… كما أنه طالما وجدت كلمة “حداثة Modernisme” والبادئة التي تعني (ما بعد) “post” فمن الممكن أن يتحدث البعض عن “ما بعد الحداثة postmodernisme” كمفهوم جديد يعقب الحداثة في الزمان والمكان ويبحث عن كل ما يناقضها ليعلن صراحة عن أطروحته المركزية الضامنة لشرعيته الفلسفية، ألا وهي “موت الحداثة.
ظهرت فكرة الحداثة كمفهوم فضفاض وكمشروع ضخم ارتباطا بانطلاق العقلانية الغربية وتفاؤلها ونزعتها المركزية، فاقترنت بالتجليات الأساسية لانتصار العقل الأداتي وسلطته، مما أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساسا لولوج الحداثة مرحلة الأزمة.
إن التأمل في ثوابت الحداثة من داخل إطارها المرجعي يفتح مجالا واسعا وخصبا من التساؤلات والإثارات النقدية التي تقف بوضوح شديد على مواضع الأزمة والقصور، وهذا ما يفسر كون الفكر الغربي عاد في المرحلة الثانية وهي مرحلة المراجعة والتصحيح إلى إخضاع المطلقات السابقة للنقد.
يعتبر التوجه النقدي جزءا من الوعي الحداثي وجانبا مهما من تفكير الحداثة، لذلك كانت الحداثة نقدا ذاتيا يسهم من زوايا متعددة في تصحيح المسار وتثبيت الأصول، ومن ثم فإن هذا النقد الذي تمارسه الحداثة على ذاتها ينطوي على خلفية أساسية تكمن في الدفاع عن مشروعها والوصول به إلى نقطة التوازن.

