عادت أصوات التكفير لتصدح من جديد، وتكيل كل النعوت لمن تشاء من المعارضين، وتحدث فقيه أصبح اسمه مقرونا بالتسويغ الديني للقتل وإهدار الدماء، في فيديو ينشر على مرأى ومسمع من السلطات القضائية والسياسية المعنية . وتتبعنا نشر فيديوهات، موضبة تقنيا باحترافية، تكشف عن الجانب القصدي والمبيت في إنتاجها. ولاحظ الرأي العام أن العناوين الكبرى للتكفير مست كل درجات البلاد وسلطها الدينية والسياسية وتعبيراتها المجتمعية الثقافية والحزبية في ترادف مع الشحن اليومي الذي يتم حاليا ضد العقلانية والتفكير الهادئ، والدفاع عن منظومة القيم المسايرة للعصر.
والملاحظ هذه المرة أن طبيعة الفكر المغالي تغيرت درجة اتساعها، وحدث ما كنا ننبه إليه من أن صوت التكفير والتجييش الإجرامي لن يقف عند «الأعداء الإيديولوجيين» ولا عند قادة الرأي والمعارضة والمدافعين عن فكرة نبيلة عن المغرب والمغاربة، بل سيتعداها إلى كل السلط وكل المؤسسات وكل الكيانات الوطنية، التي يعتبرها جاهلية أو تساعد على الجاهلية!
أولا، امتد التكفير ليطال مؤسسة الفتوى، ليمس برمزها الديني، بل اعتبرها مؤسسة مناهضة للمعنى العقدي كما يريده أتباع الخوارج الجدد،… ثم تلتها مؤسسة تدبير الشأن الديني التي اعتبرها خطاب التحريض مؤسسة المنكر والدعوة إليه، وتعطيل مبدأ الأمر بالمعروف، كما تعرفه التجارب الداعشية الجديدة.
ثانيا، يتزامن هذا التصعيد ضد رموز الدولة ورموز المجتمع الحديث، من قادة سياسيين، وأولهم قيادة الاتحاد ومثقفون وأصحاب قرار، مع تزايد التهديدات الإرهابية الميدانية واتساع خارطتها ورقعة نشاطها، وهو ما يذكرنا بالأجواء المكهربة والحارقة التي تسبق عادة الضربات الإرهابية، حيث التقى الفكر الظلامي مع اليد العاملة الإرهابية في توجيه الضربات ضد البلاد.
ولعل الشيء المثير، ثالثا، أن هذا التزامن يحدث أيضا بين تصعيد التكفير أو الحملات التي تقوم بها تيارات «قانونية» من داخل بنيات الدولة أو من داخل بنيات المؤسسات المجتمعية والدستورية، إما بتبخيس المعارضين الذين يتعرضون للتهديد، أو بخلق جو مشحون، من خلال الرفع من هرمية الأحداث التي تستحق المعالجة الحكومية والتي تكون محط اهتمام صاحب القرار الحكومي، كما يحدث مع قضايا ذات صبغة فردية أو فنية أو محدودة في الزمن والمكان.
ويبقى الموقف السائد طبعا، من هذا المنطلق، هو الصمت والسكوت الحكومي إزاء من يرفعون من درجة مناخ التكفير وإهدار الدم والهجوم المنظم.
ولا يغيب عن العقل المتتبع، الجو المشحون الذي تريد قوى الظلامية والتحريض على القتل أن تزج فيه بلادنا وتفتح الباب على مصراعيه لكل المغامرين ولكل «الذئاب المنفردة»، عبر تهييء الجو المناسب لأعمالها وخلق البيئة النفسية والمعنوية المساندة للإرهاب والقتل والتنكيل.
والاتحاد الاشتراكي الذي تصدى دوما لحملة الفكر الظلامي وحملة السيوف والسكاكين المنفذين، يرى أن من واجبه أن ينبه، مرة أخرى، إلى خطورة التساهل مع التصعيد الحالي، ويحمل المسؤولية للحكومة للقيام بدورها في حماية الأمن ، وفي التصدي للتهديدات من أي جهة كانت.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الجمعة 5 يونيو 2015