أعادت عملية «الكرامة» التي باشرتها وزارة الصحة إلى جدول الاعمال اليومي، قضية الصحة في بلادنا ومركزيتها اليوم في التخطيط العام.
فقد باشرت الوزارة إخلاء المعتقل» الصحي بويا عمر، في خطوة أرادت لها أن تقطع مع التعايش السلبي للبلاد مع أحد عناوين البؤس الطبي في البلاد، والتساكن مع مخلفات القرون الماضية في زمن الرعاية الطبية العلمية المتقدمة في كل بلدان المعمور، لكن الشجرة، بالرغم من مأساتها تطرح حقيقة غابة الكرامة الصحية على مصراعيها، وتطرح على مدبري الشأن العام حدود التساهل مع قضية تستأثر بكامل الانشغال المواطن.
فالتقارير الخاصة بصورة القطاع لدى الرأي العام تقارير منذرة بما في الكلمة من معنى، والصورة التي يتداولها الرأي العام سلبية، في كل شيء له علاقة بالصحة وظروفها وفضاءاتها، أضف الى ذلك النقص الكبير الذي تعانيه ، سواء في الاطر أو في التخصصات أو في اللوجيستيك.. والرأي العام يتابع يوميا التردي الذي تتخبط فيه، وصعوبة إقلاع المنظومة الصحية في بلادنا.
وفي الوقت الذي يتزايد فيه النزيف داخل القطاع، وتتواصل مطالب المهنيين والخبرات الصحية العالية بمغادرة القطاع العمومي والبحث عن آفاق أخرى خارج جدرانه، يمعن المسؤولون في مخططات صم الآذان وتجاهل نداءات المهنيين وممثلي العاملين من كافة الدرجات والمستويات.
الى حد الساعة، مازالت الإجراءات لتعميم الاستفادة من الصحة تراوح مكانها، ويشهد المغرب يوميا حالات التذمر، كما تتناسل الحوادث المؤلمة من وفيات أثناء الولادة أو بالقرب من المستشفيات في ظروف مزرية، علاوة على المآسي التي تهتز لها المدن والقرى بين الفينة والاخرى كعنوان بارز على غياب الكرامة الصحية. وضعية الصحة العقلية في بلادنا، التي كانت وراء ما تقوم به الوزارة أعقد بكثير من الجرعات التي تقدمها الوزارة، المهنيون والعاملون والاطباء الممارسون يرسمون لوحة قاتمة عن أوضاعهم، وعن الـظروف التي يشتغلون فيها، وعن نقص الوسائل وضعف بنيات الاستقبال والشح في الموارد، وصعوبة التغطية الآمنة..الخ مما يحفل به دفتر المطالب. والحل بنيوي، بمعنى آخر، فإن الصحة تحتاج الى علاج طويل أو عملية جراحية ممتدة في الزمان وفي المكان..
من المحقق أن الرأي العام لا يحبذ الخبطات الاعلامية في تدبير صحته وصحة نظامه التضامني، وهو ينتظر بوعي كبير وتطلع قلق الاجراءات التي تعالج ما تراكم من سلبيات طوال الولاية الحكومية الحالية. فالوضع هو أسوأ من السابق مع تزايد التدني في الخدمات الطبية، العجز عن توفير الموارد البشرية والمالية الضرورية، والإصرار على خوصصة القطاع وفتحه على احتمالات غير سارة ، في الوقت الذي تعرف فيه المهن الطبية تزايدا ملحوظا وإقبالا من طرف الطلبة، سواء الراغبين في التمريض أو التطبيب أو غيرهما من التخصصات. مقابل تنكر منهجي من طرف المسؤولين، الذين لا يترددون في استعمال هراوات القمع في التنكيل بالرأسمال البشري للقطاع، عندما يطالب أبناؤه بحقهم في الشغل وفي الاستفادة من ثروة بلادهم وتمكينها من خبراتهم وتكوينهم.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

      الاثنين 15 يونيو 2015