1*

لم تعد هناك حاجة إلى صوت محمود عرشان، الكوميسير السابق، في الهجوم على اليسار، بكل فضائله، والاتحاد وحركته بالتحديد. فقد أجَّر صوته لأبو النعيم»، الذي يكرر نفس التهجمات ونفس المصطلحات ونفس الأحقاد. و لا يقف هذا «التَّرَاشُح البيولوجي السياسي»، في تبادل الأدوار بين الجلاد والداعية، إلى تناسخ أرواح شخصية، بل في هو العمق تنشيط للدورة الرجعية المعادية لليسار، في لحظة أهم ما يميزها اشتعال النقاش حول الحريات الأساسية وحول الجيل الثاني من الحريات إذا صح التعبير..
لقد أجَّرَت الرجعية القديمة، المرافقة للزمن الاستبدادي في الستينيات، وفي السعبينيات صوتها وصورتها لرجعية أقدم منها، بنت أسطورتها على استعادة الخلافة وبناء الدولة الخالية من الطاغوت..فصرنا نتابع، مباشرة وبالأبعاد الثلاثية أو تقنية 3D عملية تحيين متواترة لمنظومة الاستبداد والرجعية، لما تابعناه في القرن الماضي.
إعارة صوت عرشان، وقبله مسدسه وسكينه إلى القتلة والقتلة الداخلين إلى السياسة، هو في حقيقة الواقع الحالي، المرحلة الثالثة، من عملية التنشيط البعدي للحركة – الأم، عبر الضخ القوي للفصيل الرابع من الأصولية السياسية كما تمثلت في الفصيل الثاني من السلفية، ودمجها في الفصيل الرابع من الحركة الأصل، كما بناه الكوميسير محمود عرشان.
فما قاله عرشان حول المهدي بنبركة هو حرفيا ما يقول أبو النعيم عن المهدي، أي هو زعيم الإرهاب، وهو الزعيم التاريخي والفيلسوف الأوحد والسياسي البارع عند الاتحاد الاشتراكي وعند القوى اليسارية، لم يقتل عباس المساعدي فقط بل إن اليسار بزعامة المهدي بنبركة قتل العديد من الرجال وعذب العديد«.
فلا أحد سيصدق بأن «أبو النعيم» هذا يعرف المساعدي أو غيره، فهو يحين دروسا في الكراهية الرجعية، والحقد العقائدي، بعد تلوينه بالسلفية.
وليس صدفة أن مرجعه في كل ما يقوله هو أحد قطبين أسسا الحركة الأم، والمقصود به المحجوبي أحرضان، اذ يقول، أبو النعيم إن «المحجوب أحرضان هو الشاهد الوحيد الذي يعرف أن مقتل عباس المساعدي».. وهو بذلك يعلن بالواضح مرجعه في قراءة التاريخ، بعيدا عمن يقدمهم للاتباع، أمثال ابن تيمية ..!
ويندرج التحيين في الثقافة الاستبدادية أولا بالدوباج، أو التنشيط الذي يتواصل للعديد من الفروع الجديدة للحركة الشعبية الأم،..
فقد كان التفكير قد اهتدى في البداية إلى إدماج العينة الأولي من الأصولية السياسية – العدالة والتنمية – في الجزء الأول من الحركة الأم، هي حركة الخطيب، باعتبارها الفرع الأول للكتلة الحركية الأصل كما خرجت من دهاليز الدولة والقصر في الزمن الاستبدادي..
ووجدنا أنفسنا أمام التركيبة التالية: الفرع الأول لأول تنظيم سياسي أصولي، [الشبيبة الإسلامية]، يندمج في أول فصيل من الحركة الشعبية الأم..
ثم جرى تعميم النموذج وأصبحت النهضة والفضيلة، الفرع الثاني، عن الحركة الأم كما رسمها الخطيب وأحرضان في البدايات الستينية ، الحاضنة الثانية لجزء من الأصولية السياسية.. التي تمثلت في الحركة الأصولية الثانية، بالسلفيين الذين شكلوا الامتداد العملي، والفعلي لفكرة الشبيبة الإسلامية حول إقامة الخلافة والخروج عن الطاغوت..
لهذا لا نستغرب عندما نرى ونشاهد أن التصريحات والمواقف صدى لبعضها البعض، سواء في إعادة مسخ التاريخ أو في إعادة إحياء الصراع بين الأفكار المستوردة وبين الأفكار الأصلية!
وهنا الدرجة الثانية من التنشيط والتحيين.
فكل من يتابع الهجوم على اليسار وعلى قواه وشهدائه وقياداته، الحي منها والميت، وتنظيماته، فإنه يستعيد بسرعة الهجمات التي تمت، في الزمن الاستبدادي السابق على الآباء المؤسسين والمثقفين اليساريين والتقدميين والديموقراطيين الأوائل، على القوى التي عارضت الجيل الأول من حقوق الانسان قبل تبنيها من طرف الدولة ومن طرف التنظيمات السياسية الادارية بدون استثناء.
لنتذكر مقولة الأفكار المستوردة، لنتذكر الأفكار الملحدة، لنتذكر المتغربين والشيوعيين الزنادقة.. فهذه الترسانة كلها يتم تنشيطها اليوم بقوة، لكن عبر الربط بين الطرفين:اليمين الإداري وامتداداته في كل المؤسسات والفضاءات، وبين اليمين الأصولي، بكل درجات امتثاله للحقد الماضوي. وعبر التلاقي بين الحديث من عمق الدولة وعمق الإدارة ، وبين الحديث باسم المجتمع وباسم فئاته وطبقاته.
وفي السابق كانت الترسانة تستعمل من أجل تقويض فكرة الديموقراطية والسيادة الشعبية وصناديق الاقتراع، واليوم يتم استعمال نفس الترسانة من أجل »توظيف» فكرة الديموقراطية وصناديق الاقتراع من أجل استبدال السيادة الشعبية بالسيادة الرجعية.

