سيأتي دور السؤال المنطقي، بعد أن نكون قد سمعنا الأشرطة كلها، وتمعنا الخطب كلها، وانتهينا من الاستنتاجات كلها حول الهجوم المنظم على طريقة تدبير التدين في المغرب، إنه السؤال الذي لم نتجرأ إلى حد الساعة على طرحه : متى يعلنون الحرب على المساجد .. ويعتبرونها مساجد ضرار تحت سلطة الطاغوت؟
ومبتدأ السؤال يستمد احتماله من الهجوم الذي علت به أصوات الفقهاء بالمنابر الحرة، على وزارة الأوقاف، وذلك بأنها تقف في وجه من يعلي بكلمة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو بذلك ، وليس هجوما على وظيفتها الإدارية بل في ارتباط بمعنى وجودها الديني، ويكتسب المعنى كل مدارجه عندما نستحضر الهجوم الذي يقوم به، شخص غير الفقيه المتشنج، شخص الفقيه الآخر من داخل مؤسسات الأصولية، أحمد الريسوني، كما يتخذ البعد الأكبر مع الهجوم على مؤسسة الإفتاء، في شخص إمارة المؤمنين ومجلسها العلمي.. وبذلك تكون إطارات تدبير الحقل الديني كلها هدفا للهجوم. ويكون منطقيا أن السلطة التي تتعرض لهجوم يتم رفض إشرافها على الفضاءات الدينية ، ومنها المساجد.
هل نبالغ في التقدير أو في «الحك عل الضبرة»؟
لنرى ما لم نتخيله في العالم الإسلامي يحدث يوميا.. ومن يثير الفتنة لا يعرف نقطة عبورها أو وقوفها، وهو يعرف أن الأفكار المتطرفة لا تقف عند نقط تفتيش.. مخاوفنا من شحن الأجواء ضد السلطة الدينية وتتفيهها بدون مواقف حازمة لها مبررها في الشروط اليومية للتواجد الديني.
فقد كتب العبد لربه عن المساجد في «العربي الجديد» وكيف تحولت الى «شراك» وكمائن في العالم الإسلامي..
إذ لا يوجد مكان آمن للمسلمين، شيعة كانوا أو سنة، والشيعة أكثر من السنة حتى بيت الله، المسجد الذي يكن له المسلمون عادة إحساسا بالرهبة والتقديس لا يضاهى،أصبح كمينا مضمون الضحايا، وصارت بيوت الله، من أخطر الأماكن في العراق وفي باكستان وفي السعودية وفي اليمن..
نكبِّر قبل الصلاة وعند الدخول ثم بعد الانفجار بقليل ترتفع آيات التكبير من جديد بقتل من كبَّر قبلنا..
من يصدق أن الذين يفجرون أنفسهم في المساجد، يقرأون القرآن وأن الذين يهاجمون المصلين توضأوا قبل أن يقتلوا باسم الذات الإلهية؟
14 قرنا خلت والله سبحانه وتعالى كتب وصفة استعمال المساجد ووصفة للأمن لمن يريد أن يختار بيته واحة وسط صحراء العالم، والمفارقة أن الذين كان لهم القرآن ومن كتبت لهم وصفاته في السلم، هم الذين حولوا المسجد إلى نقطة ألم كبرى في أرض الإسلام.
وكما يحدث مع الشمعة، فإن النقطة الأكثر عتمة هي بالذات التي تكون أسفل المحراب.
14 قرنا، ولم يتحرر المسجد، مع ذلك، من الدم الأول الذي سال فيه، دم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما هوى عليه لولؤة بالقتل ليسمم تاريخ البشرية المؤمنة بأول جريمة قتل في بيت الله، أربعة عشر قرنا، ولم نحرر المساجد أبدا من أحقادنا وهناك، حيث يكون الإيمان أقرب الى الحياة، يكون الخطر في جوار الألوهية، حيث يمر القتلة بإسم الله وبإسمنا، منذ نفذ الخنجر إلى قلب عمر، من وراء حجاب الظهر، ونحن نعيد التجربة جماعيا، في الحفاظ على المكان المظلم في المكان الأكثر إضاءة يريد الله أن يكون المسجد بيتا له، يدخله الذين وجدوه لتطمئن قلوبهم، فتدخله الأشباح، تستل السيوف في بداية الخلق الديني، ثم تنتقل، تبعا لتسلسل الجريمة في العصر الحديث، لتستل الرشاشات وتفتح النيران والأكثر براعة من المسلمين هم الانتحاريون الذين يصرون على حمل قتلاهم معهم، من المسجد إلى قبة الله اللامرئية.
