من الواضح أن حزب العدالة والتنمية يسعى إلى تركيز حملته الانتخابية حول “المسألة الأخلاقية”، مختلقا في كل مرة موضوعا جديدا، في محاولة لتخويف المجتمع وتجييشه ضد خطر مفتعل، محدق بقيمه وهويته.
وقد اختار حاليا فتح المعركة حول بث القناة الثانية لسهرة جينيفر لوبيز، التي أقامها مهرجان موازين، مكثفا الضغط على الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، من أجل استصدار موقف يهدف من ورائه تحقيق انتصار سياسي، يدعمه في الحملة الانتخابية المقبلة.
ومن أجل تكثيف الضغط على الهيأة المذكورة، فقد تدخل رئيس الحكومة نفسه، دون عرض الأمر على الحكومة، لدعم موقف حزبه، ووجه رسالة إلى الهيأة مطالبا إياها باتخاذ القرارات اللازمة في حق المسؤولين، عما اعتبره تقصيرا جسيما، لأنهم سمحوا ببث “مشاهد جنسية مخلة بالحياء”، دون أن يتدخلوا، “للحيلولة دون وصول تلك المشاهد المشينة للجمهور”.
هذه الرسالة تتضمن عيبا قانونيا، حيث تنص المادة الثالثة من الظهير المحدث للهيأة على أن من مهام المجلس، إبداء الرأي للبرلمان والحكومة في كل قضية يحيلها إليه الوزير الأول أو رئيسا مجلسي البرلمان، وليس اتخاذ عقوبات، “في ما يتعلق بقطاع الاتصال السمعي – البصري”، أي في القضايا الكبرى التي تقرر الحكومة في مجلسها طلب الرأي فيها، وليس بخصوص نقل سهرة.
أما مسألة اتخاذ عقوبات في حق المسؤولين، لأنهم لم يوقفوا بث السهرة، فهذا غير منطقي، علما بأن ما تم نقله كان عبارة عن نشاط فني، تنظمه مؤسسة لها صفة قانونية. لذلك فبغض النظر عن الموقف من مواد السهرة، فإن الأمر لا يتعلق ببرنامج من إنتاج القناة الثانية، حتى يتحمل المشرفون عليها مسؤولية حجبه. كما أن الهيأة لا تعاقب مديري القنوات العمومية، فهذه مسألة إدارية، كان على رئيس الحكومة أن يتوجه فيها إلى من يعنيه الأمر. غير أن هدفه الحقيقي هو إحراج الهيأة، والدعاية لموقف حزبه، باسم الدفاع عن الأخلاق. ومن أجل ذلك، لا يهمه احترام القانون أو المجلس الحكومي.
كان من الممكن أن يتوجه حزب العدالة والتنمية مباشرة إلى الهيأة، كما ينص على ذلك ظهيرها، لكنه لم يفعل لأنه يريد أن تحدث مواجهة بينها وبين رئاسة الحكومة، بالإضافة إلى الضغط والتهديد باللجوء إلى القضاء، لأن الذي وجه الرسالة يعرف أن هناك خللا قانونيا فيها.
الأهم في كل هذا هو أن من يعارض السهرة، كان عليه أن يتوجه إلى منظميها، ويمكن اللجوء إلى القضاء ضدهم، كما يمكن لرئيس الحكومة اتخاذ إجراءات إدارية هي من صميم صلاحياته، أما القناة الثانية فلم تعمل إلا على بث سهرة، مسموح بها قانونيا، وحضرها عشرات الآلاف من الناس، وشاهدها مئات الآلاف، وهي فئة من الجمهور لها أيضا حقها في الإعلام العمومي.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الاربعاء 17 يونيو 2015