أمر يحير الأذهان ذاك الذي يحدث في العالم العربي، حيث وجدنا أنفسنا أمام كوارث لا تنتهي منذ سقوط بعض الأنظمة العربية، كان أولها العراق، الذي أنهى الاحتلال الأمريكي فيه ديكتاتورية رئيسه الأسبق، صدام حسين، غير أن وضع الشعب العراقي لم يتغير، بل زاد سوءا، عما كان عليه.
على الأقل، في عهد صدام كان الناس يعيشون في أمان، يتوفرون على الماء الشروب والكهرباء والصحة والتعليم، وغيرها من مقومات الحياة، رغم الحصار الظالم، الذي عانى منه هذا البلد.
تغيرت الأمور منذ الاحتلال الأمريكي، ولم تتمكن دولة العراق من النهوض، بل أصبح القتل الجماعي شريعة يومية، وازداد الأمر استفحالا، عندما نشأت المجموعة الوحشية، “داعش”، التي تسيطر على جزء من هذا البلد وجزء من سوريا.
هل سيتكرر السيناريو العراقي في سوريا أيضا؟ صحيح أن نظام بشار الأسد، منذ عهد والده حافظ الأسد، ديكتاتوري، غير أن الناس في سوريا كانوا يتوفرون على ما يلزمهم من أسس الحياة اليومية، ومن ظروف طيبة في التعليم والصحة والثقافة والفن… الآن نحن أمام بلد مقسم بين قوات النظام وجحافل الإرهابيين، الذين لا يعرفون من السياسة إلا الذبح والجلد والرجم.
الأوضاع في اليمن وليبيا تسير في اتجاه تأبيد الأزمة، ولا يعلم أحد كيف ستخرج هذه البلدان منها، وكيف ستتخلص الشعوب من الكوابيس التي تعيشها حاليا، بعد أن تخلصت من كوابيس الأنظمة الاستبدادية. ولذلك تصح هنا القولة الشهيرة لوصف حالة هذه الشعوب التي توجد بين المطرقة والسندان.
فهي لم تكن أحسن حالا في ظل الأنظمة السابقة، لكن أحوالها ساءت أكثر بعد سقوط هذه الأنظمة. ولا يبدو في الأفق القريب والمتوسط أي انفراج للأزمات التي تمزقها، من تناحر قبلي وطائفي، من سيطرة المتشددين الإرهابيين، من حروب أهلية ومواجهات دامية بين الميليشيات المسلحة… ومن تهديد لوحدة بلدانها؟
لذلك يحق لنا أن نتساءل: أليس في الإمكان أبدع مما كان؟
أي هل ما يحدث الآن كان حتميا، أم كانت هناك إمكانيات للبحث عن حلول أخرى؟ لن يكون الجواب سهلا، غير أن هناك تجارب في العالم أكدت أن البحث عن الحلول السياسية، في إطار السهر على حقن الدماء والحفاظ على وحدة البلدان، وعدم تعريض الشعب لمخاطر القتل والإبادة… كلها طرق استعملت وأعطت نتائج مقبولة، لكن عندما تتدخل قوى غربية وعربية وإقليمية لتأزيم الوضع، وتأجيج المواجهات المسلحة، فالأمر يتحول إلى مؤامرة وليس ثورة.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

 الثلاثاء 23 يونيو 2015