمات وكوارث اقتصادية ومالية وسياسية وعسكرية و… ويمكن اعتبار هذا النوع هو الاشد خطرا وفتكا بكل المكتسبات وبالتطور بجميع انواعه …

ونذكر من هذا النوع ما ينهار به العدل وينصر به الظلم وتنتزع به حقوق الناس ..اي شهادة الزور والتي صنفت من اكبر الكبائر وفيها  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ .)

*الكذب بنسبة كل ماهو جميل وناجح الى نفسه او اهله وان  الفضل له او لهم في كل ما ينعم به الناس ولو كان من عند الله  … : وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من ادَّعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوَّأ مقعده من النار» 

*  الكذب في الكلام  كان في امور الحوار او المواعظ او في مطلق الموضوعات ..عن أبي هريرة أنه قال: قال عليه السلام: “بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع” رواه مسلم…

*المبالغة في الإطراء والمدح بتضخيم الايجابيات وان قلت او انعدمت  وبالتغطية على الاخطاء وان كانت جسيمة …فعن المقداد رضي الله عنه، قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب))

*ويمكن لنا ان نضيف الكذب السياسي …ولنتساءل في هذا السياق  ..هل الحكومة تكذب .؟..وهل الاحزاب السياسية والنقابات يكذبون ؟وهل  المسؤولون يكذبون …؟؟

 ان اضافة “الحكومة لاتكذب ” او  “الاحزاب لاتكذب”   الى كلمة  يستمع لها  العام والخاص  في حلقة ذكر او في جمع او على الاثير  وربطها بمقاطع من معاني حديث نبوي امر لايستقيم والمنطق السليم  لان في نفي الكذب عن الحكومة اعلان  ضمني وصريح بنسبته الى غيرها ..؟وفي هذا مجازفة شرعية وسياسية وعلمية غير مضمونة النتائج …

لهذا ينصح كل السياسيين بالحكم والمعارضة ان ينتبهوا الى تصريحاتهم ومن الاحسن ان يكتبوها ويختصروها ويشحنوها بكل ما هو مفيد وجامع ..  ومن هنا فقد تطالب الاحزاب بتبيان كذب الحكومة او الحكومة بالكشف عن كذب الاحزاب  ..مما قد يجعل البعض من  الناس  يستنتجون ان كلا الطرفين يكذب …وهذا    قد  يتسبب في صراعات وفقدان للثقة والقطيعة والانزلاق   الى متاهات ومشاكل سببها تكلس  بالفكر مع عدم تحكم في اللسان وعصبية مقيتة …ففي مثل هذا قال الرسول الكريم … (لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيمَ قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) أحمد

و جاء في حديث عن معاذ (ض)  “…قال .قلت يارسول الله .اخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار .  ثم قال : ” ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ ” قلت : بلى يا رسول الله ، قال : ” رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ” ، ثم قال : ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ ” قلت : بلى يا نبي الله ، فأخذ بلسانه فقال : ” كف عليك هذا . فقلت : يا نبي الله ، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم ؟

ان عدم الوفاء بالالتزامات والوعود والاخلال بالمواثيق يمكن ان يصنف في حالات  بالكذب من اجل انتزاع عطف الناس وكسب ثقتهم .. ثم ان  بعض التصريحات التي تدلي بها الحكومات  وبعض الاحزاب  والتي تتناقض مع الواقع في حينها او بعد زمن  قد توصف   بالكذب وتنعث بالكاذبة  ؟…

فاذا رجعنا الى البرامج الانتخابية والتصريحات الرسمية وبحثنا ما تحقق منها لوجدنا ان اغلبها او البعض منها  لم يتحقق..فكيف سيصنف المحللون ذلك ..هل هو عدم وفاء ..او فشل في التدبير  ..؟ ام ان  ما كانوا يقولونه مجرد اضغاط احلام ؟ ام كذب انتخابوي سياسوي مشروع ؟..

فاذا كان  بعض  علماء النفس   يعتبرون الكذب عند الاطفال من علامات الذكاء والقدرة على تدبر جملة من المشاكل والوقائع التي تعترضهم …فانه وبشبه اجماع  العقلاء  قالكذب عند  الكبار من علامات نقصان  الاهلية  .. خاصة ان تعلق الامر بالبعض من اهل الحل والعقد  …

ونختم المقالة بقولتين..

قال عمر بن الخطاب  (ض) : (لأن يضعني الصدق- وقلَّما يضع- أحبُّ إليَّ من أن يرفعني الكذب، وقلَّما يفعل)

قال ابن القيم: (إياك والكذب؛ فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس)