مدخل إلى الجدية

في سنة 2008، وقبيل ما نعت بعشرية الإصلاح بشهور معدودة، يبرز التعاطي مع المسألة التعليمية بالمغرب في شكل تماثلات لغوية وتوافقات خطابية من جهة، واختلاف في المضامين والغايات من جهة أخرى. إنها الحالة المستقرة، حتى الآن، في وضعية توصيف الواقع بالأزمة…

بيد أن وضعية مثل هاته؛ أي تماثلات في أشكال ومفردات الخطاب مقابل اختلاف وتمايزات في جوهره وغاياته، تستدعي تحديد وضبط مستجدات الملف التعليمي – في هذا التوقيت تحديداً- من حيث الانطباعات والآراء المثارة حوله.

هذه واحدة؛ أما الثانية فتستدعي الوقوف عند سيروراته في جدلية العلاقات داخل محيطه وبتفاعل مع مجاله. في حين تستدعي الضرورة الثالثة بيان مصيره في علاقة بالمعادلة التي يندرج ضمنها وفيها، علميا، اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا وثقافيا، وفي الظرف المعاصر على وجه التخصيص.

لذلك، وبصفة جدية، يتحتم تحديد مفردات الملف التبيانية وأسسه المرجعية وبيان جدلية العلاقات التي تربطه بطبيعة وكنه المشروع المجتمعي الحضاري المعلن، أو الخاضع للأجرأة والتنفيذ، قبل الإسهام في النقاش والحوار أو الشروع في صياغة ثم اقتراح برامج قابلة للتنفيذ والتقويم، أو الإقدام على خطوة عملية ما. هذا التحديد، ولضرورات منهجية وتواصلية وتخليقية، قد يفسح المجال لمعالجة حقيقية وموضوعية وموثوق في جديتها وجدواها، في إطار من الوضوح وتحمل المسؤوليات… وقد يوفر شروط ومستلزمات وسبل المخرج البديل، تفاديا لسوء الفهم وعيوب البيان والإبلاغ وتجاوزا للخلط ولكل ارتجال.

إنه التحديد، والحالة هاته، الذي لا مفر منه للانتقال من العبث إلى الجدية الذي أخر طويلا… وقد حان الوقت للتوافق لأجله بهدف إنجازه قبل أي شيء آخر، وقبل فوات الأوان.

يتعلق الأمر، في محاولة كهذه، بتقديم خلاصات أبحاث ومتابعات وتجارب ملموسة، في حقل التربية والتعليم والتكوين، وفي مجال البحث العلمي، لمجموعات بحث ورصد ودراسة، اشتغلت بوسائلها الخاصة وبالتطوع والإرادوية…

وفي محاولة مثل هذه، أثيرت تخوفات واحترازات من قبل، ومن قبيل الحذر من التوظيف أو القرصنة والتساؤل عن الجدوى منها في غياب الجدية في الحالة الراهنة.

وهكذا استقر الأمر، في سياق هذا كله وفي ملف بقيمة وحجم التعليم، على الإدلاء بما قد يفيد أو يساعد على الإقلاع.

د. أحمد عراقي، أستاذ في الطب

 

تاريخ نظام التعليم بالمغرب هو تاريخ أزمة تنضاف فيها إلى الانتقادات المعهودة انزعاجات “صناع القرار” أنفسهم.

على ضوء المستجدات الوطنية، وعلى خلفية تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية الأخير، ظهرت انتقادات من موقع السلطة والقرار انضافت إلى الانتقادات المعهودة، تم التعبير عنها بصيغ وطرق مختلفة؛ كانعدام تكافؤ الفرص في الولوج، أو تدني جودة التعليم، أو غياب الجدوى منه، أو توظيفه في إعادة إنتاج الأوضاع والوضعيات السائدة؛ سواء من لدن المتضررين وأصحاب المصلحة الفعليين أو من طرف مستثمري الثغرات وقناصي افتعال الأزمات واستغلالها.

