ينحو الخطاب الحكومي، نحو التقليل من درجة خطورة الأفعال الترهيبية التي تتهدد المجتمع في الفترة الأخيرة، وتقديمها كما لو كانت مجرد أحداث يتم تضخيمها أو ينعتها بالأحداث «المفتعلة».
وبسبب العجز عن فهم ما تحبل به السلوكات الترهيبية، في سياق مطبوع بالعنف وبالتوتر على مدى القوس الجغرافي الذي ينتمي إليه المغرب، أو بسبب الحفاظ على »سلام حكومي« مفكر فيه وانتهازي، يسلك الخطاب الحكومي، مسلك النعامة التي تخفي رأسها في الرمال حتى لا ترى حقيقة ما يقع.
فالوقائع التي هزت الرأي العام، وتعبأت لها القوى المدنية، وشكلت العناوين الكبرى في الإعلام الدولي، ليست بالبساطة التي يروج لها الخطاب الحكومي، ومنه خطاب بعض القوى المحسوبة على الصف التقدمي، والمستسلمة لشروط التحالف مع الحزب الأصولي، بل إنها وقائع ذات إسقاطات لا تخلو من خطورة.
فقد ألفنا، في الفترات الصعبة، والتي تسبق الضربات الإرهابية الخطيرة والمشهدية، أن تتواتر في البلاد حملات ترهيبية |(يسميها أصحابها بالتعزير ) يذهب ضحيتها الأفراد، أساسا، وتستهدف نمط عيش لا يتوافق مع الأطروحات التكفيرية أو الرجعية، حينا، وأشكال التعبير الفني والرمزي حينا آخر، وتظهر الدولة كما لو أنها عاجزة أو مستسلمة أو متواطئة مع هذه السلوكات ..
وعادة ما تكون الضربات الإرهابية، هنا وفي أقطار أخرى، تتويجا للإعداد النفسي والسلوكي الذي تجتهد فيه خلايا التنميط الأخلاقوية، التي تقدم الإرهاب كعقاب من الله وإقامة لحدوده!
ومن الخطير للغاية أن تُشّرع القوى التي تُخندق نفسها إيديولوجيا في الصف التقدمي، التغطية على هذه الوقائع، بدعوى وجود قضايا »كبرى«، هي نفسها لم تقدم فيها ما يشفي الغليل، أو أولتها ما تستحقه كقضايا كبرى، أو تثبت أنها تضحى بالفعل بالاهتمام الذي »يبرر« استسهال المس بالحريات الفردية ومن خلالها استهداف قوة الدولة وهيبتها.
فلم تعد حيل المطالب المستعجلة الاجتماعية، لتسويغ الترهيب أو القمع أو الردع أو تعطيل الاختيارات المرتبطة بالحرية، تنطلي في وقتنا الحاضر على أحد، كما لم تنطل في وقت سابق نفس الحيل عندما كانت قوى الاستبداد تبرر بضرورة توفير الخبز، إرادتها في تعميم القتل والبطش وتعطيل الاقتراع وسيادة الشعوب.
لقد تساهلت دول ومجتمعات بقربنا مع مظاهر »التدعوش« اليومية، واجتهدت في تبرير التساكن مع المشاريع الرجعية والمقترحات الأصولية في تنظيم المجتمع، إلى أن استفاقت على خسارة مزدوجة: من جهة، خسارة التعايش الحقيقي داخل المجتمع لحساب احتراب قوي ودموي بين مكونات البلاد، و من جهة أخرى خسارة «الروح» والهوية، في خضم الذوبان وسط مشروع أصولي رجعي، يتقدم مقنعا إلى حين التمكن من دواليب الدولة وفضاءات المجتمع.

* عن جريدة الانحاد الاشتراكي

   الاربعاء 8 يوليوز 2015