يبدو أننا بدأنا نَتَأخْوَنُ أو أريد لنا أن نتأخونَ وننبطح للخطابات الأخلاقوية الموتورة التي أصبحت تملأ الفضاء السياسي والاجتماعي العام، وتملأ المواقع الإلكترونية، والتواصل الاجتماعي، والمنابر الورقية. جَيْشٌ معبأ.. مستعد لِدَك الأرض بالجزمات المخيفة، ومستعد أكثر لكسر عظام من يراهم خارجين عن الصف، عن الرعية، عن الدهماء والبهماء بتعبير الفقهاء. وإذا كانت أرض الكنانة قد أعادت ? بجهد جهيد ? سُفِكَ على جوانبه الدم، وارتكبت بعض “الحماقات” و” التجاوزات” مما لا نتفق عليه إزاء الطرف الآخر المتأسلم، إذا كانت قد أعادت وجهها التنويري الرائد الحضاري المتمدن عربيا وإسلاميا، ما يحسب للفئة المتنورة فيه، ولمثقفيه ومثقفاته الذين وقفوا “رجلا” واحدا في وجه النكوص والارتكاس والعودة إلى الماضي المتحجر، وتلك الرغبة الخطيرة التي حاولت المصادرة على الوطن والأقليات التاريخية فيه، من أجل “العالمية” الإسلامية الموهومة، و”الخلافة الإسلامية” المزعومة، وكذلك فعلت نخب تونس الخضراء في إعادة الماء إلى مجراه، وإبراز وجه تونس المتعدد المختلف الحداثي العلماني الديمقراطي بعد أن نحى حزب “النهضة” نفسه من المسرح السياسي عقب ضعف في تدبير الشأن العام، وإخفاق ذريع في استتباب الأمن والرخاء، على رغم مرونة هذا الحزب ووسطيته المعلنة. إذا كان هذا قد حدث في مصر وتونس، فماذا يجري في بلادنا؟ يبدو أننا بصدد الانحدار.. بصدد الخطو في درب موحل.. والسعي الحثيث نحو المجهول.. ونحو ما لا يحمد عقباه. فالديمقراطية والحداثة التي دعت إليها أعلى سلطة في البلاد، واعتبرتا اختيارا لا مناص منه من أجل ولوج العصر، والانخراط في معتركه المعرفي والعلمي والتكنولوجي والرقمي، واعتبار قوانينه وتشريعاته الوضعية قوانين ملزمة بما أننا جزء لا يتجزأ من المنظومة الكونية هوية وسيادة ومقومات وتقاسمات ومشاطرات، ومنطلقات وآفاق إنسانية مشتركة، يبدو أنها تتعرض للتمزيق والانتهاك من لدن الحزب الأغلبي الإسلامي الذي يقود الحكومة، ويدبر الشأن الوطني العام.
وهذا التمزيق يتمظهر على مستوى لغة الخطاب السياسي المُزَيت والمُتبل بأفاويه الخطاب الديني، ويتمظهر على مستوى الإزدواجية والتقية، والخفاء والبزوغ، وقراءة التطورات بما يخدم رهانات الحزب الإسلاموي، ويجعله متحكما في أجنداته على أصعدة مختلفة. وهو ما يشبع نهم الحزب في التضليل والتعويم، والتمييع والزئبقية.
ولنا أن نطل سريعا على “قضايا” و”إشكالات” و”استشكالات” “مصيرية” يخوض فيها الحزب آناء الليل وأطراف النهار، معبئا لها ترسانة من “الكلام” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ومجيشا جحفلا من الأتباع والمريدين والبسطاء الطيبين ذوي “النيات الحسنة” الذين يغريهم ويأخذ بمجامع قلوبهم وألبابهم، الكلام الذي لا ينتهي عن “المصير” الشعبي المهدد، والاستقرار المستهدف، والدين الإسلامي الذي يتربص به المتربصون : الزنادقة، والمهرطقون، والمنحلون والعلمانيون حتى وإن كانوا على قسط من العلم، ونصيب معقول ومعتبر من الفكر التحليلي، والنقد الاجتماعي الخلاق.