في قضية بقيمة وحجم التعليم، لا تزال “الواردات” محركة للانتقادات، لتقاذف المسؤوليات، وللاعتراف بأعراض الأزمة وبالمخلفات، لا بأسبابها وبجذورها العميقة، في علاقة بعناصر وروافع الشأن الوطني برمته، في سياق الاعتماد على الغير، وفق روح عقود وهياكل واختيارات تعود إلى بدايات القرن الماضي.

وهكذا، شكل تصنيف المغرب، على مستوى التعليم، في المرتبة 126 من أصل 177 بلد من طرف التقرير المذكور، مناسبة لإعلان انتقادات صادرة عن ” صناع القرار ” أنفسهم. ففي هذا الإطار، يقول المسؤول الحكومي عن التعليم: ” إننا البلد الوحيد في العالم الذي لا يملك نظاماً لتقويم التحصيل المدرسي “، ويرى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للتعليم أن ” التعليم المدرسي هو سبب التصنيف… وأننا نخسر عملياً ثلث تلاميذنا مع كل مرحلة دراسية، على طول المسار المدرسي، من المدرسة إلى الجامعة…وأن النفقات التي يكلفها التلميذ المغربي تبلغ 525 دولار في السنة، مقابل 700 بالجزائر و1300 بتونس ” ويعتبر محمد ضريف، في تصريح لوكالة ” فرانس بريس “، بأن “تاريخ نظام التعليم منذ الاستقلال هو تاريخ أزمة. ففي كل عقد تظهر إصلاحات جديدة، غير أنه لم يتم حتى الآن وضع إستراتيجية فاعلة وقابلة التحديد…”

يستنتج مما سبق ملامح تشخيصين:

الأول؛ يتوجه نحو الثغرات، بهدف استكمال البنيان القائم، بواسطة نظام للتقويم يعالج ثغرة غياب مراقبة المردودية في مجال التحصيل المدرسي.

أما التشخيص الثاني؛ فيتوجه إلى مسببات التدني الحاصل، في إشارة إلى غياب مشروع تنموي، موثوق في صحته وقابل للتنفيذ والتقويم في ظل دينامية التطور والحداثة التي تعني في واقعنا النهضة والتنوير بواسطة العقلانية والديمقراطية التشاركية.

وبموازاة مع هذين التشخيصين، تؤكد مواقف شبه رسمية أن حظوظ المغرب ضئيلة وبالأحرى شبه مستحيلة بخصوص تحقيق أهداف الأمم المتحدة لعام 2015 الرامية إلى توفير تعليم للجميع ومحو الأمية بمعدل النصف وتعليم أفضل والمساواة بين الذكور والإناث في التعليم.  

مخرج الأزمة لا يمر عبر انتقاد الجزئيات ومعالجة الأعراض

لذلك يمكن الانطلاق من التشخيصات السابقة، دون حاجة إلى بسط تمظهرات حصيلة الأزمة في كليتها، لإثارة ملاحظات قبل الانتقال إلى ضبط مداخل التعاطي الجدي مع قضية بقيمة وحجم التعليم.

الملاحظة الأولى؛ وتتوخى تأكيد حقيقة الطبيعة المندمجة للحصيلة المراكمة، شأنها شأن المشروع التنموي في شموليته، والمنصهر بدوره في الاختيارات والتوجهات الحضارية الكبرى لمجتمعنا ولأمتنا.

الملاحظة الثانية؛ وترتبط بالأولى ارتباط الجزء بالكل أو الفرع بالأصل، ذلك أن مخرج الأزمة ومدخل المعالجة لا يمران حتماً من الانتقادات والحلول الجزئية.

الملاحظة الثالثة؛ وتنطلق من الملاحظتين معاً، للتأكيد على أن مخرج الأزمة ومدخل المعالجة يمران من تشريح دقيق للحصاد بعلاقة مع ما تم زرعه، وفق مقاييس علمية ومعايير موضوعية وخبرات موثوقة كفاءاتها وارتباطاتها بالوطن.