منذ 14 قرنا، والله يردد في قرآنه الكريم أن المساجد له، ويشدد العقوبة على الذين يريدون منا أن نمنع فيها ذكره الله، هؤلاء الأشد كفرا«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ».
ومع ذلك، إذا استبد بنا الخوف فلن نستطيع أن نهرب إليها، ولن يهرب إليها مسلم، قبل غيره من أنصار الديانات الأخرى إلى الله هنا تكمن سخرية الترقب الديني.. أليس العدو هو الموعود بالشر في المستقبل، حيث لا أمان له؟ كيف نصبح نحن أعداءنا، أو لعلنا أفضل ما نملكه من أعداء لنا؟
لقد سبق أن وقعت الواقعة، واستيقظ المسلمون في العالم على الدم يسيل من جديد في الحرم المكي عندما اقتحم جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي، الموظف في الحرس الوطني السعودي، المسجد الحرام وقت الفجر وأعلن ظهور المهدي المنتظر، وفي لحظة هذيان قصوى اكتشف هو ومن معه، أن العلامات الخاصة بالمهدي والصفات المتعلقة بشخصه تنطبق على أحد أفراد الجماعة، وهو محمد بن عبد الله القحطاني المتزوج أخت جهيمان، فبايعوه على الخروج، وطلبوا من جموع المصلين مبايعته، و كان جهيمان وأصحابه قد أغلقوا أبواب المسجد الحرام، ومع تدافع القوات السعودية، وتبادل الطرفين النيران الكثيفة، سال الدم وذهل المسلمون وهم يتابعون القتل في الحرم.
لم يكن يوم المهدي المنتظر، في تقدير المرحلة، آخر أيام الذهول العام، بل ستتحول المساجد إلى نقط كمائن في أرض المسلمين، وبل أصبحت الأهداف الأكثر إغراء للقتلة من الدين الإسلامي ، باعتبارها مساجد ضرار أو باعتبارها مخادع للعدو من الطائفة الأخرى والاسم الحركي الجديد للمدافن.
لقد قضت المساجد زمنا طويلا وهي عرضة للسلطة، ومسرحا لإعلان الحكم والوظيفة المنبرية له، وبهذا المعنى كانت بوابة تعميم الشرعية للحاكم ومباركة السلطة، وكان علينا أن نخوض معركة طويلة لم ننهها بعد من أجل تحرير المساجد من الاستعمال السلطوي، فإذا بنا نضيف إليها في القرن الواحد والعشرين، القتل والتفجير والحروب الطائفية كحل فاشستي للخلافات حول السلطة ذاتها..
وأصبح التعايش مع الجثث، تحت سقف المسجد الواحد جدولا يوميا للحروب الجديدة بين أبناء الوطن الواحد أو عبر تصدير التوابيت من الأوطان المجاورة، كما هو حال الهجوم على مساجد في السعودية من قبل أنصار داعش أو الهجوم على المساجد في باكستان من قبل أنصار طالبان في أفغانستان.
كيف نتحرر إذن من كمِّ هذا الدم على جدران المساجد، وعلى جدران الروح الدينية للمسلمين؟
إنه السؤال الذي يجب أن يكون عنوانا لتحرر النص الديني من القتلة، وتحرر التدين نفسه من الموتى الذين يقتلون الأحياء، من وراء نصوص وهي الإشارة إلى الفتاوى القديمة والمحينة، بلغة الكمبيوتر، التي تستعيدها الفصائل الحالية لتبرير القتل، بل وجعله تسلية ميتافيزيقية للمؤمن الحقيقي في عصر القنابل البشرية..
التطرف لا يعرف الحدود، والفتاوى التي أباحت دماء المسلمين في الفضاءات العامة والفنادق ينقصها التكفير وإعلان بيوت الله مساجد ضرار، والبداية قد انطلقت بالهجوم على السلطة المشرفة عليها..!

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

      الاثنين 8 يونيو 2015