إن القضايا والإشكالات التي نقصد هي “الأخلاقيات” المفترى عليها، والتي أصبحت أُلْهية، وتجزية لوقت الناس، ودفعا مقصودا للإشاحة عن مشاكل المواطنين الحقيقية التي يتخبطون فيها صباح مساء مثل الصحة المريضة، والتعليم الجاهل والتجهيلي، والشغل المعدوم والمعطل، والعدل الاجتماعي المظلوم، والحق في المساواة الغير الموجودة في واقع الناس، والسكن العاري العورة الذي يفتت أكباد طبقة اجتماعية متكثرة تتكدس في علب قصديرية وكارطونية، وترابية مفتقرة لأبسط شروط الآدمية، وملغية بالملوس والواقعي الآية الكريمة: (ولقد كرمنا بني آدم).
عوض كل هذا، ها نحن طبقة شعبية عريضة، ونخبا سياسية وثقافية واقتصادية، واجتماعية، نخوض فيما أرادت العدالة والتنمية أو على الأصح : حركة التوحيد والإصلاح أن نخوض فيه : في الخلق الكريم، والفضيلة المدعاة، والتقوى، وأركان الإسلام، ومعنى الإيمان والإحسان. والدليل على ذلك، قضية الإجهاض الشائكة التي تنوس بين القانون الشرعي والقانون الوضعي، وهي قضية أخلاقية خلافية بحسب العوامل والأسباب والدواعي. ثم مشروع القانون الجنائي الذي أريد به زعزعة الأمن، وتأليب رأي على رأي، والاحتكام ? فيما سمعنا في إطار من التحدي الفارغ واللامسؤول- إلى الشعب ليقول كلمته “الفصل” في أكل رمضان أو ما يسمى “جنحة الإفطار العلني في رمضان” وازدراء الأديان الغامضة، لأن صائغ الفكرة القانونية أرادها ضبابية مطاطية، تعلي الدين الإسلامي، و”تزري” بالباقي وعلى رأسها: الديانات الوضعية، زد على ذلك عقوبة الإعدام التي تنقسم بصددها النخب السياسية والنخب الثقافية، وتجريم الشاتم للذات الإلهية الخ..الخ.
فلجوء رئيس الحكومة، ووزير العدل ووزير الإتصال، وغيره من وزراء العدالة، إلى “فزاعة” الدين والشعب لتخويف المثقفين والمفكرين والمبدعين، واليسارين والليبراليين والعلمانيين، باستشارة الشعب في هذه القضايا “الدينية” الأخلاقية الخلافية، ليس سوى تغليط للرأي العام، وتمسح بالقاعدة العريضة من الشعب، وهي القاعدة المكونة أساسا من البسطاء والطيبين الذين يعتبرون تلك القضايا وأخرى غيرها، دينية لا قبل لأحد بمناقشتها، ما يجعل الأمر محسوما ومرجحا كفة الحزب الإسلاموي. فبماذا نصف مثل هذا الكلام إن لم يكن بالمزايدات الفجة، والكلام اللامسؤول، والشعبوبية التطبيلية الجوفاء؟
ما أحد استفسر الشعب في قضايا دينية وتشريعية بشرية، واجتهادات فقهية، حتى الدول العريقة في الديمقراطية، والعتيدة في الحداثة والمساواة والعدل الاجتماعي.
وعطفا على ما سبق، يمكن التذكير بالكلام “المنفلت” للسيد رئيس الحكومة في البرلمان، والحوارات التي لا تعكس نضجا معرفيا وسياسيا وفكريا إداريا لرجل هو الثاني وطنيا بالترتيب الدستوري. فما ورد على لسانه في حواره مع بوق الإخوان المسلمين أحمد منصور على قناة الجزيرة، يعري نوعية الكلام “المسؤول” و”طبيعة” تصور رئيس الحكومة للقضايا الوطنية والدولية، والخصوم السياسيين، والنقابيين وغيرهم.