الملاحظة الرابعة؛ وتبين ضرورة رفع الخلط القائم بين مفهوم تقويم التحصيل المدرسي ومفهوم التقويم البيداغوجي. فالأول مرتبط بالسياسة التعليمية بدءا بالاختيارات والأهداف المرسومة وأصناف المتدخلين وانتهاء بشروط ووسائل العملية التعليمية، أما الثاني فيتعلق بما هو علمي وبضوابط التخصص وقواعده وبخبرات نضجت في جدلية الفكر والممارسة الميدانية.

قيمة الجهاز التربوي الإجمالية ترتبط مباشرة بشكل وجوهر التعاطي مع المعرفة

بعد تسجيل هذه الملاحظات، وقبل تحديد مداخل التعاطي الجدي مع التعليم في مغرب اليوم، ومغرب الأجيال المتعاقبة، تجدر الإشارة إلى بعض دروس التاريخ المشترك للإنسانية؛

1- لقد تلخص دور التعليم ووظيفته، ومنذ القدم، في التنشئة وفي التأهيل المعرفي، انطلاقا من مشروع مجتمعي حضاري معين، وبأهداف واضحة.

2- لقد تطلب ذلك بناء أجهزة تربوية بوسائل مادية وبشرية تنطوي على جانبين:

– الجانب المجتمعي؛ في مهام تحديد الاختيارات ورسم الغايات الكبرى، وتتحمل مسؤولياتها، بصفة مشتركة ومتفاوتة الدرجات، كل شرائح ومكونات المجتمع، وعلى رأسها النظام السياسي والنخب؛

– الجانب البيداغوجي؛ في مهام ضبط وسائل ومسالك بلوغ الأهداف المرسومة من لدن ذوي الخبرة والاختصاص والكفاءات الملتزمة.

أما الربط بين الجانبين، وبين المهمتين، فموكول – نظريا وعمليا- لعقد مكتوب ومعلن يحدد بدقة ووضوح حقوق وواجبات كافة المتدخلين والمستفيدين…ولمنظومة تقويم الأدوار والمردوديات والوضعيات.

3- أما قيمة الجهاز التربوي الإجمالية، فترتبط مباشرة بشكل وجوهر التعاطي مع المعرفة، إما كوسيلة وإما كهدف، أو كوسيلة وهدف في آن واحد. وقد نجحت الحضارات المتوالية في تحقيق الرقي والازدهار عندما أخضعت المعرفة لوظيفتها الأصلية، بينما حصل العكس في كل التجارب والحالات التي أخضعت فيها المعرفة لمجرد التوظيف. وفي الجوهر تبقى المعرفة عابرة للأشخاص وللأجيال، ولكل ما هو ظرفي أو فئوي.

حان الوقت لتأسيس نظام تعليمي مندمج في المشروع المجتمعي التنموي البديل

اعتبارا لدروس التاريخ، ولعبر الواقع الملموس أيضا، تتأكد الجدوى من التوقف عن التشكيك في حقيقة الأزمة، رغم اختلاف التأويلات، ويترسخ الاعتقاد في الحاجة إلى الجدية اللازمة والمصداقية الضرورية للنهوض بالتعليم وتأهيله، ولإعداده كرافع حيوي من روافع التنمية والارتقاء، في ألفية قاسية وصعبة بكل المقاييس.

انطلاقا مما سلف، يصبح مجرد توصيف واقع الحال، وبشكل مجرد، متوقفا على الجواب القبلي عن ستة أسئلة أساسية.

السؤال الأول:

ويمثله مسار المغرب التربوي الذي تمت محاولة إعادة توجيهه، سنة 1957، في مناظرة معمورة، من خلال مل أصبح يعرف بالمبادئ الأربعة (التعميم، التوحيد، المغربة، التعريب). وقد تلتها محاولات أخرى في شكل توافقات هشة وصراعات قوية.

