قبل 28 سنة، دخلت اتفاقية مناهضة التعذيب حيز التنفيذ بعد أن اكتمل نصاب الدول المصادق عليها. وبالمناسبة اتخذت الأمم المتحدة من يومه 26 يونيو يوما عالميا ضد التعذيب، تخلده الدول والمجتمع المدني على السواء.
المغرب صادق على الاتفاقية في يونيو 1993 عشية المؤتمر العالمي لحقوق الانسان بفيينا، وبموجب هذا النص الأممي أصبحت بلادنا ملزمة بملاءمة تشريعاتها مع هذه الاتفاقية، وباتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية للحد من هذه الآفة التي تعد من بين أبشع الجرائم ضد الإنسان، وبتقديم تقرير دوري للجنة المعنية يضمنه جردا عن التدابير التي اتخذها، تنفيذا لتعهداته بمقتضى هذه الاتفاقية .
لقد عانى المغاربة لعقود من ممارسة ممنهجة للتعذيب، حيث شهدت مخافر السلطة، وفي المعتقلات السرية والعلنية تعددت فنون العبث بأجساد المعتقلين بواسطة سياط الجلادين وابتكاراتهم. وقد أزهقت أرواح المئات ممن قضوا ضربا أو صعقا أو خنقا … وقد كشفت جلسات وتحريات هيئة الإنصاف والمصالحة، عند إحداثها سنة 2004، عن وقائع رسمت جزءا كبيرا من لوحة مغرب سنوات الرصاص، حيث طال التعذيب البشر والمجال . ولاتزال الآثار النفسية والأعطاب الجسدية و”الأراضي المحروقة” ماديا ومعنويا، موشومة في الذات والذاكرة والمنطقة.
اليوم قد تكون السلطة تخلت عن اعتماد التعذيب كسياسة ممنهجة، لكن الظاهرة لاتزال سلوكا يمارسه المكلفون بإنفاذ القوانين. والتقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية يتضمن حالات عرفتها المخافر والسجون، وشهادات لضحايا تفضح هذه السلوكات.
والمثير أن الجهات المعنية لم تفتح تحقيقا في أغلب هذه الحالات، ولم تتابع إلا بضعة متورطين. وقد أبرز التقرير الذي قدمه المجلس الوطني لحقوق الانسان أمام البرلمان هذه الحقائق.
اليوم والمغرب يخلد اليوم العالمي للتعذيب، هناك تحد كبير يوجد على جدول الأعمال يجب إنجازه قبل متم السنة الجارية، ويتعلق الأمر بإنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب التي تضمنها البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية . فقد أعلن جلالة الملك، في الرسالة التي وجهها إلى المؤتمر العالمي لحقوق الانسان الذي احتضنته مراكش، عن إيداع المغرب لوثائق المصادقة لدى الأمين العام للأمم المتحدة . ويشهد الحقل الحقوقي نقاشا خصبا حول توطين هذه الآلية وشروط نجاعتها وضمانات استقلاليتها، والتدابير الضرورية لكي تتوفر لخبرائها القدرات اللازمة والدراية المهنية، وإيجاد توازن بين الجنسين وتمثيل ملائم للمجموعات العرقية ومجموعات الأقلية في البلد(المادة 18)،
بدراسة معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم في أماكن الاحتجاز بغية القيام، إذا لزم الأمر، بتعزيز حمايتهم من التعذيب ومن ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ وتقديم توصيات إلى السلطات المعنية بغرض تحسين معاملتهم مع مراعاة المعايير ذات الصلة التي وضعتها الأمم المتحدة، وكذا تقديم اقتراحات وملاحظات تتعلق بالتشريعات القائمة أو بمشاريع القوانين.
إنه تحد حقوقي أمام المغرب لإنشاء هذه الآلية التي من شأنها أن تعزز البناء المؤسساتي لحقوق الإنسان، والذي يعد المجلس الوطني ولجانه الجهوية أحد أبرز تجلياته بشهادة المجتمع الدولي . ويحتاج هذا التحدي لدعم تشريعي يتلاءم والمعايير الدولية . ويبدو أن الحكومة الحالية لم ترق إلى مستوى هذا التحدي، إذ تفضح مسودات القوانين والمشاريع التي تأتي بها مواقفها التي لا تنسجم والمكتسبات التي حققها المغرب خلال العقدين الأخيرين في مجال حقوق الإنسان. ومضامين مسودة القانون الجنائي الذي لم يأخذ بتعريف الاتفاقية الدولية للتعذيب، والصيغة المقدمة للبرلمان المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومات، تؤكد ذلك.
ويبدو أن ما تنجزه هذه الحكومة يتلخص في أنها ورئيسها يتخذان قرارات، وينهجان سياسات ويطلقان العنان لمعجم يندرج في إطار التعذيب النفسي، وضروب المعاملة القاسية والمهينة والحاطة بكرامة المغاربة.

 * عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  الجمعة 26 يونيو2015