الدولة، تاريخيا، تعني المجتمعات التي تبني هندستها على وجود القانون، والقانون في التعريف الأبجدي للدولة، هو العنف المشروع الذي تبرر به صفتها الردعية، وتقيم به العلاقات المبنية على قاعدة العدل والاحترام واستبعاد قانون الغاب..
وهذه العناصر البدهية، تحتاج، في أزمنة معينة، كما هو الحال في المغرب اليوم، أن نذكر بها. ونحن نحتاج التذكير بمعنى الدولة، لكي نحيل على جوهر القانون وتطبيقه في بناء كيانها.
والحال أن المعنى المتعارف عليه، قانويا وأخلاقيا، يتعرض للقضم اليومي، بسبب العديد من السلوكات التي تريد أن يسود «شرع اليد» أو قانون الغاب.
وفي هذا السياق، كشفت حادثة إنزكان وحادثة فاس، وقبلها حوادث الاستيلاء على ماهو في ملك الدولة والمجتمع، أن هناك من يريد أن تبقى الدولة في وضع المتفرج، وأن تتم خوصصة تطبيق القانون بناء على قناعات فردية، أو بسبب ميولات إيديولوجية، أو بالرفض الضمني للدولة كدولة ونزع حقها في العنف المشروع، أو في تطبيق القانون. وهو ما يسائلنا على ضوء المناخ العام الذي تغذيه العديد من المؤشرات:
-أولها، التهديد الدائم بالعودة إلى «الشارع« للفصل في كل قضية، مهما صغرت أو كان موضوع حسمها المؤسسات والهياكل المتعارف عليها وطنيا لحل المعضلات والخلافات، وهذا النزوع شاهدناه في الكثير من النقاشات العمومية التي عرفتها الترسانة الحقوقية أو الثقافية ..أو ما شابههما.
-ثانيها، التكييف الإعلامي الضمني أو الصريح الذي يتم بواسطة نشر ثقافة التهديد والارهاب، وإعلاء كلمة العنف، باسم الدين وباسم الشريعة وباسم عزة الأمة، والإغراء الذي تقدمه لشباب منفعل يتعرض لغسيل متوال للدماغ، عبر القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي الخارجة عن أي تأطير أو تقنين، في امتلاك قوة تنفيذ «الحدود».
-ثالثها: الخطاب الأخلاقوي الذي يرادف السياسة والخطاب السياسي عند مكونات حزبية وأخرى جمعوية، المفروض فيها أنها تتواجد بقوة القانون وبقوة الشرعية القانونية العصرية، لكنها تجنح نحو التعبيرات العقدية، غير المؤطرة بالقوانين التي توافقت عليها مكونات المجتمع، وبالتالي المساعدة على الإلغاء العملي للقانون، باعتباره» الروح المشتركة للأمة«.
-رابعها، العجز الظاهر أمام كل دعاوى التكفير والتشهير، وإهدار الدم والهجوم العنيف على الفاعلين الوطنيين من كل مناحي العمل الوطني، بدون أن تدبر الدولة هذه الإشكاليات بالقوة القانونية الضرورية، مما أعطى الانطباع بأن مساعي التكفير وتطبيق الحدود»، كمحاولة »التعزير« التي أقيمت في فاس، مسألة فوق القانون وفوق السلطات وفوق الدولة ككل، وتسمح لمن يعتنقها بأن يكون ندا للدولة وندا لمؤسساتها.
أمام هذه المعطيات يحق للرأي العام أن يدق ناقوس الخطر من محاولة «تفكيك » قدرة الدولة على تعميم الشعور لدى المواطنين، من الداخل ومن الخارج، بالأمن والطمأنينة، واستشعار ما هو أفظع في المستقبل.
لقد تابعنا كيف أن الدولة، في توازن حكيم بين القوة واحترام حقوق الإنسان ،استطاعت أن تدبر ملفات الاستيلاء على الملك العمومي، في حالات ومدن عديدة، ولا يمكن أن تشكل الحالات الراهنة استثناء ، تحت أية ذريعة كانت. لأن الدولة لا يمكنها أن تفوض أحقيتها في ضمان التوازن المجتمعي والروح المشتركة لأي كان، غير كيانها وغير مؤسساتها.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  الخميس 2 يوليوز 2015