وفي سنة 2008، وقبيل نهاية ما نعت بعشرية الإصلاح والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، تدلنا مؤشرات موثوقة على:

  1. شبه استحالة محو الأمية على المدى المتوسط؛

  2. تفاوت فرص الولوج إلى التعليم، كما ونوعا، مجاليا واجتماعيا؛

  3. تعدد الأنظمة الدراسية الوطنية والأجنبية؛

  4. غياب برنامج للتحكم الوطني في الأجهزة القائمة؛

  5. اندماج الباحثين المغاربة في مشاريع أجنبية؛

  6. طرح جديد لمسألة لغة التدريس ينحو منحى إعادة النظر في لغات التدريس؛

  7. تفقير مادي ومعنوي لمؤسسات التعليم العمومية وإخضاع المقررات لمنطق السوق؛

  8. تحميل مسؤوليات جديدة للمربين وإدارات المؤسسات بتزامن مع التجريد من وسائلها؛

  9. هدر للطاقة والمال والإمكانيات البشرية في كل مرحلة دراسية، في الداخل وصوب الخارج من خلال ما يعرف بهجرة الأدمغة؛

  10. إعادة إنتاج تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية عبر نظام للمعرفة والتكوين بسرعتين: تعليم خصوصي نخبوي مقابل تعليم عمومي شعبوي.

هذه مجرد مؤشرات، أما صيغ وأشكال إنتاج الواقع، فقد تمت بواسطة قرارات فوقية وإملاءات خارجية وإجراءات متفاوض بشأنها في لجن مغلقة أو مناظرات مفتوحة، إلى حين الإعلان عما سمي بميثاق التعليم، في إطار شعارات من قبيل الانفتاح على المحيط والتأقلم مع العولمة.

لذلك، يلاحظ أن المغرب الخاضع لقوانين وعقود والتزامات عهد الحماية يبدو وكأنه يعيش نشوة تطلعات في مسار مرسوم – والتعليم مجرد نموذج-، في صيغة تلاؤمات مع ما لا يشبع نهم العولمة في الظرف الراهن.

السؤال الثاني:

ويمثله التحول الطارئ في منهجيات التعاطي مع قضية التعليم بالمغرب، ومنذ التسعينيات من القرن الماضي، ذلك أن نذير إفلاس التعليم المعلن على لسان الملك الحسن الثاني، رحمه الله، كان بمثابة سحب بساط احتكار الانتقادات الجزئية من تحت أقدام المعارضة السياسية والاجتماعية، والتي لم تلتقط فرصة الانتقال إلى طرح مقترحات جوهرية في حينها، وربما لحد الآن.

في حالة مثل هذه، وفي ساحة فارغة، لا غرابة في تزايد تحكم “مدبري القرار” في إنتاج الأفعال، وفق ترقيع ما يسمح بالترقيع، في الزمان والمكان…

السؤال الثالث:

ويمثله الدور المنسوب للتعليم بالمغرب من لدن الفاعلين والمتدخلين وشرائح المجتمع المختلفة، علما أن كافة التفاعلات تحتاج حاليا إلى دراسة معمقة. إن التمظهرات الميدانية، وفي غياب مشروع تربوي وطني واضح، تبرز أن قضية التعليم بالمغرب لم ترق بعد إلى شأن وطني يتجاوز المصالح الظرفية ويستهدف تأمين حياة الأجيال المتعاقبة حتى بالنسبة للمتضررين الحقيقيين والمحتملين.

عموما، مازال التصور العام يتعامل مع التعليم كوسيلة ظرفية وخاصة لحل مشاكل فردية أو فئوية أو قطاعية.

لا تتردد المنظمات الدولية الخاضعة لإرادة المعولِمين في إملاء توصيات تدعو المستضعفين إلى تنفيذ إصلاحات متلائمة مع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد

السؤال الرابع:

ويتجسد في مصير التعليم المعاصر ضمن التوجيهات الضمنية والصريحة في آن واحد، وفي سجل العولمة، أو بتعبير أوضح في منطق وأهداف الشمولية والهيمنة الثقافية الأحادية. لذلك، تبقى إرادة المعولِمين احتكار معرفة الإنتاج، وعولمة معرفة الاستهلاك من أجل التسليع الشامل بوسائل ووسائط تسيطر على نفوس المعولَمين.

