الحكومة الحالية لم يسبقها أحد في خلق كل هذا الجدل الدائر حولها منذ تعيينها.. حكومة ورئيس حكومة لا ينفكان عن صنع الحدث السياسي بكل الابتذال الممكن.. فضائح تدبيرية وتصريحات غير مسؤولة.. تناقضات بينة و ظاهرة لكل ملاحظ أو متتبع.. وتعديلات في تركيبتها غير ما مرة دون الوصول إلى التجانس و الانسجام المطلوب .. لعلها تجربة «ثرية» بالأخطاء السياسية التي تمج الاستراتيجية و تنتصر للتكتيك .. حكومة محافظة بنفَس تقليدي لن تسعى لتأويل ديمقراطي إزاء الوثيقة الدستورية.. في هذا الحوار الذي التقينا فيه الدكتور محمد الرضواني الباحث في العلوم السياسية.. حاولنا التوقف أمام تناقضات الفاعل الحكومي.. الأسباب والمسببات لهذا التعارض .. كما توقفنا عند التعديل الحكومي الأخير الذي رمى بوزراء الفضائح.. ومدى تأثيره على «اللياقة» الحكومية ..

تناقضات الحكومة هي في العمق تنافر في المرجعيات المختلفة التي تحكم مكوناتها .. في تقديركم .. هل يمكن الاستفاضة في هذا الكلام و سياقاته ..؟

  *الحكومة الحالية تعرف تضارب خمس مرجعيات أساسية؛ المرجعية التقليدية الإسلامية، والشيوعية، والليبرالية، والتكنوقراطية، إضافة إلى المرجعية المخزنية، وهي وضعية تعود إلى طبيعة الحكومة المشكلة التي تعد بعيدة عن الحكومة الحزبية الخالصة، وإلى نمط الاقتراع المطبق في المغرب، وكذلك إلى الثقافة السياسية للنخبة الحزبية التي تعلي من عدم الانضباط للمرجعية الحزبية، والاستعداد الدائم للتخلي عنها وتمطيطها حسب مصالح الواقع، إضافة إلى طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يعرف استمرار تأثير الملك في تشكيل الحكومة وفرض بعض الوزراء.. هذه العوامل وغيرها تجعل من الحكومة في المغرب قريبة جدا من نمط الحكومة التي تلتقط كل شئ.

  أصبح في حكم العادي أن يصدر عن وزراء هذه الحكومة آراء متعارضة في قضية واحدة.. ألا يضعف هذا الأمر ما يسمى بالأغلبية المسيرة لهذا الائتلاف..؟

  *التناقض في الآراء بالنسبة لوزراء التحالف الحكومي، دليل قوي على عدم الانسجام وعدم الانضباط لميثاق الأغلبية، والبرنامج الحكومي وعلى التنافس بين مكونات الحكومة.. تنافس يعبر من جهة أولى عن تهافت انتخابي سابق لأوانه.. حيث الأحزاب المشكلة للحكومة تعتبر نفسها في حملة انتخابية مستمرة.. ومن جهة ثانية، يعبر عن رد فعل بعض المكونات على نزعة الهيمنة التي يتبناها الحزب القائد للحكومة، ومن جهة ثالثة، يعبر عن ممارسة داخل الحكومة تتوخى التنصل من المسؤولية، وتحميلها لهذا الطرف أو ذاك، وكأن الحكومة تشتغل بمنطق مسؤولية الوزراء عوض مسؤولية الحكومة ككل.