ويمكن اعتبار كتاب نقد الحداثة لعالم الاجتماع الفرنسي “آلان تورين” Alain Tourine جهدا نظريا بناءا في السعي إلى إصلاح الحداثة وتطعيمها، بحيث حاول “تورين” إنقاذ الحداثة مطالبا بالعودة إلى الأصول التي انطلقت منها كمرجعية أساسية لتصحيح مسارها الخاطئ الذي أدى إلى التوتر والأزمة. وقد طرح “آلان تورين” الحداثة كمخرج من الحداثة التي انكشفت عن أزمات كبرى(1).
لا شك إذن في أن النقد الذي توجهه تيارات الفكر الغربي لمسار الحداثة ومقوماتها هو بمثابة محاولة إصلاحية للحداثة التي تبقى في تجدد مستمر وسيرورة لا متناهية, إذ هي دائما ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد(2), والذي لا يمكنه أن يفتح آفاقا لأي مشروع آخر محتمل.
لقد عمل المفكرون على كسر حدود النهاية أمام تاريخ الحداثة ليصبح ذا سياق تقدمي لا متناهي، تتماهى فيه الحداثة مع أزماتها ليزيدها ذلك سندا وتأسيسا وخصوبة. فالأعمال النقدية التي تصدت لمشروع الحداثة الغربي بتشريحه وتفكيكه لم تخرج في أغلب الحالات عن مقترح ترسيخ مشروع الحداثة ذاته، مما جعل الحداثة تعني ذلك المسار المتواصل واللانهائي التواق إلى الجدة على الدوام. فهي إذن انفتاح على كل الفضاءات وإدماج لكل مستحدث وجديد ولا تكف عن التوسع والاحتواء. ولعل هذا ما يفسر تجردها عن كل تعريف محدد أو مستنفذ لتظل في النهاية مفهوما للحاضر والمستقبل معا.
ويبقى هذا الموقف تجاه الحداثة الغربية الذي بلوره جملة من المفكرين والفلاسفة أمثال: “هابرماس” و”ألان تورين” على جانب مهم من التفاؤل بمستقبل الحداثة. فإذا كانت أغلب التيارات التي أخضعت مشروع الحداثة الغربي للإجراء النقدي بهدف الحد من الأزمة والتوتر قد نجحت إلى حد ما في رد الاعتبار للحداثة، فإن الأزمة لم تنته رغم كل الجهود المبذولة بل إنها كما يقول “لوفيفر” لم تطرح بعد جميع نتائجها “وهي ستظل تستمر وتتعمق وتنتشر، كما أن عناصر جديدة ستحاول الدخول في خضمها وتعديلها، وفي النهاية فإن حقبة أخرى ستبدأ مع القرن الواحد والعشرين”(3).
إن موقف “هنري لوفيفر” يضعنا أما التساؤلات التالية: هل يمكن أن نرى في هذه الانتقادات التي أملتها الحداثة انعكاسا لفكر جديد أو لثقافة جديدة تحاول تجذير نقد الحداثة لإيجاد صيغ ملائمة تبرز وجودها كمهيمن جديد على الساحة الفكرية؟ وهل يمكن أن ينبثق من داخل الحداثة ذاتها وجه آخر لها سلبي، يكون إيذانا بنهايتها وإعلانا عن ميلاد مفهوم جديد يمثل آخر مسخ للحداثة؟
إن تتبع تاريخ الحداثة الغربية وإحالتها إلى بداياتها التأسيسية يقتضي –بمنطق التاريخ ذاته- نوعا من الصيرورة في سلسلة الأحداث يفضي إلى تجاوز ما. فالعصور تترى وتتوالى، والواقع يتغير ويتبدل، والفكر والمعرفة في تطور مطرد بحكم تطور العقل، لذلك فإن ما نعتبره، الآن، حديثا يعطي الانطباع بأنه سيصبح أنقاضا في الفترات اللاحقة. فكما أن للحداثة ما قبلها، ينبغي أن يكون لها ما بعدها، ثم إن البادئة “post” (ما بعد) في مصطلح “post modernisme” (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعدية وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفذا ومتجاوزا كما ورد في القواميس والموسوعات الغربية.
إن نقد الحداثة يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. ومن تم يذهب “إيهاب حسن” إلى أن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت إلى وحدات وقطع “pièces” ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس وكسر للقوالب وخروج على النماذج, بل إن ثمة تفجيرا للأشكال وتدميرا للأنساق على نحو خارق مدهش، وخروجا عن خط الصيرورة التاريخية في صورة طرح جديد يعتقد “جياني فاتيمو” بأنه يتم في شكل “الحدوث”.
تنضبط ما بعد الحداثة إذن داخل خريطة مفاهيمية تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان “بأخلاقيات الموت” والتحرر ودرامية النهاية. فعلى نفس الوتر تماما يحاول “فاتيمو” حصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية “humanisme”, والعدمية، ونهاية التاريخ، وتجاوز الميتافيزيقا(4). ويستخدم “ميشل فوكو” و”جاك دريدا”, وهما من البنيويين الجدد, عدة مصطلحات تتجلى فيها أوجه النفي ما بعد الحداثي بوضوح مثل: التفكيك (déconstruction)، والاختلاف (différence) والتشتيت (dispersion) واللااستمرارية (discontinunty).
وقد كان مجال التشييد والبناء (architecture) سباقا إلى هذا الاتجاه التدميري الذي رسمته ما بعد الحداثة. ففي عام (1949) ظهر مصطلح منازل ما بعد حداثية “post modern-house”(5) إيذانا باحتلال ما بعد الحداثة مكان المباني الحداثية, مستمدة هويتها من خلال إزاحتها لتخطيط المباني الحداثية، ولعل هدم المنازل الحداثية عام (1972) يؤخذ كمؤشر على نهاية الحداثة في البناء.
إننا أما فلسفتين، أو لنقل مفهومين فضفاضين كل منهما يجعل من نفي الآخر ومناهضته شرطا ضروريا لضمان شرعية الوجود. لقد تضمن خطاب ما بعد الحداثة نبذا صريحا لتقاليد الحداثة جاعلا من نهايتها أساسا لانطلاقه وتضخمه، إن عنصر جدته يمكن في “اللا” التي يعلنها ضد مشروع الحداثة الذي أصبح أنقاضا بالنسبة لما بعد الحداثة، وهذا ما نفهمه من مقولة باشلار: “ينبغي قبل كل شيء أن نعي كون الاختيار الجديد يقول “لا” للاختيار العتيق، ومن البين أنه بدون هذا الرفض لا يكون الأمر متعلقا باختيار جديد”(6).
وفي معرض الدفاع عن الشرعية والوجود, تنضبط الحداثة في صيرورة لا متناهية وتتجلى في مشروع لم يكتمل بعد، تنفلت من كل تحديد مفهومي نهائي, محاولة البحث في كل مرة عن أساسها المناسب والصيغة الملائمة لتبرير مسارها اللامحدود. فهي (أي الحداثة) تتمجد بانغلاقها لأنه سلاحها الوحيد ضد مفهوم جديد يمثل آخر مسخ لها وبداية لنهايتها. إن الحداثة ككل فلسفة “تطرح أسسها كأنها لا تقبل المساس، وتطرح حقائقها الأولى كأنها حقائق كلية وكاملة”(7).
أن تنتهي الحداثة أو لا تنتهي، أن تكون ما بعد الحداثة أو لا تكون، ثمة وضع جديد وأفكار جديدة، تحت اسم ما بعد الحداثة اقترحت نفسها كنفي وتجاوز لمشروع الحداثة الذي انبثق من الأزمة وشكل التشخيص العرضي لجملة من الأزمات. كما أنه طالما وجدت كلمة “حداثة Modernisme” والبادئة التي تعني (ما بعد) “post” فمن الممكن أن يتحدث البعض عن “ما بعد الحداثة postmodernisme” كمفهوم جديد يعقب الحداثة في الزمان والمكان ويبحث عن كل ما يناقضها ليعلن صراحة عن أطروحته المركزية الضامنة لشرعيته الفلسفية، ألا وهي “موت الحداثة”
 
هوامش
(1(1)  Alain Touraine, Critique de la modernité. Ed. Fayard, Paris, 1992.
(2)  Habermas Jurgen, Le discours philosophique de modernité, Ed. Gallimard, Paris, 1988.
(3) هنري لوفيفر، ما الحداثة، ترجمة: كاظم جهاد، دار ابن رشد للطباعة والنشر، 1983، ص29.
(4) Gianni Vattimo, The end of modernity, the Johns Hopkins university press, Baltimore, 1988.
(5) Elspeth Grahams. Post modernism and the social science, Mac Millan, London, 1992, p3.
(6) غاستون باشلار، فلسفة الرفض، ترجمة: خليل أحمد خليل، بيروت، دار الحداثة، الطبعة الأولى، ص12.
(7) نفس المرجع، ص10.

* عن موقع  “انفاس ”