في صلب هاته الإرادة، ينضاف إلى مخطط التهجير الانتقائي للعقول والطاقات وإلى الاجتثاث الثقافي، مخطط التصفيات الجسدية والرمزية للعلماء والمثقفين (كما هو الشأن حاليا في العراق).

في هذا السياق، لا تتردد المنظمات الدولية والأممية الخاضعة لإرادة المعولمين في إملاء التوصيات والتعليمات التي تدعو المستضعفين إلى تنفيذ إصلاحات تربوية متلائمة مع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، تحت غطاءات مختلفة، وباسم المصلحة المشتركة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان…هذا في الوقت الذي تزداد فيه الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويتسع فيه التفقير والإقصاء بفعل مزيد من التفاوت في الولوج إلى التعليم وإلى معرفة الإنتاج كما وكيفا.

السؤال الخامس:

ويتعلق بمدى صحة أسس الإصلاحات التربوية المعاصرة، سيما وأن كافة أجهزة التعليم وبرامجه، على امتداد نصف قرن تقريبا، مرت من مراحل انتقالية متعاقبة بمبرر التلاؤم مع الحاجيات والتحولات الشمولية.

وفي الوقت الذي تحول فيه الانتقال والتلاؤم إلى ” مؤقت دائم “، تتمظهر الحصيلة كصيرورة للبحث عن المجهول أو ما يستحيل تحديده.

في كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، على سبيل المثال، تمت عدة محاولات، في ثمانينيات القرن الماضي، لتحديد أهداف التكوين بعلاقة مع الحاجيات الصحية. وتبين أن الوضعية تتعلق بالحالات الفردية وبما يندرج في متغيرات البيئة الطبيعية والاجتماعية، وهذا معناه الربط بين المتغير والمختلف حسب المكان وبين المتغير والمختلف حسب الزمان. إنه نفس الخلط المرصود بين المطالب القابلة للتمويل وبين الانطباعات الواردة في تجارب الخبراء الأطباء وغير الأطباء. وبالتالي، طرحت تساؤلات حول صحة أسس هذه الإصلاحات.

وزير التعليم الفرنسي يدعو إلى التخلي عن المستجدات التربوية المعتمدة خلال العقود الأخيرة !

أما اليوم، فيطالب معظم دعاة الإصلاحات التربوية في العقدين الأخيرين بالتخلي عنها. وقد جاءت هذه الدعوة على لسان وزير التربية والإصلاح التربوي الفرنسي “كزافيي داركوس” وآخرين. وقد يجد بعض الخبراء عندنا في دروس هؤلاء ” الأساتذة الرواد ” ما يدفعهم إلى المراجعة ما داموا لا يعبؤون بالدروس الوطنية.

السؤال السادس:

ويتمثل في الانشغال المستمر بالتعليم. وبغض النظر عن التوجهات والخلفيات والمصالح، يبقى التعليم مرتبطا بتطور المعرفة في مسار الإغناء والإبداع والتطوير، الأمر الذي يتطلب تحيين الإدماج الأفقي والعمودي لمعلومات تطبعها الكثرة والتكاثر مع تقلص مدة حياتها أو صلاحيتها في الظرف الراهن.

وهي مهام تنضاف إلى صعوبة التنافس المترتب عن تشتت المعلومات الضرورية لتكوين معين، ضمن تخصصات مستقلة في منطقها الخاص، وتعقيدات ناتجة عن إجراءات اعتماد المردودية المادية في توزيع الميزانيات والمناصب المالية، وخصوصا في الجامعة.

إنها تساؤلات أو على الأرجح عناصر أجوبة على ردود الأفعال وعلى ما يجب الشروع فيه بشأن واقع التعليم بالمغرب الذي هو من صنع الجميع، من مستفيدين ظرفيين و متضررين تاريخيين، عن قصد أو غير قصد.