  شيوعي ، ليبرالي ، أصولي محافظ .. هل هذه العجنة تستطيع أن تشتغل على تأويل ديمقراطي للوثيقة الدستورية .. أم أنها حكومة وجدت لتدبير مآلات ما بعد «الربيع» العربي أو المغربي تجاوزا؟

  *هذه الحكومة كانت نتيجة صناديق الاقتراع، ونتيجة الدستور الجديد، الذي وافق عليه الشعب في استفتاء شعبي، وكان من المفترض أن تشكل الممارسة في ظله تجاوزا للكثير من معوقات الانتقال الديمقراطي، لكن الممارسة التي كان يفترض فيها أن تكون تأسيسية وتتجاوز الكثير من سلوكيات الماضي، سارت في اتجاه تعزيز المواقع عوض التركيز على توطيد مزيد من أسس الديمقراطية، فطريقة تشكيل الحكومة، ومكوناتها، ومنافذ دخول الوزراء، والبرنامج الحكومي، وممارسة الوزراء داخل المرافق الوزارية، وتوجهات رئيس الحكومة وخطابه، والتنصل من الكثير من الوعود الانتخابية، وتغليب المصالح الفئوية، والتطبيع مع أعطاب الماضي، والخضوع لقوى المال والاقتصاد، واللوبيات القوية في النظام السياسي المغربي، وتبني توجهات تقليدية محافظة.. كلها أمور تعبر عن فشل الفاعل الحكومي في التفاعل الإيجابي مع الدستور، بل وأكثر من ذلك تبني سلوكيات وممارسة تدخل في إطار الانقلاب على الدستور.

سئل أمين عام التقدم والاشتراكية عن السر أو القراءة السياسية التي جعلته يتواجد كحزب يساري في حكومة يقودها حزب ثان بمرجعية إسلاموية .. و كان جوابه « أن المصالح العليا للبلاد « هي التي فرضت هذا الاختيار لدى شيوعيي المملكة .. ما تعليقك أستاذ الرضواني على هذا الكلام .. خصوصا ما يسمى المصالح العليا .. ؟

  *اللجوء إلى شعار «المصالح العليا للبلاد» عادة ما يكون من طرف الدكتاتوريين، فالنازية والفاشية والستالينية والصدامية والقذافية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف بقاع العالم، قامت أساسا على هذا الشعار. في الحالة المغربية اللجوء إلى توظيف هذا الشعار السياسوي لاسيما من طرف زعماء الأحزاب، يتم في الغالب في حالات الفشل، ويعبر عن ضعف النخبة السياسية وبؤس خطابها. فالبنسبة لسؤالكم، هل يعني التواجد في المعارضة تناقض مع المصالح العليا؟
إن هذه الأخيرة لا تقاس بالخطاب البئيس ولا بالاستمرار في المناصب الوزارية، بقدر ما تقاس بالإنجاز والابتكار وتحمل المسؤولية والاستقالة في حالة الفشل في تدبير المرفق الوزاري.

  التعديل الحكومي الأخير ، قضى بخروج وزراء و دخول آخرين، هل هذا مؤشر من ضمن مؤشرات أخرى تبين مدى التخبط الحاصل لدى التشكيلة الحكومية .. ؟

  *جميع الوزراء الذين تم إعفاؤهم ارتبطت أسماؤهم بفضائح التدبير الوزاري، أو بفضائح شخصية، فبالتالي لا أعتقد أن هذا التعديل جاء نتيجة التناقضات بين مكونات الأغلبية الحكومية، بقدر ما يعتبر استجابة محدودة لضغوط الرأي العام من أجل أهداف انتخابية، واستجابة كذلك لإشارات ملكية في هذا الصدد.

  من الناحية السياسية، ما هو الأثر السياسي المباشر الذي أحدثه أو سيحدثه هذا التعديل ؟

