يختتم الدستور الجديد يومه، سنته الرابعة . ففي فاتح يوليوز من سنة 2011 صادق المغاربة عبر استفتاء عام وبأغلبية ساحقة من المصوتين، على قانون أسمى ينسخ سابقه لسنة 1996 .
جاء الدستور الجديد تلبية لسياقين رئيسيين أولهما تلبية لمطلب قوى وطنية، وأبرزها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي قدم مذكرة في الموضوع إلى جلالة الملك، والثاني الحراك العربي الذي اندلع بالمنطقة العربية ووصل تأثيره إلى بلادنا عبر حركة 20 فبراير. ومن الأسس الذي انبنى عليها أن هندسته شكلت قطيعة مع الدساتير السابقة التي عرفها المغرب منذ استقلاله، وأنه أفرد ما يقارب من ثلثيه للحقوق والحريات مبادئ ومجالات ومؤسسات، وأعاد توزيع الاختصاصات بين السلط الرئيسية، وحدد أجلا يتمثل في ولاية حكومية لتنزيل القوانين التنظيمية التي تعد الوجه الثاني له .
اليوم بعد أربع سنوات ما الذي يمكن استنتاجه؟ أية قراءة أولية لتنزيل الدستور في ظل الحكومة الحالية؟
أولا، أخفقت الحكومة في إعطاء مؤسسة رئاستها القيمة الدستورية التي تضمنها الدستور، إن على مستوى الاختصاصات أو العلاقات بين بقية السلط. بل حولها الذي يتقلدها الآن عبد الاله بنكيران إلى ميوعة لفظية وآلية للتهريج بمناسبة أو دون مناسبة. ولتبرير فشله، يدعي أنه مجرد موظف لدى جلالة الملك متملصا من اختصاصاته التي تضمنها الدستور بوضوح.
ثانيا، تتعامل الحكومة الحالية مع روح الدستور بمنطق غير المنطق الذي تولدت وانبنت عليه هذه الروح التي تتضمنها أساسا أول فقرة منه: بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة. إرساء دعائم مجتمع متضامن…
ثالثا، أن الحكومة جاءت بمشاريع قوانين تنظيمية أجهضت في أغلبها ما ابتغاه المشرع الدستوري، وما قصده منطوق الدستور .
منتوج الحكومة وأغلبيتها البرلمانية انبنى على قراءة متخلفة محافظة تنظر إلى الماضي أكثر من النظر إلى المستقبل، ونفس الشيء بالنسبة لمشاريع القوانين العادية .
الحكومة عجزت إلى اليوم، بالرغم من مرور أربع سنوات، عن تقديم مشاريع قوانين تنظيمية ذات أهمية بالغة في الحقل الحقوقي والمؤسساتي والسياسي …
رابعا ، بذرت الحكومة أموالا طائلة على ” حوارات” لإعداد عدد من المشاريع القانونية . لكن اتضح أن هذه “الحوارات” مجرد تحايل وإيهام للرأي العام بأنها تعتمد الديمقراطية التشاركية، وأبرز دليل أن نتائج هذه الحوارات لم يتم أخذها بعين الاعتبار.
خامسا، بالرغم من أن الدستور أفرد بابه الثاني للحقوق والحريات ، إلا أن الحكومة في إعدادها للنصوص القانونية لم تأخذ بعين الاعتبار الفصول العشرين من هذا الباب. ويتجلى هذا بالأساس في ما جاءت به بخصوص هيئة المناصفة، والحق في الحصول على المعلومات والحق في الحياة والحريات الفردية ومناهضة العنف ضد النساء… وتبين مواقف وردود فعل المجتمع المدني، مدى تجاهل الحكومة لمضامين هذا الباب الذي يعد أحد أبرز بوابات الدستور.
هذه بعض الخلاصات الأولية تبرز أن الحكومة الحالية التي يهيمن عليها حزب العدالة والتنمية أجهضت حلم المغاربة في تنزيل سليم للدستور، وسرقت مصادقتهم على صيغته في فاتح يوليوز من سنة 2011 ليستثمرها الحزب الأغلبي لمصالحه الضيقة، ضاربا بعرض الحائط السياقات التي تولد عنها الدستور والمكتسبات التي ناضل من أجل تحقيقها المغاربة، وطموحهم في بناء مغرب ديمقراطي حداثي، متقدم ومتضامن.

* عن جريدة الاتحاد لاشتراكي

    الاربعاء 1 يوليوز 2015