ومن الأمثلة الناطقة على عدم التمسك بالأخلاقيات التي يدعو إليها الحزب المذكور، شق النقابة الوطنية للتعليم العالي، ظنا منه بأن جماهيريته في ازدياد، ما يجعله يكتسح الطبقة التعليمية المتنورة، والنتيجة جاءته مخيبة للرهان وللآمال التي عقدها على “صحوة” الجامعة. حيث لم تتمكن نقابته : النقابة المغربية، من تحقيق أي فوز، حتى في فاس التي يوجد بها كاتبها العام، كانت النتيجة صاعقة ما خلا جامعة القرويين، وهو أمر واضح. وفي القنيطرة التي يوجد بها قيادي آخر في النقابة والحزب والحركة، لم تفز النقابة الجديدة إلا بالغبار بجامعة ابن طفيل، وقس على ذلك. ولسنا الآن في مقام الكشف عن الدواعي الحقيقية وراء خروج النقابة المتأسلمة على مبعدة محسوبة من خوض معركة انتخاب اللجان الثنائية، لأن المقالة لا تلقي بالا للأسباب إياها على رغم معرفتنا المفصلة بها.
صورة أخرى من صور الإلهاء، وتهريب النقاش المجتمعي مما ينبغي الانكباب عليه، من غلاء وفقر وجوع وفساد، وغنى فاحش، وتهريب، وتقويم لحال التعليم، والصحة والسكن والشغل وغيرها، تهريبه إلى الأخلاق “والفضائل الكبرى” ما لحق شريط عيوش من استعداء سافر، وتهديد بالتصفية الجسدية، ونيل من شخصه وشخص الممثلة الرئيسة، وباقي الممثلين، والاعتداء على أحد ممثلي الفيلم بالدار البيضاء بحسب إحدى الجرائد الوطنية، كل ذلك بدعوى الحرص على الفضيلة، وصون العرض الوطني المنتهك، وحماية النساء من التشوهات الشرفية التي ألحق بهن شريط “الزين اللي فيك”.
بينما كان من الأصوب والأدعى إلى الحكمة أن يتصدى للشريط “الرديء” المخل” بالآداب العامة”، العالمون بالميدان، الناقدون السينمائيون الفنيون لا دفاعا عن الأخلاق، فالأخلاق تدافع عن نفسها بنفسها تلقائيا، بل إبرازا لمواطن ضعف الشريط فنيا، ومكامن تهافته من حيث لغته السينمائية، وانحدار جماليته… الخ.. الخ. بعيدا عن نهش لحم المخرج والممثلة والممثلين.
ثم جاءت موازين، ف “قَرْبلَتْ” الموازين الأخلاقية، وهاج الحزب العتيد.. حزب “العدالة” و”الإصلاح” هاج وماج، لأن مغنية شهيرة بما لا يقاس اسمها “جينيفر لوبيز” قدمت ما قدمت وهي عارية غير كاسية، جسد مثير، وتضاريس منحوتة مزلزلة، تنقض الوضوء، وتلمظ الشفاه، وتنشف الريق الذي يجري رخاء بين اللسان واللهاة والحلقوم والتجاويف الفمية الأخرى.
ومرة ثانية وثالثة وآتية، تحرك جيش عرمرم عبر شبكة التواصل الاجتماعي سابا وشاتما، مدعيا أن المغرب في خطر، وأن أمنه وأمانه بات قاب قوسين أو أدنى من التبخر والانطفاء، وأخلاق بنيه وبناته في مهب الريح، فوجب إنزال حكم قاس ب 2M، وموظفيها الذين لغرض مريض في أنفسهم، سارعوا إلى بث السهرة “الماجنة” على المباشر ما جعل لوينز تفترش كل أسرة ودار، وتفترس شبقيا كل فقيه ووزير ورب دار.
ماذا يمكن أن نضيف أكثر إلى ما سقناه؟ هل نذكر الحركة بما وقع من “سقطات” أخلاقية حتى لا نقول فضائح لبعض وزرائها وبرلمانييها، ومستشاريها،؟ كيف نسوغ لأنفسنا الترافع عن الأخلاق والفضيلة المدعاة، وأرجلنا في رمال متحركة، والمرايا منصوبة في كل ركن وزاوية؟ كيف ندعي الطهرانية، ونحن بشر نأكل الطعام ونمشي في الأسواق، و”ننهب” أحيانا بعض الأرزاق، وننصت إلى نبض القلب والحب إذا أفاق وأشتاق؟ .