 * إن الأثر السياسي الذي أحدثه هذا التعديل يمكن قياسه من خلال ثلاث مستويات، أولها يتعلق بالحكومة، ويمكن القول إن التعديل يحمل خسارة سياسية للأغلبية الحكومية، باعتباره يهم وزراء أثيرت ملفاتهم من طرف الرأي العام، لكن الطريقة التي تم بها إعفاء الوزراء تقلل من الآثار السياسية السلبية، حيث كان الإعفاء انتقائيا، وهَمَّ بعض الوزراء دون آخرين، وتم التركيز على التجاوب مع الرأي العام، كما أن التعديل لم يهدد التحالف الحكومي، حيث لم يهدد أي حزب بالخروج من الحكومة.
وثانيها يتعلق بالمعارضة، هذه الأخيرة لم تستثمر هذا التعديل بشكل جيد بالرغم من أنها ساهمت في إثارة قضايا الوزراء أمام الرأي العام، لاسيما خارج البرلمان، ففي مثل هذه الملفات التي تهم سوء التدبير توافرت للمعارضة فرصة مهمة لإثارة مسؤولية الحكومة عبر ملتمس الرقابة، إضافة إلى أن هذا الإعفاء الوزاري يحسب للصحافة ووسائل الإعلام والرأي العام أكثر مما يحسب لضغط المعارضة. وثالثها يتعلق بالرأي العام خصوصا الناخبين. بالرغم من أن هذا الإعفاء أظهر ذاتية الرأي العام – ولو بشكل محدود- في الضغط على صانع القرار، إلا أن انتقائية الإعفاء ومحدوديته، وتدوير المرافق الوزارية بين الوزراء يمكن أن يساهم في تمييع الممارسة السياسية، لاسيما أن الطهرانية والأخلاقية المضخمة التي يركز عليها حزب العدالة والتنمية، لم تعد إلا أكذوبة أمام واقع الممارسة السياسية.

  هل أجاب هذا التعديل أو تجاوز الأعطاب التي جاء من أجلها .. أم هو تكريس للستاتيكو القائم؟

 * بالرغم من أن دستور يوليوز 2011 مكن رئيس الحكومة من سلطة مهمة في تشكيل الحكومة وتعديلها واقتراح إعفاء الوزراء، وبالرغم من الفضائح المثارة من قبل الرأي العام عموما، والتي تورط فيها عدد من الوزراء كقضايا حوادث السير والفيضانات وتسييس الإدارة من خلال تنظيم مباريات على مقاس المظلة الحزبية، والطريق السيار لآسفي، وفضيحة «الشوكولاطة»، وفضيحة ملعب الرباط، ومطبعة رئيس الحكومة.. بشكل جعل نسبة الوزراء الذين أثيرت ملفاتهم من قبل الرأي العام تصل إلى حوالي 28 في المائة، وبالرغم من تصريح رئيس الحكومة بأن بعض الوزراء لا يستحقون أن يتولوا المناصب الوزارية، وتواضع حصيلة العديد منهم، إلا أن رئيس الحكومة لم يوظف سلطته لتجاوز هذه الأعطاب، وركز على تقديم إعفاء بعض الوزراء كنتيجة لسوء تقديرهم، في حين أن النسبة المشار إليها تستوجب في الدول الديمقراطية استقالة الحكومة، لأن الفساد لم يعد حالة معزولة داخل الحكومة.

 حكومة بنكيران وصلت إلى ثلاث تعديلات في ظرف أربع سنوات تقريبا .. ألا يمس ذلك بما قد نصطلح عليه بالاستقرار الحكومي؟

* إن النظام الانتخابي في المغرب، وطبيعة النظام السياسي يصعبان إمكانية تشكيل الحكومة من عدد قليل من الأحزاب، فبالتالي الممارسة تقود في الغالب إلى مشاركة أربعة أحزاب أو أكثر في التحالف الحكومي، هذه الوضعية يمكن أن تهيئ لعدم الاستقرار الحكومي. غير أن الممارسة لحد الآن لا تصل إلى هذه الدرجة فعندما تتمكن الأحزاب من تحقيق الاستقلالية في قراراتها السياسية، ويتخلص رئيس الحكومة والوزراء من التبعية لمؤسسات وقوى أخرى، يمكن أن يقود النظام الانتخابي الحالي إلى عدم الاستقرار الحكومي.