غير أن الاستمرار في البحث عن الحلول من منطق إثارة المشاكل قصد استغلالها واستثمارها، يصاحبه اليوم منطق موازي يتجسد في الانبهار أو الاستسلام للوصفات الأجنبية وتكريس خلط المهام وتداخل الاختصاصات وتعدد مواقع ومصادر القرار من خلال مقتضيات تنظيمية وتقنينية وممارسات تفسح المجال للعشوائية وتقاذف المسؤوليات من جهة، ولاستبعاد المحاسبة والتقويم ولتمكين أصحاب “المواصفات المطلوبة” من قليلي الكفاءة وضعاف النفوس من جهة أخرى.

ستة مداخل لتعامل جدي مع الموضوع

لابد إذن من الاقتناع بأن الاكتفاء بانتقاد تمظهرات الحصيلة وأعراضها لن يؤدي سوى إلى مضاعفة السلبيات ومفاقمة الأزمة، أما إيجاد الحلول فيقتضي الجدية في التعامل مع الموضوع بناء على ضوابط مؤسسة لبلوغ الأهداف ونابعة من هذا الاقتناع، وذلك عبر المداخل الستة التالية:

أولا: تحديد المشروع المجتمعي التنموي، الواقعي والقابل للتنفيذ، حسب الإمكانيات البشرية والطبيعية المتوفرة القابلة للتعبئة عبر شراكات ضامنة لحقوق وواجبات الجميع؛

ثانيا: استنتاج مضامين ودلالات التنشئة والتأهيل من ضروريات المساهمة الفردية والجماعية في إنتاج فوائض القيمة؛

ثالثا: ضمان تكافؤ الفرص الكفيل باكتشاف الموارد البشرية وتأهيلها اجتماعيا ومجاليا لولوج مختلف أسلاك التعليم، بدءا بالمرحلة ما قبل المدرسية حتى الجامعة؛

رابعا: ربط التنشئة بالتأهيل في منظومة تتكامل فيها مضامين التربية والتعليم الأكاديمي والتكوين المهني والتكوين المستمر؛

خامسا: تمكين الجامعة من وسائل نقل المعلومات الضرورية لاكتساب التلاؤم مع المستجدات وصنع الفعل الإيجابي، وهو ما يتطلب على أرض الواقع استبدال التوجهات المبنية على الطلب القابل لتحمل التكاليف تحت غطاء حاجيات غير معروفة، بأهداف جامعية تسمح بتوظيف المنطق العلمي واتخاذ القرار السليم والاندماج في الفرق المتعددة الاختصاصات وضمان شروط التكوين الذاتي المستمر؛

سادسا: تنظيم التكوين المستمر وتطويره، بما يضمن التحيين الدائم للمعرفة واستعمال المعرفة ومعرفة السلوك وتطوير المهارات، حسب التقدم العلمي والتحولات الاجتماعية والاقتصادية وتطور الحاجيات الفعلية، مع مراعاة المصالح الظرفية الخاصة الحاضرة في جميع الأحوال.

يستوجب التقويم عملا مستمرا ومضبوطا في إطار جهاز أفقي مستقل

في ارتباط مع ما سبق، لا حاجة إلى التذكير بأن الجانب الخاص بالبحث العلمي يمثل اللبنة الأساسية في النهوض بالتعليم من جهة، وفي دعم مسلسل التنمية المستدامة من جهة أخرى.

ويبقى موضوع التقويم رئيسي في تحديد وإنجاز وتحيين المشروع التربوي كرافع مركزي من روافع التنمية. إنه الموضوع الذي يتطلب تناوله، بجدية وحصافة، عملا مستمرا ومضبوطا بواسطة جهاز وطني مستقل. وتمر مصداقية التصريحات من مطابقة الأفعال للأقوال، ومن قبول تحمل المسؤوليات المقدور عليها.

لذلك، وتجنبا لمخاطر الوصفات الجاهزة، مع احترام مختلف الآراء والتمثل الإيجابي لقوة المعرفة، يحق، في الخلاصة، منح إنشاء مرصد وطني للتقويم قيمة وصلاحيات أفقية في النهوض بتعليمنا.