تعيش اليونان كدولة قطعت أشواطاً كبيرة نحو الديمقراطية المؤسساتية، كما هو متعارف عليها كونياً، أزمة مالية خانقة ستؤدي إن استمرت إلى انهيار التماسك الاجتماعي، بل وتهديد للمكتسبات السياسية التي تحققت بعد ثورة السبعينات.
في اليونان، الإشكالات واضحة ذات طابع بنيوي، اجتنبتها الطبقات السياسية الحاكمة سابقاً اقتناعاً منها بأن قوة أوربا الاقتصادية ستكون قادرة على التدخل كلما اقتضت الظروف ذلك، الأغلبية السياسية النسبية الحالية، والتي تتوفر على 149 مقعدا من مجموع 300 مقعد، وبتحالف هش وبوعود واقعية لكنها بخطاب متياسر أصبحت تفقد تدريجياً مصداقيتها داخلياً وخارجياً.
حسب المتتبعين، فالمشكلة ليست في تشخيص الوضعية الكارثية للأزمة الاقتصادية، هناك شبه إجماع حولها، فبلغة الأرقام التي لا تحتاج إلى إضافات تحليلية، اليونان مطالبة بتوفير مبلغ 300 مليون أورو لفائدة صندوق النقد الدولي وفق جدولة قريبة جداً تتمثل في دفع 300 مليون أورو في بداية يونيو و 336 مليون أورو في 12 يونيو و 560 مليون أورو في 16 يونيو و 336 مليون أورو في 19 يونيو، مع العلم أن صندوق النقد الدولي وبضغط أوربي كان قد منح اليونان 32 مليار أورو.
مقترحات هذا الأخير لإعادة هيكلة الديون اليونانية قاسي اجتماعياً، يكفي الإشارة إلى مقترح رفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة المتعلقة بفواتير الكهرباء بـ 23% وهي عملية كارثية اجتماعياً، لاسيما وأنه خلال 5 سنوات الأخيرة ارتفعت البطالة في اليونان بـ 28%، كما أن الدخل المتوسط انخفض بـ 40% وأن 44,5% من المتقاعدين يعيشون بدخل يجعلهم مصنفون ضمن الشرائح التي وصلت إلى عتبة الفقر المذقع، وأن 23,7 هم في عداد المقصيين اجتماعياً مما يصعب على الأغلبية الحالية المساس بما تبقى من نظام التقاعد.
ديون اليونان وصلت في مجموعها إلى 320 مليار أورو، أي 180% من الناتج الداخلي الخام. إنه وضع كارثي ومقلق، ومن الصعب معه الاستمرار في تدبير بواسطة المسكنات، اليونان أدت منذ غشت 2014، 17 مليار أورو أي 10% من الناتج الداخلي الخام، هناك من يقترح استعمال مبلغ 10,9 مليار أورو التي كانت مخصصة من الاتحاد الأوربي لتمويل الأبناك اليونانية، لأداء جزء من الديون المتراكمة، من هنا يبدو جليا أن الأمل ضعيف لإيجاد توافقات حقيقية حول إصلاحات بنيوية، هناك ضغط من المؤسسات المانحة خوفاً على مصداقيتها تجاه الدول التي تتعامل معها.
النقاش حول خروج اليونان من الاتحاد الأوربي نقاش خاطىء يرتكز على تحليل إعلامي للاستهلاك اليومي، فأزمة اليونان هي جزء من أسئلة مطروحة حول مآل الديمقراطيات الناشئة، والتي تعتمد على مبدأ مقدس هو احترام صناديق الانتخابات. فهل ستتخلى الدول المهيمنة على المؤسسات المانحة والمتحكمة في الهندسة المالية الكونية على الاختيار الحر والنزيه كشرط للالتحاق بنادي الدول المقبولة والمسموح التعامل معها، أم أننا سنعيش انتفاضات شعبية قد تطيح بكل الطبقات السياسية باختلاف مشاربها وستدفع بلدانها الناشئة ديمقراطياً نحو المجهول؟
أصوات بدأت ترتفع لتقنع أوربا ومعها صندوق النقد الدولي بالقيام بمبادرات قوية كتلك التي استفادت منها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي حولتها من دولة منهكة بالحروب إلى اقتصاد قوي أوربياً وعالمياً. بكل بساطة، من الضروري إلغاء جزء كبير من ديون اليونان وإعادة هيكلة ما تبقى وفق جدولة زمنية طويلة حماية لديمقاطية الناشئة.

مساهمة الأسبوعية «راديو أطلنتيك»