  من الناحية الصرفة، و مقارنة بالحكومات في التجارب الديمقراطية، هل هذا التعديل حقق و سيحقق أهدافه.. خصوصا في الحالة المغربية؟

  *انتقائية إعفاء الوزراء، ومحدودية التعديل، وعدم تجاوز أعطاب التشكيلة الحكومية، وعدم التركيز على مسؤولية الوزراء ومحاسبتهم، حيث توقف الأمر في حدود الإعفاء، واستفادة الوزراء من تعويضات ما بعد المنصب الوزاري دون محاسبة، إضافة إلى عدم التركيز على رؤية للإصلاح، تجعل هذا التعديل دون فائدة على مستوى التدبير الحكومي.

 الحكومة الحالية .. هل تحكم ؟؟ أم تدبر العجز؟؟ و باقي القطاعات الإستراتيجية محتكرة من طرف الفاعل المركزي..؟

 * القول بأن القطاعات الإستراتيجية محتكرة من طرف الفاعل المركزي ربما يتوافق مع الممارسة السياسية في ظل الدساتير السابقة قبل دستور 2011، أما في ظل الدستور الجديد الذي منح سلطات مهمة لرئيس الحكومة؛ في التعيين في المناصب السامية، والإشراف على الإدارة، والمسؤولية على تشكيلته الوزارية، وفي صناعة القوانين والسياسات العامة وغيرها من السلطات التي عززت موقع رئيس الحكومة في النظام السياسي المغربي، فإنه يمكن القول إن الحكومة تملك سلطات فعلية سواء تعلق الأمر بتصور أو صناعة أو تنفيذ السياسات العامة، أو تقييمها والمحاسبة على ذلك. لكن ممارسة رئيس حكومة لم تكن تأسيسية في هذا الإطار وغلبت الاستمرارية على التجاوز، نتيجة جملة من العوامل، على رأسها استمرار نفس نمط الثقافة السياسية لدى رئيس الحكومة والوزراء، ونفس التمثل للمنصب الوزاري الذي ساد في الماضي، وكذا ضعف الإمكانيات الكفاءاتية للنخبة الوزارية التي تجعل قوتهم الاقتراحية ضعيفة.

  عطفا على هذا الكلام، رئيس الحكومة يقول إنه لا يحكم، هل هو عجز في ممارسة الصلاحيات، أم أن الرجل يهذي فقط عندما يكون قريبا من الميكروفونات و خصوصا في القنوات الخارجية ؟

  *ممارسة رئيس الحكومة تتماشى مع معنى «الظاهرة الصوتية»، حيث يغلب الإسهال في الكلام عن المشاريع الفعلية. ولعل الأمر يعود إلى مجموعة من الأسباب من بينها استمرار ذهنية المعارضة لدى رئيس الحكومة إذ في أغلب الأحيان ينتقد أكثر مما يعمل بالرغم من امتلاكه لسلطات فعلية في هذا المجال، واستمرار منطق الدعوي والمصلح، حيث ظل رئيس الحكومة وفيا للوظيفة الدينية المنبرية؛ وهي وظيفة تستحضر مرجعية أركيولوجية محدودة، والسعي إلى التغطية على الفشل، بحيث إن تضخيم الخطاب، والتركيز على أن رئيس الحكومة لا يحكم في المغرب هدفه الأساسي التهرب من مسؤولية الإنجاز والمحاسبة، والتغطية على إمكانياته المحدودة في مجال التدبير الحكومي.

 في كلمة أخيرة .. بعيدا عن التعديلات و الإعفاءات أو الإقالات في صيغة استقالات ، ما تعليقك على ما يقع داخل حكومة الحزب الأغلبي؟؟

  *إن ما يقع داخل الأغلبية الحكومية من تجاذب وتناقض بين مكوناتها، وعدم تحمل المسؤولية من طرف الوزراء.. تعتبر دلائل قوية على هشاشة التحالف الحكومي، وعلى طغيان المصالح الحزبية والخاصة على حساب مصلحة الشعب، وعلى نزعة الهيمنة المميزة للحزب القائد للحكومة.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    السبت 6 يونيو 2015