تتشابه قضية الأكراد في المشرق في أبعادها إلى حد كبير مع مسألة الأمازيغ بشمال إفريقيا، وإن كانت الأولى أكثر شهرة وحيازة للاهتمام الدولي.

عرفت الجزائر منذ أيام فقط أحداث عنف بولاية غرداية بين الأمازيغ الإباضيين والعرب المالكيين، خلفت ما لا يقل عن 22 قتيلًا. كان العامل العرقي المحرك الأساسي لهذه المواجهات الأهلية، مما يذكرنا بأهمية الملف الأمازيغي في الدول المغاربية من أجل استقرار المنطقة ككل.

وقد أضحت الحركات الثقافية الأمازيغية التي تدافع عن الهوية الأمازيغية في السنوات الأخيرة أكثر بروزًا في الساحة الثقافية والسياسية خصوصًا مع احتجاجات “الربيع المغاربي”، مما قاد كل من المغرب والجزائر إلى تقديم إجراءات ثقافية ودستورية من شأنها رفع مستوى الاعتراف بالهوية الأمازيغية كمكون من مكونات المجتمع، غير أن هذا الأمر لا يبدو مجديًّا لإرضاء النخبة الأمازيغية.

لنتعرف أكثر على ملامح القضية الأمازيغية في شمال إفريقيا.

جذور الأمازيغ في شمال إفريقيا

في سنة 647م خلال عهد عثمان بن عفان، قامت الإمبراطورية الإسلامية الوليدة والقادمة من شبه الجزيرة العربية بأول حملة “فتح” في شمال إفريقيا، حيث شعوب البربر كانت تسكن هناك، ومنذ ذاك الحين بدأ الوجود العربي عرقيًّا وثقافيًّا بالمنطقة.

عمر الأمازيغ أرض المغرب الكبير منذ قرون قبل مجيء الفتح الإسلامي مع عقبة بن نافع، حيث يسجل التاريخ أن مماليك أمازيغية قد سكنت المنطقة، حيث نجد مملكة موريطانيا مع الملك بوكوس ويوبا في سنة 101 قبل الميلاد، وأيضًا مملكة نوميديا مع الملك ماسينيسا التي بسطت سيطرتها على الجزائر وتونس آنذاك قبل 202 سنة من الميلاد، بالإضافة إلى مملكة “الغرمنت” الأمازيغية التي استوطنت ليبيا.

وبعد قدوم الفتح الإسلامي عاش العرب والأمازيغ في كنف الإسلام، حيث شيدت دول كانت مدعومة بالأساس من قبل قبائل أمازيغية مثل الدولة المرابطية والدولة الموحدية.

يتوزع الأمازيغ جغرافيًّا بكثافة في كل من المغرب والجزائر، كما أنهم أيضًا يتواجدون بليبيا وتونس وموريتانيا ومصر أيضًا، بالإضافة إلى النيجر ومالي.

لا يعرف بالتحديد عدد السكان ذوي الأصول الأمازيغية اليوم في شمال إفريقيا بسبب تخالط العيش والأنساب بين المكونات العرقية المغاربية، غير أن هناك تقديرات تقول بأن ثلث سكان المنطقة هم أمازيغيون إذا استثنينا مصر التي لا توجد بها سوى نسبة ضئيلة جدًّا من الأمازيغ تنتشر بالحدود مع ليبيا.

تتعدد طوائف الأمازيغ بشمال إفريقيا، حيث لكل واحدة منها لغة محلية، فنجد الريفيين والسوسيين والطوارق والقبايليين وغيرهم من المجتمعات الأمازيغية.

وقد تم استحداث لغة “معيارية” في بداية القرن الجاري لتوحيد مختلف لهجات الأمازيغ، تكتب بحرف “تيفيناغ”.

ما وضع الأمازيغ اليوم؟

لم يظهر خطاب “الهوية الأمازيغية” إلا في منتصف القرن الماضي، لكنه ازداد قوة وانتشارًا في العقد الأخير، بعد ظهور حركات ثقافية ومنظمات ونشطاء يعنون ببعث الهوية الأمازيغية التي يقولون عنها إن “الغزو العربي الإسلامي قام بمحوها”.