  الاربعاء 24 يونيو  2015

2*

لا يمكن أن نحصر التحليل بخصوص الخرجات المتواترة للمكفرين، اليوم في الزاوية الزمنية أو الزاوية التحريضية المحضة على القتل. فالهدف أكبر بكثير من وراء أعداء المناخ المناويء والمناهض لقوة سياسية موجودة، مهما بلغ الاختلاف معها ومع مناضليها ومسؤوليها.
الأمر يتعلق بمشروع يخص البلد برمته بدأ يستكمل ملامحه، ويستعيده من وراء الماضي الدموي الذي اعتقدنا أننا ودعناه بلا رجعة! (ولا رجعية)!
هنا والآن، لا يتم تحيين العقيدة الحاقدة، بدون تحيين ترسانة أسماء الذين يُحْقَد عليهم، ولهذا تصر الممارسة المستحدثة لتحيين ثقافة الاستبداد والرجعية، المتلفعة بلباس التكفير الحديث على أن يكون هناك مثقفون (عصيد كنموذج) وجرائد وقادة سياسيون، يُحْضَرون إلى العاطفة العدوانية الجديدة، كما كان المعتقلون يستحضرون إلى غرفة التعذيب عند »الشيخ الكوميسير» محمود عرشان!
1 – في عملية التحميض الجديد لعواطف الكراهية، تحتاج الطرقية الجديدة إلى نفس القاموس القديم،
ليس صدفة أن كل الذين تباروا لقتل المهدي بن بركة، بعد اغتياله الجسدي هم في غالبيتهم من الضفة نفسها( زعماء الحركة الشعبية، موظفو العهد الاستبدادي، مروجو الارستقراطية القمعية، الفيوداليون ورثة عدي أوبيهي، الرعيل المسكون بأرواح الخيانات والكراهية لكل ما هو وطني وتقدمي، …كُتّاب التاريخ النازحون من منافي العزلة التي فرضت عليهم طوال سنوات المجد الكفاحي..الخ الخ)..
ليس صدفة أيضا أن الاتحاد، يوجد دوما على الأجندة، كممثل حي لليسار ولقيمه الجريئة والعقلانية.. ويتعرض للاستهداف كلما كانت البلاد تتطلب الوضوح في الدفاع عن قيم الحياة، وقيم التمييز بين المشاريع..
2 – ليس صدفة أننا نجد نفس القاموس الخاص بالتكفير: في السابق كان الهجوم باسم حماية العقيدة موازيا للهجوم باسم حماية المؤسسات الدستورية، «الفديك»، واليوم يعود نفس الهجوم باسم حماية عقيدة المغاربة من أجل « فديك» الدين في مواجهة المؤسسات الدستورية.
نحن نسمع اليوم كلام الأمس، لكن بثمن سيكون أفظع وبتراجع عن التاريخ بكامله.
أبو النعيم أحيى القاموس، بحمولته إياها عندما اتهم إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمحاربة الشريعة الإسلامية، و عندما أعاد على مسامعنا وعلى مسامع الجيل الجديد الأسطوانة نفسها حول »أنه كافر ومرتد« وأنه من عصابة المهدي بنبركة المتهم برأس الاحتراب، وأنه غير ملتزم »بمنطق الحلال والحرام«، وأنه «يحارب الشريعة وضد الإسلام ».
