ما عاشه المغرب، في الأيام الماضية، من مظاهر خطيرة، تتمثل في مهاجمة الجمهور لبعض المواطنين، والاعتداء عليهم بالضرب أو بالسب والتجريح، ومحاصرتهم، بحجة إخلالهم بالأخلاق، أو للاحتجاج على مسؤولين، لأي سبب من الأسباب، يشكل سابقة لم تعرف بلادنا مثيلا لها من قبل. ونستحضر هنا حادثة الفتاتين بإنزكان وكذلك ما حصل للشاب المتهم بالمثلية، في فاس، بالإضافة إلى أشكال أخرى من التجمهر والمحاصرة والتشهير والصياح، في وجه أعضاء في الحكومة أو مسؤولين سياسيين…
وسيكون من المشروع أن نتساءل: كيف تطورت ثقافة الرعاع بهذه السرعة في بلادنا؟ لا يمكن تقديم جواب عن هذا التساؤل بسهولة، غير أن هناك مؤشرات قد تساعد على فهم ما يجري. أولها الخطاب الذي يمجد الشعبوية، والذي يعتبر أن كل ما يقوم به الجمهور فهو صحيح، بل إنه يهدد معارضيه، بالاحتكام إلى “الشارع”، وفي نفس الوقت، يقوم بتحريض الناس ضدهم، بتهم الإساءة للدين.
المؤشر الثاني، يتعلق بما يروج في وسائط الاتصال الرقمية، من خطابات التكفير وتهم الخروج عن الملة والدين، المرفقة بدعوات تغيير “المنكر”، وإذا أخذنا بعين الاعتبار التطور الهائل لعدد المشاركين في الأنترنيت، بالمغرب، الذي وصل هذه السنة، إلى عشرة ملايين مشارك، يتبين حجم تأثير مثل هذه الخطاب الظلامي.
المؤشر الثالث، والذي يرتبط بهذين المؤشرين، هو اعتبار أن “إعمال الشرع”، مسؤولية كل “المؤمنين”، ولذلك، تجد صيحات “الله أكبر”، و”المغرب بلد إسلامي”، تتردد في كل الاعتداءات التي تمارس ضد مواطنين أبرياء، منفردين، لا حول ولا قوة لهم، يحيط بهم ويحاصرهم مجموعة من الجبناء.
المؤشر الرابع، يتمثل في فهم الديمقراطية، الذي تحول إلى احتجاجات، أقرب إلى الفوضى منها إلى الحق في حرية التعبير، وقد وقع ضحية هذا السلوك الذي لا يختلف عن أساليب الرعاع، وزراء ومسؤولون سياسيون، حيث يتم تصوير ما حدث لهم، ويبث في المواقع الاجتماعية، بتعليقات تمجد وتمدح الجمهرة.
نحن أمام ما يمكن أن نسميه “العدالة الشعبية”، والتي ليست لا قانون ولا ديمقراطية ولا “شرع”، بل هي عبارة عن روح انتقام، من ضحايا عزل، تتم محاصرتهم كما تحاصر الطريدة التي يراد اصطيادها. الأمر خطير، وينبغي وضع حد له بكل الوسائل القانونية، أساسا، وأيضا بتدخل كل الأطراف السياسية والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، العمومية والخاصة، وكذلك السلطات الدينية، حتى يلتزم الجميع بسلوك حضاري، لا سيادة فيه إلا للقانون. أما من يعتبر أن الشارع معه، ويتلذذ ببعض مظاهر مهاجمة الدهماء لأشخاص، باسم الدين، فإن السحر سرعان ما ينقلب على الساحر.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الثلاثاء 7 يوليوز 2015