وقد ساهم “الربيع العربي” في بروز المسألة الأمازيغية بقوة، حيث نهض الأمازيغ بدور رئيس في التغييرات التي اجتاحت منطقة شمال أفريقيا، ما قاد إلى اعتراف واسع النطاق بثقافتهم ولغاتهم. ففي ليبيا بعد أن كانوا تحت حكم القذافي مضطهدين ومهمشين، أصبحوا مكونًا بارزًا في الساحة السياسية والاجتماعية والإعلامية بليبيا، كما أضحت الهوية الأمازيغية واللغة الأمازيغية معترف بها دستوريًّا في كل من المغرب والجزائر، أما تونس وموريتانيا فقد انتعشت مطالب الأقلية الأمازيغية هناك.

ظهرت المشكلة الأمازيغية أول مرة بالجزائر في 18 أبريل 2001، عندما توفي الطالب الثانوي محمد ماسينيسا بمركز الدرك الوطني الجزائري بولاية تيزي وزو، لتسبب وفاته آنذاك شرارة لاندلاع أحداث دامية خلفت عشرات القتلى بمنطقة القبايل، التي لا زالت حتى الآن تشهد بين الفينة والأخرى اضطرابات ساخنة لاعتبارات عرقية.

لكن في المغرب لم يكن الأمر بتلك الحدة، فقد قامت الدولة المغربية بخطوات مبكرة تجاه القضية الأمازيغية مثل إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والاعتراف رسميًّا بالهوية الأمازيغية كجزء مكون من هويات المجتمع وترسيم لغتها وإدراج الثقافة الأمازيغية في النظام التعليمي والإعلام، مما مكن من احتوائها، وإن كان نشطاء القضية الأمازيغية أيضًا في المغرب لا يزالون غير راضين عن الوضع الحالي الذي لا يزال ناقصًا في أعينهم.

ويحاول الأمازيغ اليوم التشبث بتقاليدهم وعاداتهم المميزة عن الهوية العربية، إلا أن مكوناتهم الشعبية تختلف طموحاتهم السياسية، مثلما تختلف ولاءاتهم في الداخل والخارج.

رهانات المسألة الأمازيغية

بخلاف المشرق لطالما عرفت البلدان المغاربية بتعايش مكوناتها العرقية المختلفة، غير أنه في السنوات الأخيرة بات هذا التعايش مهددًا بعدما أصبحت تتكرر بعض الاضطرابات ذات الطابع العرقي

يعتقد أنصار الهوية الأمازيغية أن الدول الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال قامت بتهميش ثقافتهم وهويتهم نتيجة حركات التعريب والقومية، وبالتالي كما يقولون فإنهم يسعون لاسترجاع هويتهم وحقوقهم باعتبارهم السكان الأصليين لمنطقة شمال إفريقيا.

أما الحركات الأكثر راديكالية المنظرة للثقافة الأمازيغية، فهي تعلن بوضوح بأنها تسعى لتحقيق دولة الأمازيغ في منطقة “المغرب الكبير” باعتبار الوجود العربي حسب قولهم مجرد “غزاة سلبوهم أرضهم وهويتهم وحقوقهم”، ومن ثمة فهم يناصبون العداء للتيارات القومية والإسلامية أساسًا.

عادة ما تتخذ النخبة القائدة للحركات الثقافية الأمازيغية العلمانية كإطار مرجعي لها، من أجل تحقيق تطلعاتهم السياسية والاجتماعية ذات الطابع العرقي، حيث يعارضون ما يسمونه “النظرة الاختزالية الواحدة” للهوية الوطنية، ويطالبون بدل ذلك بالاعتراف بالهويات المتنوعة والمعتقدات الدينية المتعددة.

إن وضعية الأمازيغ كما قلنا تشبه كثيرًا مشكلة الأكراد بالمشرق الذين يطمحون للانفصال، ورغم أن الوضع حتى الآن لا زال مسيطرًا عليه بالمنطقة المغاربية، إلا أنه ينبغي إيجاد حلول جذرية قبل أن يتفاقم الوضع، إذ يلعب الاستبداد والفساد والفقر الذي يلف بلدان شمال إفريقيا دورًا أساسًّيا في تزكية النعرات العرقية بين ساكنة المنطقة.

* عن موقع صحيفة ” سياسة بوست “

  نشر بها يومه الجمعة  17 يوليو,2015