3 – والإضافة التي لا يمكن أن تغفلها العين هي أن اللائحة الجديدة انتقلت إلى تعبيرات أخرى في المجتمع، ليست بالضرورة مرتبطة بالاتحاد إلا الارتباط الجماعي اللامادي، واللاتنظيمي والإيديولوجي، من قبيل الهجوم على قناة دوزيم، وعلى المثقفين والزملاء في «الأحداث». وهو ما يعني أن المسح الإيديولوجي للتحيين الجديد يتجاوز الصراع الثنائي بين تنظيمات سياسية، قادم من وراء الحاضر، بل يتعداه إلى مجتمع كان ينظر إليه كموضوع للتجييش ضد مشاريع الحركة الاتحادية لتحرير البلاد والعباد من الاستبداد وفلول الإقطاع والآلة الاستعمارية وبقايا الاستعمار وأذنابه (نعود إلى هذه المصطلحات ونحن نادمون، لأننا تخلينا عنها، وهي حية ترزق في البلد السعيد).
المجتمع الذي يسعون إلى تمريغه في الرجعية، وإقفال الأبواب عليه داخل الماضوية المقيتة، يراد له أن يكون السند في إقامة رجعية الدولة!
4 – في هذا الوقت ذاته يتم ترديد القاموس الجاهز حول »المغرب الجديد« وضرورة تحرير المغاربة من ذاكراتهم النضالية المجيدة ومن حاضنتهم البطولية، و بناء المستقبل على هاوية الفراغ بعد القتل الرحيم للذاكرة. على أن يتولى الحركيون السلفيون ملء الثقوب التي تتركها الذاكرة الوطنية، ولا أحد سيتنبأ بالمشروع المراد للدولة، ضمن التحميض السريع للرجعية القديمة، بغلافها الجديد؟
لا يمكن للدولة أن تعود إلى الرجعية القديمة بدون أن تمر بسنوات الرصاص والتقتيل والحلول الفاشية لتناقضات المجتمع، وهذه هي الخطورة في المشروع برمته!
وهنا لا يمكن في سياق الجملة الاعتراضية ألا نتساءل عن صمت غير مبرر للأصوات والقوى التي وضعت نفسها دوما في مواجهة لغة التقتيل والتكفير وضد لغة الأحقاد والتحريض على القتل وعلى رأسها القوى الحقوقية.
إن الصمت مقدمة ناجحة لتشجيع القتلة وتشجيع الاستبداد على تسريع وتيرة العودة، باسم الثقافة والدين، ليس السلطوية المكيافيللية كما سبق.
> ملحوظة على المتن:
لا يمكن أن يبقى مصطفى الرميد في منأى عن التحليل وهو يسمع شيخا تكفيريا، ينتمى إلى كوكبة الدعاة المحزبين حزبية لا تقول نفسها..يستند إلى الجواب المقدم من طرف خصم سياسي على طريقته في مناهضة حق الإضراب، وقد أصبح هذا الرد دليلا على الردة.
ولا يمكن إلا نسائل بنكيران، كرئيس حكومة، عن هذا التزامن بين خرجاته وبين خرجات هذا الداعية المسلح، للمرة الثانية على التوالي، في استعمال لغة بعيدة كل البعد عن السياسة وتمتح من القاموس التكفيري «عن الشر والأشرار بكل الحمولة العقدية للكلمات..

 * عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الخميس 25 يونيو 2015