ليس من حاجةٍ إلى كبيرِ شرحٍ لبيان القدرة التحصينية التي تتمتع بها أحزاب سياسية، دون أخرى، ضد ما قد يتهدَّدها من انقسامات أو انشقاقات تعصف بوحدتها التنظيمية وتُضعفها سياسياً. القوى السياسية التي من هذا الجنس عادةً ما تنتمي إلى منظومة الأحزاب التي مدارُ اشتغالها على المصالح، والتي لا تفترض جوامع عقائدية بين أعضائها ومكوّناتها شرطاً للانتماء والعضوية. وهي، إلى ذلك، الأحزابُ التي تُطوّر داخلها آلياتِ عملٍ ناجعةً تحصّن نفسها بها من المنازَعات الحادة، التي قد يكون من شأنها تصديع وحدتها أو تهشيش قوّتها؛ وفي قلب تلك الآليات: التوافق.

من النافل القول إن فكرة التوافق بين الآراء والأجنحة أو التيارات في الحزب مأتاها – في هذا النموذج من الأحزاب – من ثقافةٍ سياسية عامّة تُشِيعُها الدولة الوطنية الحديثة (في الغرب خاصة) في المجتمع، ويتشرّبها مواطنوها ونُخبُها – بما هي الثقافة السياسية السائدة – ويعيدون إنتاجها في مؤسساتهم المدنية: من الأسرة إلى الحزب السياسي. فإلى أن قوام الدولة الوطنية نفسها على التوافق، تنهض أجهزتُها الإيديولوجية المختلفة – بلغة لوي ألتوسير – بأدوارٍ رئيسَة في إشاعة الثقافة السياسية المطابِقَة لشخصيتها، من طريق التعليم والثقافة والإعلام التي تمتلك الدولة مفاتيحها (بما فيها المنتمية إلى القطاع الخاص). وهكذا تحصل التنشئة الاجتماعية على المثال الذي تَنشُدُه الدولة الحديثة: مثال المواطن المتشبع بقيم الجمهورية، أو بقيم المجتمع الحديث. وتأثير هذه التنشئة تأثير عام، وتنطبق أحكامُهُ حتى على الذين يتمردون – من اليساريين- على النظام السياسي الليبرالي أو البرجوازي، والمثال الأوروشيوعي دالّ في هذا السياق؛ إذ ما كان تخلّي أحزاب الشيوعية الأوروبية Euro-communisme عن بعض يقينيات الأممية الثالثة (الشيوعية)، مثل العنف الثوري وديكتاتورية البروليتاريا وتَبنّيها، بدلاً من ذلك، استراتيجية التغيير الديمقراطي…، إلاّ وجْهًا من وجوه تشبُّع أعضائها وقياداتها بتلك الثقافة السياسية التي أومأنا إليها.

يوفّر التوافُق، مثلما توفّر ثقافةُ المشتَرك، قاعدةً متينةً لفض المنازعات الحزبية إنِ اندلعت، وتأمين تسوية متوازنة، بين المختلِفِين، على خيارٍ أو موقفٍ أو إجراءٍ مُتَرَاضٍ عليه. والأهمُّ من ذلك أنها توفّر شراكةً حقيقية في صناعة القرار الحزبي، وفي إدارة المؤسسات الحزبية، على نحوٍ لا يشعر فيه فريقٌ منه باهتضام حقه. وحتى الذين قد لا يجدون أنفسهم في التسوية، وفي مواقف الحزب، فيجنحون للمعارضة ويلتئمون تحت عنوانٍ سياسي داخلي، توفّر لهم ثقافةُ الحزب التوافقية – وتجسيداتُها في الهياكل التنظيمية – حقوقهم في التعبير الحرّ، وقد تستدمج مواقفهم في منظومة مواقف الحزب، فلا تُقصيهم ولا تنبُذهم، ولا تتخذ في حقهم إجراءات الفصل، ولا تحشُرهم في الزاوية فتَحْمِلهم على الانشقاق والرحيل. هذا ما يفسّر لماذا لا تحصل الانشقاقات الكبرى في أحزاب غربية مثل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في الولايات المتحدة الأمريكية، وحزبيْ المحافظين والعمال، في المملكة المتحدة، والحزبين الاشتراكي الديمقراطي والديمقراطي المسيحي، في ألمانيا، والحزب الاشتراكي في فرنسا…، بحيث تظل قويّةً في تمثيلها السياسي، وعصيةً على الانفراط والتذرّر.

تختلف حال الأحزاب العقائدية في العالم، من النمط الشيوعي واليساري الجديد والقومي والديني؛ فهذه يبدو تاريخُها تاريخ انشقاقات لا تكاد تنتهي حتى تبدأ وتكرّ سبحتُها من جديد! وتُرَدّ الظاهرة (الانشقاق)، في ما نزعم، إلى عوامل ثلاثة رئيسة:

أولها أن البيئة الفكرية والإيديولوجية، داخل هذه الأحزاب، بيئة كلاّنية (توتاليتارية) ومغلقة؛ فهي تقوم على عقيدةٍ جامعة تتطلب من المحازبين إيماناً وتصديقاً وإجماعاً، والتزاماً ثابتاً بالمبادئ الحاكمة للمؤسَّسة (الحزب أو التنظيم أو الجماعة). وليس في مثل هذه البيئة مجالٌ للجدل والاجتهاد وتعدُّد الآراء؛ الرأيُ واحدٌ مُجْمَعٌ عليه، ورسميّ ملزِم، وكلُّ رأيٍ غيره انحراف. وإن حَصَل وشَقَّ أفرادٌ أو فريق سياسي عصا الطاعة على الإجماع الحزبي، فاختاروا لأنفسهم رأيًا مستقلاً أو موقفًا معارضًا، عُدَّ سلوكهم انحرافاً عن الخطّ العَقَدي أو خروجاً معلناً عنه، وليس ممارسةً مشروعة يكْفَلُها مبدأ نظري أو سياسي. وفي مثل هذه البيئة المختنقة لا أيلولةَ لرأيٍ معارض إلاّ إلى التعبير عن نفسه خارج المؤسَّسة، أي من طريق الانسحاب منها فردياً أو الانشقاق عنها جماعياً.

وثانيها أن البيئة التنظيمية المركزية المغلقة، والمؤسَّسة على سدانة العقيدة والقيام على أمور تصريفها، لا تفسح مكاناً لغير الانخراط في فاعليات الحزب المصروفة إلى التطبيق العلمي والمؤسساتي لعقيدة الحزب. والقيام هذا إنما يكون جماعياً، من الناحية النظرية، وإن كانت القيادة وحدها التي يَكِل إليها الحزبُ أمرَه؛ فهي تنوب مَنَابَه في ذلك جميعِه. وإذا كانت آلية التنظيم، في هذا النموذج الحزبي الكلاّني، تقضي بأن يكون الأمرُ تكليفاً من أعلى، والطاعةُ شكلاً لممارسة الواجب الحزبي من أدنى، فإن هذه الآلية الهرمية التراتبية لا تفسح مجالاً لحوارٍ بين نصابات (قيادية، جهازية، قطاعية…) في الحزب: أفقية وعابرة لحدود المواقع والمسؤوليات، لأنه لا مكان لمبدأ الحوار في الهندسة النظرية للتنظيم، فكلمتا السرّ الوحيدتان هما: التوجيه والتنفيذ، أو- بلغتنا – الأمر والطاعة. وغني عن البيان أنه في مثل هذه البيئة يعجز رأيٌ معارض عن حيازة شرعيته ومكانه ومنابره، فلا يبقى أمامه من سبيل للتعبير عن نفسه إلاّ خارجها.

وثالثُها؛ تحصيلُ حاصلِ السببين الأوَّلين: لا تستطيع هذه الأحزاب العقائدية أن تمارس السياسة بالمعنى العصري، أي كمؤسسات قائمة على مبدأ المصلحة، لأنها – بالذات – إيديولوجية، ولأن بناءها الفكري والتنظيمي لا قابلية فيه لاستقبال قيم – وتقاليد – التوافق والنقد والحوار والتسوية؛ إذْ هو عمرانٌ خلْوٌ من قيم الحرية الفكرية والعلاقات الديمقراطية. ومثل هذا العمران يصعب – حتى لا نقول يستحيل – إعادة تأهيله قصد الصيرورة فضاءً ممكناً لممارسة السياسة بوصفها فعلاً مصروفاً لتحقيق المصلحة.

التحجرُ الفكري، ومَزْعمةُ حيازة الحقيقة المطلقة، ونبذ الرأي المخالِف ودمْغُه بالانحراف، والقَدْحُ في النقد وتحريمُه، وغيابُ القيم والتقاليد الديمقراطية في الحياة الحزبية الداخلية، والتشهيرُ بالمعارضين وعَدُّهم طابوراً خامساً، والعجزُ المطلق عن تجديد آليات فضّ الخلافات بالحوار والتسويات والتوافقات…، جميعُها تقود الأحزاب العقائدية نحو توليد ظاهرة الانشقاقات في صفوفها. وليس معنى ذلك أن هذه الظاهرة ملازِمة لهذه الأحزاب حصراً، بل هي تضرب أركان بعض الأحزاب البراغماتية، وتحديداً تلك التي يُبْتَذَلُ فيها معنى المصلحة وينحطُّ منحدراً من المصلحة العامة (الوطنية أو الحزبية) إلى المصلحة الخاصة ( الفئوية أو الفردية)!. هكذا نصل إلى المسألة التي تثيرها ظاهرة الانشقاقات في الأحزاب السياسية: هل هي مُلاَزِمَة، حكماً، للعمل الحزبي الذي لا يمكنه أن يتلفّت منها، أم هي ظاهرة مَرَضية قابلة للعلاج السياسي؟ حاولنا، في السياق السابق، أن نبيّن أنّ الجواب عن هذه المسألة وقْفٌ على نوع الأحزاب التي يجري عليها السؤال، وأنّ الأحزاب التي تمثّل أشكالاً جديدةً «عصرية» للمذاهب الدينية التقليدية، والزوايا والطرق الصوفية، والجمعيات الفكرية المغلقة، معرَّضةٌ للتشظي والتذرُّر ما إن يدبَّ فيها رأيٌ مخالف، لامتناعِ شروطِ التمكينِ له في «رحابها»؛ فيما تملك الأحزابُ القائمةُ على فكرة المصلحة السياسية أن تتجنب آفة التذرُّر والانفراط، لأنها تحصِّن نفسها منه بإعمار داخلها بالقيم الديمقراطية، وبقواعد عمل مبناها على آلية التوافق.

   * عن التجديد العربي

   الاربعاء 24 يونيو 2015