إن ما يحدث ببلادنا أسميه انحدارا، هكذا، لأنه يُهَرِبُ ما واجبه النقاش والبحث عن حلول فورية، إلى ما لا يطعم خبزا ولا يأتي بماء، ولا يستر عريا، ولا يقبر فقرا.
ليس الشعب المغربي متهتكا، أو أنه صار ينحدر إلى ما لا تحمد عقباه، لقد كانت فئات من الشعب بل كل الشعب يعايش منظورات مختلفة إلى التربية والأخلاق والسلوك، ويساكن مسلكيات متعارضة، وآراء متنابذة أغنت الحقل الاجتماعي، وأفرزت دعامات يمكن تسميتها بالدعامات الديمقراطية، وساهمت في إرساء بعض أوجه الحداثة في بلادنا من خلال إرادة رئيس الدولة أولا، ومن خلال حكومات تعاقبت على حكم وتسيير دفة الشأن العام ببلادنا.
فلماذا خفتت أصوات تلك الحكومات، ألأنها متآمرة على البلاد والعباد، أم لأنها عميت وتعامت على ما يجري؟
الحق أقول : إن المغرب شهد حراكا سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفنيا منذ السبعينات من القرن الماضي، ولم يحدث مطلقا أن رجم مخرج سينمائي بالكلام أو بالحجارة، أو نفخ في ” الصور” بسبب عرض فيلم “بورنوغرافي” في قاعة من قاعات السينما التي كان يسعد بها الوطن؟، والحال أن “البورنوغرافيا” شاعت وذاعت في مراحل مختلفة من عمر البلاد، وأن الأندية السينمائية الحية الرائعة التي كنا نشاهدها ونناقش مضامينها وأبعادها الفنية والجمالية داخل فضاءات مخصصة لذلك عبر التراب الوطني، كانت تعرض الفيلم السياسي الذي تأولناه وأسقطناه على سنوات الجمر والرصاص، وتعرض الفيلم البورنوغرافي، الذي كنا نقول فيه رأينا المعرفي والفني والعاطفي والجنسي أيضا من دون أن نحس بوخز أخلاقي كاذب، وزاجر ديني غير موجود .
نعم، لم تكن “موازين”، لم تكن “الموسيقى الروحية”، فسنة التطور والتحول والتقدم، حسمت الأمر في شأن قيم اجتماعية وجمالية بحيث رفعت بعضها، وطمست بعضها الآخر.
الفن لاأخلاقي، الفن حر يتنفس الحرية بملء رئيته القرمزيتين المرجانيتين العريضتين الوسيعتين، والأخلاق قيود لأنها من وضع المجتمع و” الأنا الأعلى “، والدين والمواضعات العامة، ولا ينبغي أن يفهم من كلامي، البتة، أنني أدعو إلى الخلاعة والتهتك والتحلل والجنساوية، والإباحية والتعريض بالقيم النبيلة والخلق الرفيع .
معيار سقوط عمل فني أيا كان القالب الذي يصب فيه، والرداء الذي يتلبسه، والمعطف الذي يرتديه، هو رداءته أي ما يعتري لغته إذا كان أدبا أو صوره إذا كان فيلما أو لوحة، من ابتذال وسطحيه وتكرار، وفجاجة، وعدم إثارة وتأثيرفي القلب والحس والعقل والوجدان.
ليس من تفسير لما يجري من إغراق في الأخلاق إلى الأعناق وفروة الرؤوس والأطواق سوى التغطية على فشل في التسيير والتدبير، واستئصال الفساد الذي كان ذريعة الحزب للفوز بالمعقد الأول وطنيا على رغم القسمة الضيزى المتمثلة في مليون صوت . إن تهريب النقاش إلى الجنس والسينما و”الخلاعة” والأغنية ” الماجنة”، والجسد العاري.. إلخ.. إلخ..، يكشف بالواضح والمرموز، -عن ضياع بوصلة- تدبير الشأن الوطني من يد الحزب الحاكم وحلفائه على كافة الأصعدة والمستويات، وفي كل المؤسسات والقطاعات.
إنه جرس يرن عاليا ومجلجلا مخبرا عن ولوغ الحكومة ” المؤمنة” ” التقية” في الانحدار.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الثلاثاء 16 يونيو 2015